جدران الإقصاء: كيف تعيق الحواجز مشاركة الجيل زد في العالم العربي؟
تاريخ النشر: 7th, January 2026 GMT
في عصرٍ يتميّز بنشاطٍ رقميٍّ مكثّف وبروز جيل "Z" كقوةٍ فاعلةٍ تطالب بالتغيير، يُقدّم تقرير مؤشر مشاركة الشباب العالمي (GYPI) لعام 2025 لمحة ثاقبة عن العوائق المتجذّرة أمام الإدماج السياسي والمدني والاقتصادي في العالم العربي.
يُظهر هذا المؤشر، وهو أول محاولةٍ عالميةٍ شاملةٍ لقياس مشاركة الشباب بشكلٍ منهجيٍّ في 141 دولة، أن الطريقَ نحو المشاركة العامة الفعّالة بالنسبة للشباب في دولٍ مثل الصومال والسودان ومصر وموريتانيا محاطة بالقمع الممنهج والتمييز المؤسسي على أساس السن.
يتناول هذا الجهد، باستخدام التحليل التفصيلي متعدد الأبعاد لمؤشر الشباب والديمقراطية، معدلات مشاركة المواطنين الشباب الذين يتم تعريفهم على أنهم الفئة العمرية 15-30 عاما، والتي تتداخل بشكل كبير مع الجيل "Z" في البلدان العربية المحددة: موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس ومصر والسودان والصومال والعراق ولبنان. تُبرز النتائج وجود عجز كبير في إدماج الشباب مقارنة بالمعايير العالمية، مما يضع هذه الدول في أدنى مستويات الفرص السياسية والمدنية. والأهم من ذلك، تُشير البيانات إلى أن انخفاض المشاركة ليس علامة على اللامبالاة لدى هؤلاء الشباب، بل هو انعكاس مباشر للقيود الهيكلية التي فرضتها النخب السياسية الأكبر سنا.
حجم الإقصاء
يقوم مؤشر "GYPI" بتقييم البلدان عبر أربعة أبعاد رئيسية: الاجتماعية والاقتصادية، والفضاء المدني، والشؤون السياسية، والانتخابات، ويصنفها على مقياس من 0 إلى 100. يبلغ متوسط درجة "GYPI" عالميا 61 من 100، لكن من المثير للقلق أن الغالبية العظمى من الدول العربية المدرجة تقع ضمن فئة "المشاركة المنخفضة"، وهي تلك التي تتراوح بين 14 و52 درجة.
يكشف استعراض تصنيفات "GYPI" المتاحة عن أزمة استبعاد الشباب داخل المنطقة:
• سجلت موريتانيا درجة منخفضة في مؤشر "GYPI" بلغت 42 من 100، لتحتل المرتبة 131 عالميا..
• حصلت مصر على درجة أعلى قليلا عند 44، مما جعلها في المرتبة 130..
• السودان يسجل 40 نقطة، ويحتل المرتبة 134..
• سجل الصومال درجة منخفضة بشكل صارخ بلغت 32، ليحتل المرتبة 140، مما يضعه ضمن أدنى المراتب على مستوى العالم، في مرتبة أدنى من أفغانستان.
إن حقيقة أن دولا مثل موريتانيا ومصر والسودان والصومال تقع في الربع السفلي من المؤشر، تسلط الضوء على أن استبعاد الشباب ظاهرة إقليمية عميقة تفاقمت بسبب قضايا الحوكمة الراسخة.
سجل المغرب وتونس درجة إجمالية قدرها 53 في مؤشر مشاركة الشباب، مما يضعهما في فئة "المتوسطة" من مشاركة الشباب على مستوى العالم. فعلى سبيل المثال، يُسجل المغرب درجة منخفضة في الوصول إلى الحوكمة الإلكترونية (أقل من 60 من 100)، على الرغم من استفادة شبابه بنشاط من المنصات الرقمية للتنظيم، كما هو الحال في حركة "الجيل زد 212".
