العقيدة الأمريكية في التدخلات الدولية
تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT
في الثالث من يناير من عام 1990، قام الرئيس البنمي أنطونيو نورييغا بتسليم نفسه للقوات الأمريكية، عقب هجوم عسكري شنّته الولايات المتحدة على بنما، انتهى باقتياده إلى واشنطن ومحاكمته وإدانته بتهم الاتجار بالمخدرات وغيرها من التهم الأخرى، ليقضي سنوات طويلة في السجن حتى وفاته عام 2017. بعد ثلاثين عامًا تقريبًا، وفي الشهر ذاته شهر يناير، عاد المشهد ليطلّ من جديد، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة عن عملية عسكرية في فنزويلا لاعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى الأراضي الأمريكية لمحاكمتهما بالتهم نفسها تقريبًا التي وُجّهت إلى نورييغا، مع التلويح بعقوبة السجن المؤبد.
تاريخيًا، لم تكن التدخلات الأمريكية في شؤون أمريكا اللاتينية طارئة أو استثنائية، بل استندت إلى أسس فكرية وقانونية صاغتها واشنطن مبكرًا لتبرير حضورها القسري في المنطقة. ويعد ما عُرف بمبدأ مونرو، الذي جرى تكريسه بصيغته التدخلية عام 1904، كأحد أهم هذه الأسس، إذ منح الولايات المتحدة حق التدخل المباشر في دول أمريكا اللاتينية بذريعة الحفاظ على الاستقرار ومنع الفوضى.
ومع أن هذا التشريع لم يكن نقطة البداية، فالولايات المتحدة سبقت ذلك بسلسلة تدخلات مباشرة في الشؤون الداخلية لدول الجوار، من أبرزها الحرب الأمريكية المكسيكية بين عامي 1846 و1848، التي انتهت بضم مساحات شاسعة من الأراضي المكسيكية إلى الولايات المتحدة، في خطوة عكست منطق القوة وعقيدة التوسع. لكن إقرار مبدأ مونرو منح السياسة الأمريكية، الضوء الأخضر للذهاب أبعد من التدخل، وصولًا إلى تغيير الأنظمة القائمة والاستبدال بها أنظمة موالية لها وتخضع لوصايتها.
ويسجل التاريخ أمثلة عديدة على ذلك، من بينها الإطاحة بحكومة منتخبة ديمقراطيًا في غواتيمالا عام 1954، والتدخل في كوبا بعد ثورة 1959 عبر الحصار ومحاولة غزو خليج الخنازير، وصولًا إلى تشيلي عام 1973 حين دعمت واشنطن انقلاب الجنرال بينوشيه ضد حكومة سلفادور أليندي.
ومع مرور الزمن، لم يبق مبدأ مونرو محصورًا في نطاقه الجغرافي الأصلي، بل جرى توسيع منطقه ليغطي تدخلات أمريكية في مناطق بعيدة جغرافيًا وثقافيًا عن الولايات المتحدة. فبمنطق الحماية الاستباقية والدفاع عن المصالح العليا، خاضت واشنطن حروبًا خارج نطاقها القاري، بدءًا من الفلبين في نهاية القرن التاسع عشر بعد الحرب الأمريكية الإسبانية، حيث فرضت سيطرتها الاستعمارية المباشرة، مرورًا بغزو العراق عام 2003 والإطاحة بالرئيس صدام حسين بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل، وهي الذريعة التي ثبت لاحقًا عدم صحتها، وصولًا إلى غزو أفغانستان عام 2001 عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم التدخلات العسكرية المتكررة في الصومال والكثير من دول العالم تحت عناوين إنسانية وأمنية.
وفي جميع هذه الحالات، حضرت القوة العسكرية بوصفها الأداة المركزية لإعادة تشكيل الواقع السياسي بما يخدم الرؤية الأمريكية، حتى وإن كان الثمن انهيار دول، أو تفكك مجتمعات، أو فوضى ممتدة.
وعليه، فإن ما يجري اليوم في فنزويلا لا يمكن اعتباره حدثًا استثنائيًا أو انحرافًا طارئًا في السلوك الأمريكي، بل يأتي امتدادًا طبيعيًا لسياسة راسخة تقوم على شن الحروب الاقتصادية والسياسية، وفرض العقوبات، واستثمار مقدرات الدول القريبة والبعيدة، دون اكتراث فعلي بالقانون الدولي أو بمرجعيات الأمم المتحدة والعهود والمواثيق التي كثيرًا ما تتعامل معها واشنطن بوصفها التزامات اختيارية لا قواعد ملزمة.
فمن موقعها كقوة مهيمنة في النظام الدولي المعاصر، تتصرف الولايات المتحدة وفق مصالحها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، مدفوعة بعقيدة ترى فيها نفسها الحارس الأول للنظام العالمي، وصاحبة الحق في إعادة ضبط توازناته متى ما اختل وفق معاييرها.
