(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا).

إن المترفين يتصفون بالظلم والإجرام في كل زمان ومكان، لما يسببونه من أخطار على الأفراد والشعوب والمجتمعات. ولهذا جاء في القرآن العظيم: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) [هود:١١٦].

إن المترفين هم أشد الناس استعدادًا للانزلاق في هاوية المنكرات. فالترف مجلبة للفساد، مهلكة للعباد. وأكبر شاهد على ذلك ما يحصل من أمريكا وإسرائيل من مظالم.

فتجاهل الآخرين وغزوهم، ومحاولة اغتصاب ثرواتهم وأرضهم، لا يؤدي إلى الصراع بين الأمم فحسب، بل يؤدي إلى تدمير المجتمعات وفنائها.

وإذا كان الصراع على المال، قد بلغ أشده في هذا العصر، وصرف الساسة المترفين عن الأخذ بالقيم الأخلاقية، وأدى إلى إثارة أغلب المشاكل الخطيرة التي يعانيها العالم اليوم، فإنها ليست إلا نفثة من نفثات المترفين المتعالين المتغطرسين من الساسة والزعماء، الذين جعلوا من الكبر – وهو رذيلة اجتماعية – وسيلة تغرس الفرقة والعداوة بين الشعوب والأفراد، فتقضي على التعاون والمحبة، وتكون سبيلاً للإفساد في الأرض، وعدم الانصياع إلى الحق، كما صار ذلك ديدنًا لهم.

وما شهده العالم من غزو لفنزويلا من قبل الصهيونية الأمريكية، هو أكبر شاهد على ذلك. فإنه من وجهة نظر القانون الدولي والسياسات الدولية، يعتبر هذا الفعل جريمة عدوان صارخ بموجب ميثاق الأمم المتحدة المادة (٢) الفقرة ٤، وهو من أخطر الجرائم الإنسانية والدولية. بل إنه يعتبر انقلابًا على النظام الدولي برمته، ويشكل ضربة قوية موجهة إلى قلب مبادئ سيادة الدول، الذي يقوم عليه النظام العالمي منذ عام ١٩٤٥م، ويعتبر تجاوزًا لكل العقوبات.

فجريمة الغزو والاعتقال والاستيلاء المباشر على فنزويلا هي جريمة حرب، لا يؤيدها أحد من عقلاء العالم. فيستحيل حتى على أقرب حلفاء الولايات المتحدة وأصدقائها تبرير هذا الفعل تبريرًا سليماً؛ لأنهم سيجدون صعوبة بالغة في تبرير أو دعم هذا العمل العسكري، الذي سيخلق سابقة خطيرة تهدد جميع دول العالم.

وإن من المتوقع حصول رد فعل دولي عنيف، حتى من الدول المحايدة. فإن شعوب العالم والعقلاء فيها سيكون غضبهم شديدًا، وردود أفعالهم في الأمم المتحدة كبيرةً. بل إنه ينبغي أن تصل إلى طلب محاكمة المسؤولين عن هذه الجرائم في محكمة كمحكمة نورمبرغ.

إن هذا العمل الإجرامي يكشف للعالم ازدواجية المعايير ونفاق السياسة، ويمثل الدليل الأكبر على الازدواجية في تطبيق القانون الدولي. وإن هذا الفعل الإجرامي سيدمر مصداقية أي خطاب أخلاقي ترفعه أمريكا وأصدقاؤها حول حقوق الإنسان أو الديمقراطية؛ لأنه يؤكد للعالم وبما لا يدع مجالًا للشك أن القانون الدولي هو فقط لمن هو أضعف، وأن أمريكا ومن على شاكلتها تستطيع أن تنتقضه متى شاءت لمصالحها، مما يدفع العالم نحو فوضى لا نهاية لها.

إن هذا الفعل الإجرامي ربما يدفع حلفاء فنزويلا مثل روسيا وغيرها إلى رد فعل عنيف، مما يتسبب في تصعيد إقليمي. لأن ما يحصل يعتبر كارثة إنسانية وسياسية بكل المقاييس. فحتى معارضو حكومة مادورو داخل فنزويلا ربما يرون في هذا الفعل احتلالاً أجنبيًا، وهو ما ينبغي أن يتوحد الشعب الفنزويلي على اختلاف مواقفه ضده.

إن هذا العمل يعد من أكثر الأحداث إثارة للصدمة والاستنكار في القرن الواحد والعشرين؛ لأنه يعد خرقًا سافرًا لكل القوانين والأعراف الإنسانية، وسيكون علامة بارزة على انهيار النظام الدولي القائم على القواعد القانونية.