إن النتيجة الإجمالية للبنان تضعه بالقرب من نقطة الانتقال بين الفئتين المتوسطة والمنخفضة، مما يعكس عقبات كبيرة أمام إدماج الشباب. يتمتع لبنان "بتمثيل محدود للغاية" للشباب في الهيئة التشريعية، حيث حصل على 7 درجات فقط من أصل 100 في هذا المتغير المحدد، مما يؤكد أن التهميش السياسي هيكلي ومتجذر في البيئة العامة.
يقع العراق في فئة "منخفضة"، ويواجه حواجز كبيرة أمام المشاركة عبر عدة أبعاد حاسمة. يحتل العراق المرتبة 119 عالميا، محققا مجموع نقاط 48.
للمقارنة، تتصدر الديمقراطيات عالية الأداء مثل النرويج ونيوزيلندا المؤشر بدرجات بلغت 84، مما يدل على التفاوت الكبير في الفرص.
تشريح أبعاد الإقصاء
يكشف فحص الأبعاد الأربعة لمؤشر "GYPI" عن مواطن التأثر الأكبر بالممارسات الإقصائية.
عالميا، يُسجل بُعد الشؤون السياسية أدنى متوسط (51 من 100)، يليه بُعد الانتخابات (54) ثم بُعد الفضاء المدني (62). في سياق الأنظمة الاستبدادية والهجينة السائدة في المنطقة، تنخفض هذه الدرجات بشكل كبير، مما يترجم إلى قمع سياسي قابل للقياس.
1. الشؤون السياسية: مُستبعدون من القيادة
يقيّم بُعد الشؤون السياسية الإدماج الرسمي، مثل تمثيل الشباب في الهيئات التشريعية، ووجود حصص للشباب، واحترام الحقوق السياسية في البلدان التي تمت مراجعتها، يكافح الشباب بشدة من أجل الاعتراف بهم كممثلين وقادة سياسيين، وغالبا ما يتم استبعادهم من أقوى هيئات صنع القرار.
إن الحاجز الأساسي هو التمييز الهيكلي على أساس السن، والذي يتجلى في متطلبات عمرية تقييدية للمرشحين للهيئة التشريعية. تمنع هذه الكتل المؤسسية المواطنين الأصغر سنا من شغل المقاعد، مما يساهم في الحصول على متوسط درجات منخفض للغاية.
وفي حين أثبت إدخال حصة الشباب في البرلمان المغربي سابقا نجاحا في تعزيز التمثيل، مما زاد من حضور النواب الشباب في مجلس النواب من 12 في المئة في عام 2007 إلى 22 في المئة في عام 2011، فقد تم إلغاء هذه الحصة لاحقا لانتخابات عام 2021 على الرغم من معارضة مجموعات الشباب.
سجل لبنان نتائج ضعيفة بشكل خاص في بُعد الشؤون السياسية، الذي يوثق مشاركة الشباب في الهيئات التشريعية والأحزاب السياسية. احتل لبنان مرتبة منخفضة بشكل استثنائي، حيث احتل المرتبة 132 في البعد السياسي برصيد 31 نقطة فقط.
علاوة على ذلك، تُؤدي بيئة عدم استقرار الحكم في دول مثل السودان والصومال والعراق إلى جوٍّ من انعدام الثقة. يبلغ متوسط التقييم العالمي للثقة في الأحزاب السياسية 23 نقطة فقط، مما يعكس شعور الشباب بالغربة عن العمليات السياسية الرسمية، وهو شعورٌ يتفاقم بلا شك في الدول التي تعاني من القمع.
الصومال، الذي يحتل المرتبة 140 في الترتيب العام، يسجل أداء ضعيفا بشكل خاص في متغيرات الحقوق السياسية، مما يوضح كيف تنكر الحكومة التعبئة السياسية.
2. الفضاء المدني: الستار الحديدي الرقمي
يقيس بُعد المساحة المدنية حرية التنظيم والمشاركة في الحياة المدنية، والوصول إلى الإنترنت، والانخراط في المناقشات خارج المساحات السياسية الرسمية. بالنسبة للعديد من الشباب العربي، الذين يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي للمشاركة السياسية والدعوة إلى القضايا الاجتماعية والسياسية، فإن تقييد هذه المساحات ضار بشكل خاص.
