نقول للنظام السعودي “هذه عصيدتكم متنوها” وفق مثل يمني معروف وشائع..
دعوناً نقول افتراضا إن النظام السعودي لا يقبل ـ كما يزعم ـ بحل لصالح إيران في اليمن ونحن مستعدون للتعامل على أساس هذه الفرضية ـ رغم عدم صوابية الطرح بأن إيران موجودة في اليمن ـ وكذلك على استعداد لتقديم كل ما يطلب لضمان أمن المملكة وبمنتهى الشفافية.
نحن أيضاً لا نقبل بأي حل يكون لصالح أمريكا وإسرائيل وبشكل مباشر أو غير مباشر وهذه مسألة غير قابلة للنقاش..
من خلال المحوريتين من السهل الوصول إلى حل أو حلحلة، ومن المهم هنا التأكيد على أن الحل المستدام يتطلب الثقة والمصداقية من الطرفين، صنعاء والرياض..
أريد من هذا التأكيد على مسألة بديهية وهي أن إرادة صنعاء حرة وقرارها مستقل ولا تتحكم به إيران وليست إيران مرجعية أو تستشار في مسألة الحل باليمن، ثم إن تطبيع العلاقات بين النظامين السعودي والإيراني يؤكد انتفاء أي ربط بإيران في هذه المسألة..
بالمقابل إذا كان سقف القرار السعودي سعودياً ولا يرتبط بأمريكا وإسرائيل وفمن السهل الوصول إلى حل فوق المتراكم ومن ذلك العدوان على اليمن لعقد وتدميرها وحصارها، وبهذه اللغة الواقعية والعقلانية أقول للنظام السعودي لا تصدقوا الأوهام أن صنعاء مجرد مليشيات- كما يطرح- وتعيدوا الكرة في مسألة الاقتلاع والإجتثات ربطاً أيضاً بأمريكا وإسرائيل وقد جربتم وجربت معكم وبعدكم أمريكا وإسرائيل..
في مسألة الحل السياسي باليمن فإنه لا ربط ولا ارتباط ولا علاقة من طرف صنعاء بطهران، وإذا النظام السعودي تحرر في هذه المسألة ولا يربط الحل بأمريكا وإسرائيل، فالحل يصبح ممكناً وبدون ذلك لا يمكن..
لتنشيط الذاكرة نذّكر أن انقلاب الانتقالي أو الزبيدي بدأ من عدن ولكن هذا الانقلاب لم يواجه إلا عند ما وصل إلى حضرموت والمهرة، بل يقال لقوات هذا الانقلاب إن عليه العودة إلى عدن، بمعنى أن الانقلاب له مشروعية في عدن ويرفض فقط الشرعنة لتمدده إلى حضرموت والمهرة، فكيف نقارن بين انقلاب وانقلاب، وكيف نقرأ شرعنة الانقلاب في عدن والحرب على صنعاء قرابة العقد تحت هذا المبرر؟..
حين يطرح “الزبيدي” أنه سيعترف بإسرائيل حين تستقل دولته، فالمعارضات الأخرى لصنعاء منطقيا يصبح طرحها مشابهاً له، إذا سيطرنا على صنعاء سنعترف بإسرائيل، وهكذا فالمشكلة هي أذرع أمريكا وإسرائيل في المنطقة، فيما استدعاء إيران أو استحضار “الكهنوت” هي حاجيات استعمال المأزومين، وبريطانيا ليست ولم تكن استعمارا- وفق الزبيدي- وكانت في شراكة، ومع هذا فالزبيدي يحتفل بثورة أكتوبر..
صنعاء باتت أكبر من أن تقبل وصاية سعودية، وصنعاء باتت أكبر وأقوى من أن تكون ذراعاً لإيران أو لغير إيران ولكنها المحورية الأهم في محور المقاومة، وفي مسألة المقاومة وفلسطين القضية المركزية، فإنه لا تنازلات ولا مساومة وهذا أهم “أسس” في بناء الدولة بصنعاء وهي لا تطلب ولا تشترط مثل هذا على الآخرين ولكنها لا تتخلى عن هذه المقاومة ولا تساوم..
هذا ما يعرفه النظام السعودي حق المعرفة، وإذا يرفض خيار استقلالية وسيادة اليمن وارتباطها العضوي والأزلي بفلسطين، فإنه لا مبرر لحوار ولا يمكن الوصول لحلول أو حلحلة بشروط أمريكية وإسرائيلية وللنظام السعودي تفعيل ما بمقدوره، وبالمقابل فمن حق صنعاء الدفاع عن الاستقلالية والكرامة وستمارس حقها في القرار السياسي السيادي بما لا يضر ولا يستهدف دول الجوار، ويستحيل أن يسمح بانتقاص في سيادتها وقرارها السيادي، وإذا النظام السعودي اعتاد أنه لم يعد يسمع مثل هذا الطرح من دول وأنظمة في المنطقة ولكنه سمعه وسيظل من طرف اليمن، ولن يكون في اليمن مل ولن تنجح أي حلحلة، إلا من أرضية الاستقلالية والسيادة والحق السيادي والقرار السيادي مع عدم الاستهداف أو الإضرار بأي دولة..