إن دأب المستكبرين من المترفين المتبعين لأهوائهم أضر بالعالم إضرارًا بليغًا، وهو يكشف بحق أنهم أعصى الناس على الاستجابة لشرع الله، والذين أصموا أسماعهم عن هداية الله وسماع رسالة خاتم أنبيائه ورسله. وسيكون جزاؤهم العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فتلك سنة الله في عباده: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ) [فصلت:١٥-١٦].

وعما قريب يشهد العالم أفول هذا الاستكبار، ومصير قادته إلى العذاب في النار: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ).

ولقد كان لأنصار الله في يمن الإيمان والحكمة، بقيادة قائد المسيرة القرآنية، السبق في إدانة هذا العمل الإجرامي. فلهم التحية والتقدير والثناء الجميل: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

 

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

ونيس: نحتاج مشروعاً سياسياً يرفض إعادة إنتاج تجارب الماضي

دعا عضو مجلس الدولة الاستشاري سعيد ونيس إلى بناء مشروع وطني جديد في ليبيا قائم على المؤسسات والمواطنة والمشاركة السياسية، محذراً من الرهان على إعادة إنتاج تجارب سياسية سابقة تقوم على الاحتكار والإقصاء.

وقال ونيس، في تدوينة نشرها على حسابه بموقع فيسبوك، إن المشكلة لا تكمن في انتهاء مشروع سياسي بعينه، فكل المشاريع السياسية قابلة للنجاح والفشل، وإنما في تحول مشروع الدولة إلى ما يشبه الملكية الخاصة، وإدارة الوطن بمنطق الولاء بدلاً من منطق المؤسسات.

وأضاف أن التجارب السابقة قامت على احتكار المجال العام وإلغاء التعددية السياسية والفكرية، ما أدى إلى تضييق مساحة الاختلاف والنقد والمراجعة، وتحويل المجتمع إلى مجموعة من الأتباع بدلاً من مواطنين شركاء في صناعة القرار.

وأشار إلى أن تلك المرحلة أضعفت مفهوم التداول والتجديد السياسي ورسخت ثقافة التوريث السياسي والفكري، بحيث بدا المستقبل امتداداً لأشخاص أو دوائر ضيقة بدلاً من أن يكون استحقاقاً وطنياً مفتوحاً أمام جميع المواطنين.

ولفت إلى أن التناقض بين الشعارات والممارسات أسهم في إضعاف المؤسسات، موضحاً أن شعارات المشاركة الشعبية والسيادة والاستقلال لم تنعكس، بحسب رأيه، على وجود آليات فعالة للمساءلة والمحاسبة أو على توزيع حقيقي للسلطة.

وأكد ونيس أن الأزمة لم تكن مرتبطة بسقوط نظام سياسي فقط، بل بالنموذج الذي سبقه، معتبراً أنه قام على شخصنة السياسة وتغليب الولاء على الكفاءة واحتكار المجال العام على حساب المنافسة الوطنية.

وشدد على أن بناء المستقبل يتطلب الاستفادة من دروس الماضي لا العودة إليه، داعياً إلى إقامة نظام سياسي قادر على استيعاب الاختلاف وإدارة التنوع وتداول السلطة وصون الحقوق، ومؤكداً أن ليبيا تحتاج اليوم إلى مشروع وطني جديد يقوم على المؤسسات لا الأفراد، وعلى المواطنة والمشاركة بدلاً من التبعية والاحتكار.

مقالات مشابهة

  • لتلافي الآثار الكارثية للظاهرة.. السعودية: تعزيز التعاون الدولي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالأسلحة
  • الاتحاد الدولي لكرة القدم يجري تعديلات على قوانين اللعبة اعتبارا من كأس العالم
  • ميدو عادل: النقاش مع الجيل الجديد أكثر صعوبة من الماضي
  • د. مايكل لينك: الأمم المتحدة بلا قوة إلزام فعلية لتطبيق القانون الدولي
  • الصحة اللبنانية: 3468 شهيدا و10577 جريحا حصيلة العدوان الإسرائيلي منذ 2 مارس الماضي
  • صحة غزة: شهر مايو الماضي سجل أعلى عدد من الشهداء منذ بداية العام 2026
  • حزب الوعي: مؤتمر العمل الدولي فرصة لتعزيز الحوار وتطوير الحماية الاجتماعية
  • الرئيس النمساوي: العالم بحاجة إلى الأمم المتحدة أكثر من أي وقت مضى
  • الرئيس النمساوي: العالم بحاجة للأمم المتحدة الآن أكثر من أي وقت مضى
  • ونيس: نحتاج مشروعاً سياسياً يرفض إعادة إنتاج تجارب الماضي