في البلدان الاستبدادية، يتم تقييد الحريات المدنية بشدة، مما يقوض مشاركة الشباب، وغالبا ما ينعكس هذا القمع في قيود صارمة على حرية الإنترنت والتعبئة الرقمية. دول مثل المغرب تُسجل نتائج ضعيفة في مجال الوصول إلى الحوكمة الإلكترونية، وفي المناطق التي تعاني من قمع حكومي شديد، مثل البلدان التي تحتل مرتبة متدنية في مؤشر حرية التعبير، تعمل الرقابة ومراقبة الإنترنت على تقييد مشاركة الشباب بشدة. إن تقييد حرية الرأي والتعبير يقيد بشدة قدرة الشباب في المجتمعات غير الديمقراطية، مثل مصر وموريتانيا، على المشاركة في عمليات صنع القرار.
3. الوضع الاجتماعي والاقتصادي: البقاء على قيد الحياة مقابل الحياة المدنية
إن الإحباط الاقتصادي هو المحرك الرئيسي لسخط الشباب وتعبئتهم، حتى في المنطقة العربية، ويغطي البعد إمكانية الوصول إلى التعليم والتدريب والعمل. ومع ذلك، فمن الملاحظ أن البعد الاجتماعي والاقتصادي يسجل عموما أعلى متوسط درجة عالمي (77/100).
يشكل ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب حاجزا هيكليا عميقا في جميع أنحاء العالم العربي، على سبيل المثال، بلغ معدل البطالة بين الشباب في المغرب 22 في المئة في عام 2024. وفي مصر، على الرغم من انخفاض معدل بطالة الشباب إلا إنها لا تزال مرتفعة، إذ تبلغ حوالي 15 في المئة في أحدث إحصاء.
عندما يركز الشباب بشدة على البقاء الاقتصادي ورسم مسار وظيفي، فإنهم غالبا ما ينحرفون عن المشاركة النشطة في الشؤون العامة. إن العبء المالي المتمثل في إدارة حملة سياسية أو إنشاء منظمة مستقلة يقودها الشباب، إلى جانب الفساد المنهجي والمحسوبية، يضمن أن تظل المشاركة مقتصرة على أولئك المرتبطين بالنخب السياسية.
العوامل الهيكلية المتقاطعة
إن التأثير الأشد ضررا على مشاركة الجيل "Z" في الدول العربية لا ينبع من صدع واحد، بل من التداخل المعقد لعدة عوامل هيكلية تُعزز الاستبعاد المتفشي. يُجمع الجميع، من خلال نتائج مؤشر "GYPI"، على ضرورة اتباع نهج شامل ومتكامل، لأنه "لا يوجد إجراء واحد يعمل بمعزل عن الآخر".
1. يتقاطع القمع السياسي مع الوصول الرقمي وهوية الشباب: في الأنظمة الاستبدادية، حيث يكون القمع السياسي روتينيا، تعمل الدولة بنشاط على تقييد سبل مشاركة الشباب من خلال قمع المعارضة ووجهات النظر البديلة. وعندما يقترن ذلك بالقيود المفروضة على الوصول الرقمي، فإنه يخلق بيئة لا يتمكن فيها الشباب من استخدام طريقتهم المفضلة (وسائل التواصل الاجتماعي) للتنظيم والتعبئة، كما هو الحال في بلدان مثل المغرب ذات الوصول المنخفض إلى الحوكمة عبر الإنترنت.
علاوة على ذلك، يتفاقم القمع السياسي ضد الفئات المهمشة تاريخيا. حتى في الديمقراطيات المرموقة، تواجه الشابات وشباب مجتمع الميم والأقليات العرقية عوائق إضافية كبيرة. وفي الدول العربية التي حصلت على درجات منخفضة في مؤشر "GYPI"، غالبا ما يقترن تقييد المساحة المدنية بأعراف اجتماعية راسخة تعزز رهاب الآخر والتمييز ضد النساء، مما يحرم الشباب الذين ينتمون إلى أقليات عرقية أو طائفية أو مذهبية، أو الشابات اللواتي يسعين إلى أدوار قيادية، من المشاركة بأمان أو بشكل هادف.