وفي ظل هذا التصور، لا يبدو أن السياسة الأمريكية مرشحة لتغيير جوهري في المستقبل القريب، ما دامت القوة هي اللغة الأكثر حضورًا في تعريفها للعلاقات الدولية، وما دامت مناطق النفوذ، وعلى رأسها أمريكا اللاتينية، تُدار بعقلية الوصاية لا الشراكة، وبمنطق الإملاء لا الاحترام المتبادل. فبين بنما بالأمس وفنزويلا اليوم، تتجلى حقيقة واحدة ثابتة: تغيرت الأسماء والذرائع، لكن جوهر التدخل بقي على حاله.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الولایات المتحدة أمریکا اللاتینیة
إقرأ أيضاً:
الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟
يشير تصاعد الحديث عن "الاستقرار الإستراتيجي" بين الولايات المتحدة والصين، في أعقاب قمة مايو/أيار بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترمب والصيني شي جين بينغ، إلى مسعى لضبط التنافس ضمن أطر قابلة للإدارة.
ويتزامن ذلك مع اقتراب فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية عالمية جديدة، إلى جانب ترقب لقاء محتمل بين الزعيمين في واشنطن في سبتمبر/أيلول المقبل، مما يعكس مرحلة دقيقة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد.
اقرأ أيضا list of 4 itemslist 1 of 4ترمب يستعد لفرض رسوم جمركية جديدة تستهدف 60 دولةlist 2 of 4الصين تكسب معركة الصورة.. هل بدأت مكانة أمريكا العالمية بالتراجع؟list 3 of 4الصين تصدر أكثر من مليون سيارة في شهر واحد رغم التعريفات الجمركيةlist 4 of 4حرب تجارية تتسع.. كيف تستخدم الصين سلاسل التوريد في معركتها مع الغربend of listفي هذا السياق، ركزت بعض الصحف الصينية على أبعاد متعددة للعلاقات الثنائية، من فهم الخطاب المتبادل إلى التفوق الصيني في بناء السفن ومحاولات واشنطن لموازنته، وصولا إلى القيود التجارية وتوقعات الردود المقابلة، مما يضعنا أمام السؤال الأهم، وهو هل نحن أمام تصعيد جديد في الحرب التجارية أم احتكاك اقتصادي يدار ضمن قواعد هذا الاستقرار؟
لا ينبغي أن يقتصر بناء المعرفة اللغوية على تلبية الاحتياجات الدفاعية، فضعف برامج اللغات المدنية، يفقد واشنطن المعرفة الثقافية والتاريخية والسياسية والاجتماعية اللازمة لفهم الصين
بواسطة شينغ يو وانغ
توافق لغوي واختلاف جوهريبحسب ما أوردته صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست ، ظهر مفهوم "الاستقرار الإستراتيجي" في بيانات الجانبين عقب لقاء الرئيسين في بكين في مايو/أيار الماضي، لكن بصياغتين مختلفتين تعكسان تباينا في الدلالة والرؤية.
فقد قدم البيت الأبيض العلاقة على أنها "بناءة على أساس الإنصاف والمعاملة بالمثل"، بينما اكتفت بكين بوصفها "علاقة ثنائية بناءة للاستقرار الإستراتيجي".
وتشير الصحيفة إلى أن هذا الاختلاف اللغوي ليس تفصيلا شكليا، بل يعكس فجوة أعمق في تفسير النوايا الإستراتيجية، إذ يرى محللون أن اللغة الصينية الرسمية "غامضة بشكل مقصود" بما يمنح القيادة مرونة سياسية، في حين تعاني واشنطن من صعوبات متزايدة في تفسير الخطاب الصيني بسبب تراجع قدراتها في الكوادر اللغوية والمعرفية.
إعلانووفقا لكايل تشان، الباحث في مركز جون إل ثورنتون الصيني في معهد بروكينغز "فإن تراجع الدعم الحكومي والاهتمام بين الطلاب الأمريكيين يترك فجوة كبيرة في القدرات اللغوية الصينية"، ويؤيده في هذا الرأي شينغ يو وانغ، الباحث في معهد سياسات جمعية آسيا ، الذي يشير إلى أهمية اتباع نهج أوسع لبرامج اللغة.
ويقول إنه "لا ينبغي أن يقتصر بناء المعرفة اللغوية على تلبية الاحتياجات الدفاعية فقط، فإذا ما ضعفت برامج اللغات المدنية، فقد تفقد واشنطن المعرفة الثقافية والتاريخية والسياسية والاجتماعية الأوسع اللازمة لفهم الصين كنظام متكامل".
تصعيد أم احتكاك مدروسفي السياق ذاته، أفادت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن الولايات المتحدة تقترب من فرض إطار جديد لتعريفات جمركية عالمية، قد يشمل نحو 60 اقتصادا تمثل 99% من وارداتها، ويستند هذا التوجه إلى أدوات قانونية أكثر مرونة مثل المادة 301، بما يسمح بفرض رسوم موجهة وقابلة للتوسع.
