جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-02@22:49:30 GMT

الصادق يصِل

تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT

الصادق يصِل

كلثوم الحسنية

يولد الأمل في اللحظات التي يختبر فيها الإنسان معنى الصبر، ويختار فيها الصفاء رغم الضباب، فيدرك أن العناية الإلهية لا تمنع التعثّر، لكنها تمنع الضياع الكامل. فالأمل ليس وعدًا بأن الطريق سيكون سهلًا؛ بل قناعة راسخة بأن نهايته تستحق المحاولة، وأن كل خطوة تُخطى بصدق لا تضيع وإن بدت متأخرة.

وقد تتعقّد الرحلات، وتختلف النتائج عن التوقعات، ويقف الإنسان طويلًا أمام أبواب لا تُفتح في وقتها، فيحسب أن المسير أخطأ وجهته.

غير أن ما يصنع الفارق الحقيقي ليس عدد المحاولات، بل صفاء الدافع الذي يحرّك الخطوة، ونقاء السبب الذي يجعل الإنسان يواصل السير حتى حين لا يرى ملامح الوصول.

هذا الأمر يحدث في تفاصيل بسيطة لا يلتفت إليها أحد. كأن يخرج الإنسان من موعد كان يعول عليه كثيرا، يحمل في داخله شعورا ثقيلا لا يُسمّى، ويقنع نفسه بأن الأمور لم تسر كما ينبغي. يعود إلى يومه، يمارس مهامه، ويواصل حياته وكأن شيئا لم ينكسر، لكنه في داخله يدرك أن بابا ما لم يُفتح. وبعد وقت، ومن دون تخطيط مسبق، يجد نفسه في موقع آخر، يقوم بدور لم يكن في حساباته، ويشعر بهدوء غريب لم يشعر به سابقا. عندها فقط يفهم أن ما تأخر لم يكن خطأ، وأن الطريق لم يكن يرفضه، بل كان يعيد توجيهه بهدوء.

إن الأمل لا يطلب من الحياة ضمانات، ولا يساومها على النتائج، بل يطلب من الإنسان صدقًا في المسير. والصدق هنا لا يعني المثالية ولا العصمة من الخطأ، بل يعني وضوح المنبع؛ أن يفعل الإنسان ما يفعل لأنه يؤمن به، لا لأنه مضطر لإثبات شيء للعالم، ولا لأنه يخشى أحكام الآخرين أو سباق المقارنات.

وكثيرا ما يُساء فهم التأخير، فيُفسَّر على أنه خذلان، بينما هو في جوهره إعداد. فبعض الطرق لا تتأخر لأنها صعبة، بل لأنها دقيقة، تحتاج قلبًا أهدأ، ونية أنقى، ونضجًا لا يُكتسب بالعجلة. وما يبدو تعطيلا في الظاهر، قد يكون ترتيبا خفيا يحفظ للروح توازنها قبل الوصول.

وفي خضم هذا المسير، يتعلّم الإنسان أن الهدوء ليس انسحابًا، بل وعيًا أعمق بطبيعة الطريق. فليس كل استعجال بطولة، ولا كل صبر ضعفًا، بل إن أعظم أشكال القوة أن يعرف المرء متى يتقدّم، ومتى يتأنّى، ومتى يترك للأيام أن تقوم بدورها دون مقاومة مُرهِقة. ومع الوقت، يكتشف أن بعض الإجابات لا تأتي حين نُطالب بها، بل حين نصبح مستعدين لفهمها. وحينها فقط، يدرك أن الرحلة لم تكن اختبارًا للوصول، بقدر ما كانت تدريبًا على الاتزان، وأن ما تغيّر في داخله أهم بكثير مما تغيّر حوله.

ولعل هذا المعنى يتجلّى في قوله تعالى: "وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ". فليس كل ما نتأخر عنه شرًا، ولا كل ما نُمنع منه خسارة، فبعض الخير يأتي متخفيا في هيئة صبر، وبعض النجاة لا تُرى إلا بعد مسافة.

ومن بين كل القوانين التي قد يختلف عليها الناس، يبقى قانونٌ واحد ثابت: أن الصادق يصل.
يصل لأنه لم يسمح للوهم أن يقوده، ولم يسمح للنوايا أن تتلوّث، ولم يركض في الحياة هاربًا منها، بل ركض فيها مؤمنًا بها، وبنفسه، وبما زرعه في داخله من يقين.