2. تتقاطع المؤسسات التي تركز على الأكبر سنا مع التهميش الاقتصادي: إن هيمنة السياسات التقليدية والمؤسسات التي تركز على البالغين تخلق حاجزا هيكليا، مما يثبط مشاركة الشباب من خلال التقليل من قيمة مساهماتهم وتوقعاتهم من التعامل مع أنظمة مصممة للبالغين فقط.
يتقاطع هذا الاستبعاد المؤسسي بشكل مباشر مع الحواجز الاقتصادية مثل المحسوبية والقيود المالية. فعندما يواجه المواطنون الشباب عقبات كبيرة في الترشح للمناصب (قيود السن، وتكاليف الحملات الانتخابية، والافتقار إلى العلاقات القوية)، ولا تقدّر المؤسسات مساهماتهم حقا بما يتجاوز الاحتفالية وأخذ اللقطة فقط، فإن الشباب الأكثر تهميشا -أولئك الذين ينتمون إلى خلفيات اجتماعية واقتصادية أدنى، أو أقليات دينية أو مذهبية- يُستبعدون بشكل منهجي.
وبالنسبة للشابات، يتفاقم هذا الوضع بسبب صعوبة الوصول إلى الوظائف، وهي مشكلة تحصل فيها كثير من الدول العربية على نسب منخفضة وفق مؤشر أداء المرأة والشباب، مما يشير إلى احتمال وجود فجوات مماثلة أو تضخمها في الدول العربية ذات التصنيف المنخفض.
3. يتقاطع نقص الدعم المؤسسي مع نقص القدرات: تفشل العديد من الحكومات في المنطقة في تنفيذ سياسات الشباب الوطنية القائمة بفعالية. هذه الفجوة بين السياسة المعلنة والالتزام الفعلي، والتي غالبا ما تتسم بعدم كفاية تخصيص الموارد وعدم وضوح ملكية ملف الشباب، تعني أن الفرص الرئيسية لبناء القدرات قد ضاعت.
يعد نقص التعليم الجيد قيدا كبيرا، مما يترك الشباب دون المهارات المطلوبة والخبرة الاجتماعية والسياسية العملية للمشاركة بشكل فعال. عندما تفشل الحكومات في الاستثمار في التعليم والتدريب والتوجيه، فإن قدرة الشباب على تطوير سياسات قائمة على الحلول تتضاءل، مما يُغذي حلقة مفرغة من الإقصاء: حيث يُنظر إلى الشباب على أنهم "غير متمرسين، أو مُخربين، أو يفتقرون إلى المهارات اللازمة.
الدعوة إلى الإصلاح النظامي
النتيجة الرئيسية لمؤشر مشاركة الشباب العالمي لعام 2025، والتي تتجلى بشكل خاص في الدرجات المنخفضة في جميع أنحاء العالم العربي، هي أن انخفاض مشاركة الشباب هو في الغالب انعكاس للفشل النظامي، وليس اللا مبالاة الشبابية. وكما أشار أحد النشطاء الشباب؛ فإن التفاوت بين الخطاب السياسي والإدماج الفعلي صارخ، مما يسلط الضوء على فجوة واضحة بين تعبئة الشباب ودمجهم في مساحات صنع القرار.
ولعكس هذه الاتجاهات، تدعو النتائج إلى إجراء إصلاحات شاملة ومتعددة الأبعاد. يجب على الحكومات أن تتوقف عن إلقاء اللوم على الشباب بسبب استبعادهم، والتركيز بدلا من ذلك على إزالة العقبات التي أقاموها. يتضمن ذلك إضفاء الطابع المؤسسي على إدماج الشباب من خلال خفض حدود السن التقييدية وتوفير العمل الإيجابي في السياسة، وحماية حقوق الإنسان الأساسية مثل حرية التعبير والتجمع السلمي، والاستثمار بكثافة في التعليم عالي الجودة وتدريب المهارات لإعداد الشباب ليكونوا مساهمين نشطين في المجتمع والإصلاح.