وترى أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك الاستثمار الفرنسي ناتيكس ، أن هذا الإطار يمثل "أداة إستراتيجية طويلة الأجل" وليس إجراءً مؤقتا، مشيرة إلى احتمال فرض رسوم إضافية أو قطاعية إذا استمرت اختلالات التجارة أو المخاوف الأمنية.
ورغم ذلك، ترجّح الصحيفة أن التأثير الفوري سيكون محدودا، وأن المسار العام يعكس "منافسة مُدارة" أكثر من كونه قطيعة كاملة، خاصة في ظل استقرار نسبي شهدته العلاقات هذا العام بعد فترة من التصعيد الجمركي المتبادل.
الإجراءات العقابية على قطاع صناعة السفن قد ترفع التكاليف على المستهلكين الأمريكيين إذا لم تقترن بإعادة بناء القدرة الإنتاجية المحلية
بواسطة ماثيو فونايول
رد مقيد وقنوات مفتوحةتجمع التقديرات التي نقلتها الصحيفة على أن بكين ستتجه إلى ردود "مقيدة ومدروسة"، تشمل تعريفات مستهدفة أو قيودا غير جمركية أو ضوابط على الصادرات، مع الحفاظ على قنوات التفاوض لتجنب تداعيات اقتصادية أوسع.
ويشير شو تيان تشن من وحدة الاستخبارات الاقتصادية إلى أن الإجراءات الأمريكية الحالية لا تستهدف الصين حصرا، وأن بكين قد "تقبل إلى حد كبير" هذه الرسوم إذا بقيت ضمن حدود معينة. ويضيف أن أي رد صيني سيكون "رمزيا في جوهره"، وقد يستخدم كورقة ضغط للحصول على تنازلات أمريكية في ملفات أخرى.
وتظل قضية "العمل القسري" أحد محاور الخلاف المستمرة منذ الولاية الأولى لترمب، حيث تستخدمها واشنطن لتبرير القيود التجارية، وهو ما يعزز الطابع السياسي للنزاع التجاري بين البلدين.
في موازاة ذلك، تبرز صناعة بناء السفن كجبهة جديدة في التنافس، وتفيد ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن الكونغرس الأمريكي يدرس فرض تعريفات ورسوم موانئ وعقوبات تستهدف هذا القطاع، الذي بات يُنظر إليه كقضية اقتصادية وأمنية في آن واحد.
ويعكس هذا التوجه قلقا أمريكيا متزايدا من تفوق الصين، التي تستحوذ على أكثر من نصف الإنتاج العالمي للسفن التجارية، مقابل أقل من 1% للولايات المتحدة.
إعلانوأشار نواب أمريكيون، مثل النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا آمي بيرا، إلى أن واشنطن "تتخلف أكثر فأكثر عن الصين" في هذا المجال.
وتتهم الولايات المتحدة الصين بالاعتماد على دعم حكومي لتوسيع هذا القطاع، وهو ما تنفيه بكين، مؤكدة أن تفوقها يعود إلى الابتكار والكفاءة الصناعية.
كما يحذر خبراء، مثل ماثيو فونايول، من أن الإجراءات العقابية قد ترفع التكاليف على المستهلكين الأمريكيين إذا لم تقترن بإعادة بناء القدرة الإنتاجية المحلية.
من الصدمة إلى الضغط
في المقابل، تقدم تقارير صحفية أخرى قراءة مغايرة للاتهامات الغربية، معتبرة أن مفاهيم مثل "صدمة الصين" و"الفائض الإنتاجي" وصولا إلى "الضغط الصيني" تعكس جميعها "سرديات مضللة".
وترى صحيفة تشاينا ديلي أن هذه المفاهيم تخلط بين التنافسية والممارسات غير العادلة، وتتجاهل دور الصين كمحرك للنمو العالمي، ويستشهد تقرير الصحيفة بدراسة لصندوق النقد الدولي عام 2025 خلصت إلى أن الصين ساهمت بشكل كبير في النمو الاقتصادي العالمي وتأثيراته الإيجابية.
كما تؤكد تشاينا ديلي أن صعود الصين الصناعي يستند إلى عوامل هيكلية مثل الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والابتكار، وأن اندماجها في سلاسل القيمة العالمية يخلق فرصا للدول النامية بدلا من إقصائها.
في ضوء هذه المعطيات، توحي الصحف الصينية بأن العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة تتجه نحو نموذج هجين متشكل من تصعيد محسوب ضمن إطار "استقرار إستراتيجي"، إذ بينما تطور واشنطن أدوات ضغط أكثر مرونة واتساعا، تستعد بكين لردود انتقائية تحافظ على التوازن وتتفادى الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وحيث تتوسع ساحات التنافس لتشمل قطاعات إستراتيجية كصناعة السفن والتبادلات البحثية والعلمية، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الطرفين على إدارة هذا الاحتكاك دون تقويض الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو ما تعكسه الدلالات اللغوية التي تؤكد التنافس وتقيّده في آن واحد.