وقد يتأخر الصادق في الوصول، لا لأن الطريق خذله، بل لأن الطريق كان يهيّئه. وقد تتبدّل هيئة الأشياء، وتتغيّر ملامح الحلم، لكن الثابت أن الصدق لا يخيب، وأن من يمشي إلى الحياة بقلبٍ سليم، تمشي إليه الحياة بلطفٍ مضاعف، حتى وإن جاء ذلك اللطف على مهل.

ولهذا، لا يُقاس الوصول بسرعة الخطى، ولا بعدد الأبواب التي فُتحت، بل بسلام القلب وهو يعبر. فحين يكون القلب سليمًا، والنية صادقة، تصبح الطرق -مهما تعرّجت -جزءًا من العطاء لا عقبة في وجهه. ومن يمشي إلى الحياة بصدق، لا يسبقها ولا تسبقه، بل يلتقي معها في الوقت الذي يليق به، حين يكون جاهزًا ليحمل ما يصل إليه، دون أن ينكسر.

 

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

كلمات دلالية: فی داخله

إقرأ أيضاً:

من كتب الثانوية لـ"عجلة الديلفري".. إبراهيم يصارع الحياة لإعالة أسرته

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

المرحلة الثانوية عند أغلب الطلاب تعني دروسا وامتحانات وأحلام كلية، لكن عند "إبراهيم وليد"، 16 سنة، طالب بالصف الأول الثانوي بمحافظة بني سويف، المعادلة مختلفة، الظروف جبرته يشيل مسؤولية أكبر من سنة ويبدل الكتاب بمقبض الدراجة البخارية.

الدراجة لإعالة الأسرة

تعرض والد إبراهيم لأزمة صحية منعته من العمل،وتوقفت معها موارد الأسرة الوحيدة، وقتها وقف الابن قدام خيارين: يترك التعليم، أو يترك إخواته الصغار للظروف، لكن إبراهيم اختار الطريق الثالث، وقرر يكون هو المعيل الأساسي لأسرته،ونزل يشتغل عامل توصيل طلبات "ديلفري" بدراجته البخارية.

"اختار التعب على الذل" زي ما بيقول، من الصبح لآخر اليوم بيلف شوارع بني سويف يوصل أوردرات، ويرجع يذاكر عشان حلمه ما يضيعش، المشقة باينة في عينيه، لكن الإصرار باين أكتر.

رغم إنه لسه 16 سنة، إلا إن إبراهيم حمل على كاهله أعباء كثيرة، إشتغل قبل كده في مطاعم وصالات ألعاب رياضية، لحد ما استقر على شغل الديلفري عشان دخله،  بيشتغل يوميًا عشان يغطي مصروفاته الدراسية ويساعد أمه في مصاريف البيت والعلاج.
إبراهيم وجه رسالة شكر لكل أبناء بني سويف اللي تداولوا صورته على السوشيال ميديا برقم تليفونه، وخص بالشكر الشاب السويفي أيمن سلامة على تشجيعه ودعمه،متمنيا دعمه حتى يقدر على تحمل أعباء المعيشة لأسرته.

حلمه بسيط بس كبير: "نفسي أكسب رزق حلال كل يوم، لحد ما أوصل لحلمي وأبقى دكتور في يوم من الأيام".

إبراهيم هو الطفل بحكم السن، والراجل بحكم قراراته. نموذج بيقول إن المسؤولية مش بالعمر، وإن الشغل الحلال عمره ما كان عيب، حتى لو كان على حساب الراحة.

IMG-20260602-WA0012 IMG-20260602-WA0008 IMG-20260602-WA0009

مقالات مشابهة

  • «السعودية» تعيد تشغيل رحلات الوجه من جدة والرياض
  • الجيش الأمريكي: أطلقنا صاروخاً على ناقلة نفط كانت تحاول الوصول إلى ميناء إيراني
  • هل أرهقت تكاليف الحياة الأردنيين؟
  • الولاية.. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} الحلقة الأولى
  • من كتب الثانوية لـ"عجلة الديلفري".. إبراهيم يصارع الحياة لإعالة أسرته
  • نواف سلام: المفاوضات هي الطريق الأقصر لإنهاء الاحتلال وتثبيت وقف إطلاق النار
  • الطريق إلى اليورانيوم الإيراني.. ما هي الخطة X الأمريكية حال فشل المفاوضات مع طهران
  • الوزراء يستعرض الاستراتيجيات الدولية الرائدة الداعمة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة
  • الجمعة.. الأمم المتحدة تطلق النداء الإنساني العاجل المعدَل للبنان في جنيف
  • أرتيتا: باريس سان جيرمان الأفضل في العالم.. والحظ حرم آرسنال من اللقب