لا يمكن للمنطقة أن تستغل إمكانات الجيل "Z" -الذين يتطلعون للقيادة اليوم- حقا إلا من خلال تفكيك هذه الجدران المتداخلة من القمع السياسي والتمييز على أساس السن والجنس والهوية والصعوبات الاقتصادية.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء العربي مشاركة الشباب مصر الديمقراطية مصر شباب عرب ديمقراطية مشاركة قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة تغطيات سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الشؤون السیاسیة الدول العربیة مشارکة الشباب القمع السیاسی العالم العربی فی المئة فی الوصول إلى منخفضة فی الشباب فی الشباب من فی الدول بشکل خاص فی مؤشر من خلال
إقرأ أيضاً:
وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
منطقة الخليج العربي ليست وليدة النفط، وليست وليدة العقد الثاني من القرن العشرين. أتعجب من بعض إخواننا العرب من تصوير سكان المنطقة وكأنهم كانوا حفاة لا قيمة لهم إلا في العقود المتأخرة. فهذه المنطقة عموما ارتبطت بحضارات قديمة وعريقة في القدم، وتدافعت معها، وأثرت وتأثرت بها مع حضارة بلاد السند، وبلاد الرافدين، وحتى حضارة النيل والصين، وارتبطت بالأديان والثقافات الأولى، وكانت ولا زالت من أهم المعابر البحرية والبرية، قبل أن تكون من المعابر المهمة جويا لتوسطها العالم القديم، وموقعها المميز في العالم الحديث.
إذا كانت هذه المنطقة ليست بذات الأهمية فلماذا قصدها المستعمرون الأوربيون منذ القرن السادس عشر الميلادي حتى اليوم؟ ولماذا تنافس عليها الأمويون والعباسيون وحتى العثمانيون قديما؟ لا يمكن قراءتها بهذه السذاجة التي يصورها بعضهم، وللأسف منهم كتاب، وبعضهم يعيش أو عاش في الخليج، وكان قريبا من ثقافتها وقراءة تأريخها.
فإذا أصابها التقسيم وفق المشيخات أو الأسر الحاكمة أو حضور اسم بعضها قديما وحديثا فقد سبقتها بلاد الشام والعراق واليمن والمغرب الأقصى منذ بدايات معاهدة سايكس بيكو 1916م، وهذا لم يلغِ وجود هذه الدول وأهميتها قبل وبعد التقسيم؛ فلا معنى للتقليل من الخليج العربي ودوله وعراقته قبل وبعد أيضا.
كتبت أكثر من مرة عن هذه المنطقة، وعن تأريخها ووحدتها، بيد يحزنني ما أراه من «مهاترات صبيانية» في «أكس» وكأنهم في حرب داحس والغبراء من مثقفين وأكاديميين ينظر إليهم أنهم قدوة في احتواء مثل هذه الأزمات، والحفاظ على وحدة الخليج وأمنه وترابه، وتوفير بيئة آمنة لأجياله القادمة، وهذا حد لا مساس له. للأسف أن نرى غثائية تظهر بين حين وآخر بدلا من قراءات جادة يتقدمها العقلاء، ويستفيد منها الساسة.
ثم للأسف أن الخليج بذاته من خلال مجلسه لم يستطع صناعة قراءة ثقافية وعلمية لها مراكزها المستقلة والصانعة للقرار. اكتفى عند صناعة جاميات مذهبية مختلفة تستخدمها السلطة بين حين وآخر، وبين صناعة مثقفي السلطة ذاتها المتحدثين بمدى الانتفاع المادي، وليس باسم الوطن ومبادئه وقيمته، وهذا ما نرى نتيجته اليوم بعد الأحداث الأخيرة من عدمية القراءات الجادة، ورغبة العديد من القدرات الثقافية إلى السكوت والانزواء، لتسود الغثائية في وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «أكس».
المتأمل في «أكس» أن هناك فئات متقلبة حسب الحدث ترى الخليج بأكمله في سياسات دولها القطرية أحسنت أم أساءت، وكأن استقرار الخليج برؤية سياسة دولها المتقلبة؛ فأمن الخليج هو أمن للجميع، كما أن أمن أي دولة فيه هو أمن للكل، وكما لكل دولة سيادتها وخصوصيتها الثقافية ورؤيتها السياسية، إلا أن أي خلل أمني فيها المتضرر هو الجميع، كما نراه اليوم مثلا في العراق واليمن، وهما أكثر الدول قربا من الخليج؛ فبعض التقارير تشير إلى أن العديد من الضربات التي لحقت بالخليج في الحرب الأخيرة انطلقت من العراق، كما أن الفراغ السياسي في اليمن أدى إلى نمو جماعات أصبحت مصدر تهديد لأمن الخليج، والسبب أن الخليج طيلة نصف قرن لم يستطع احتواء هذين القطرين بمعنى الإحياء، وبناء الدولة المدنية غير المؤدلجة - خصوصا اليمن - حيث كانت أكثر قابلية أن تكون ضمن المنظومة الخليجية؛ فنمت في هذين القطرين تنظيمات نتيجة الفراغ السياسي، والتدخلات الأيديولوجية الخارجية.
ثم أتعجب ممن يبرر الضربات الحربية على الخليج بدعوى وجود قواعد عسكرية خارجية فيها في انتهاك صارخ لأمن وسيادة الخليج ذاته، كما أتعجب ممن يشجع مليشيات خارجية لها رؤى أيديولوجية مغلقة في ضرب المنطقة تحت مبررات لا علاقة لها لا بالقضية الفلسطينية، ولا بالحرب الأخيرة.
فانتهاك سياسة أي دولة في الخليج هو انتهاك لسياسة الجميع أيا كان مصدر هذا الانتهاك لا يبرر بحال من الأحوال، إلا إذا كان في الخفاء استخدمت هذه القواعد والتحالفات لا لأغراض أمنية دفاعية، بل استخدمت لأغراض حربية تضر بالآخر، فهنا كما يقال «جنت على نفسها براقش».
إن اتجاه الخليج اليوم في توسعة خلق الولاءات الخارجية عسكريا وسياسيا وثقافيا إذا هذا الخلق ليس منطلقه الوحدة الخليجية ذاتها، بل باعتبار الدولة القطرية الواحدة، هذا بلا شك سيمدد من حالة الفرقة بين دول الخليج، وتلاشي فكرة الوحدة الخليجية، وقد يجر كما حدث في لبنان - ولو على المستوى القطري - إلى تعددية الولاءات الخارجية في منطقة الخليج، وبالتالي حدوث الفوضى فيه على المدى البعيد.
عندما تنطلق هذه الولاءات من وحدة خليجية واحدة للحفاظ على أمنه وإحيائه كمنطقة جيوسياسية واحدة فهذا له ضرورياته المرحلية، لكن لما تنطلق من اعتبارات تجزيئية فيعني هذا أن الخليج يتجه نحو الانقسامات وخراب بيته بيده.
وهذا ما نراه اليوم في «أكس»؛ فالذي يحدث فيه إما له علاقة بجهات معروفة داخل الخليج ذاته، وهي من تسعى إلى خلقه، وإما لا علاقة لها به من حيث الابتداء، وإما أن العديد منها معرفات خارجية من غير أبنائها غايتها خلق الفوضى في هذه المنطقة، ودول الخليج باستخباراتها مدركة أنه لا تأثير لها إلا إلهاء الشعوب بصراعات وهمية آنية تشغل بها. جميع هذا - أدرك أم لم يدرك - سوف يؤدي إلى صناعة أزمة أمنية في المنطقة، وصناعة أجيال غير متشربة بالوحدة الخليجية، ولها انتماءات أيديولوجية خارجية على المدى البعيد ترى فيها الخلاص لأزمتها ومشكلاتها، مما يضعف الولاءات الداخلية التي تنمو بشكل طبيعي من الداخل، ولو اختلفت ثقافاتها، لكن غايتها إحيائية صادقة، وليست متلبسة بها لغايات مصلحية فردية أو خارجية أو نتيجة انتماءات أيديولوجية.