إذا النظام السعودي يبحث عن سلام وفق أرضية أمريكية وإسرائيلية في ظل تطويع وتطبيع مرتزقة وخونة، فله استئناف أو مواصلة شن حروبه على اليمن وصنعاء تحديداً، ولكل حادثٍ حديث!!.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
دعبدالناصر علي الفكي
أستاذ جامعي ومدير مركز تنمية التعايش الاجتماعي
تقدّم الرؤية السوسيولوجية النقدية لفهم أزمة التعايش الاجتماعي ومعوقات السلام في السودان مقاربة تتجاوز القراءات السياسية الضيقة واتفاقيات المصالحات السطحية، لتتشعب في تحليل البنى الاجتماعية والثقافية المستترة والظاهرة التي تنتج وتعيد إنتاج الصراع، من خلال مقاربة مفهوم الخوف بتمظهراته المتعددة بوصفه العائق الأكبر أمام تحقيق السلام المجتمعي المستدام. فـ”سوسيولوجيا الخوف” ليست مجرد انفعال تلقائي ولحظي، بل هي أداة ممنهجة سياسياً واجتماعياً يتم توظيفها بوعي لصناعة الكراهية وتعزيز الانقسامات، إذ عبر استغلال مخاوف الجماعات المختلفة – سواء كانت مخاوف وجودية مرتبطة بالبقاء، أو اقتصادية تتعلق بالكسب، أو هوياتية تتصل بالعرق والثقافة – يتم إعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات بشكل يحول دون قدرتهم على رؤية الآخر المختلف كشريك حقيقي في بناء الوطن والسلام.
وهنا تكمن الخطورة البالغة لهذه الآلية الخفية، فهي لا تقف عند حد التأثير النفسي العابر، بل تؤدي إلى تكريس التصنيفات المسبقة والصور النمطية المدركة ، يصبح الآخرون بأعراقهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية أهدافاً للوصم والتخوين والعداء الذي يتدرج في عنفه حتى يصل إلى درجة القتل والإبادة، وهي ممارسات تنسف في النهاية أساس المواطنة المتساوية وتهدد البناء الاجتماعي من الداخل. إن صناعة بناء الكراهية تتم بتغذية الخوف المدمر لا تستهدف فقط استبعاد الآخر، بل تعيد تشكيل وعي الجماعات بأكملها، فتجعلها تعيش في حالة استنفار وفزع وتجييش دائم تجاه كل ما هو مختلف، وتدفع نحو تبني مواقف متطرفة لا تميز بين العدو والصديق، وتهدّد عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا تعترف بحق الآخر في الوجود المشترك، مما يغذي دوامة العنف الصراعي كبديلاً عن السلام وقبول الآخر .
ترفض الرؤية النظرة الاختزالية للحرب في السودان في لحظة محددة، بأنها ليست وليدة الخامس عشر من أبريل عام 2023 ، بل نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية واجتماعية للنظم المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956، فهي ليست حدثاً طارئاً، بل هي إضافة سيئة أخرى في البنية المعقدة التراكمية للسياق الثقافي والسياسي السوداني المأزوم. هذه النظرة التاريخية تدعو إلى عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض العاجلة لإيقاف إطلاق النار، بل تتطلب مقاربة جذرية تعالج الأسباب الهيكلية المتراكمة التي أنتجت هذا الواقع المأزوم، تلك الأسباب التي ظلت لعقود تغذي مخاوف الجماعات وتعمق الانقسامات بينها، وتجعل الدولة عاجزة عن تقديم نموذج حقيقي للعدالة والمواطنة المتساوية، فتتحول إلى ساحة لتنافس النخب على السلطة والثروة على حساب المشتركات الاجتماعية الهشة أصلاً.
ولعل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تمثل نموذجاً يكشف هذه التحولات المأساوية للوضع الراهن؛ فهي المدينة التي اشتهرت بوصفها نموذجاً رمزياً للتسامح والتعايش وقبول الآخر، بفضل تداخلها الإثني والعرقي الفريد وتصافها الاجتماعي والثقافي، تحولت في زمن الحرب إلى مرآة مصغرة تعكس مأساة الوطن بأكمله، حيث بدأت تتجه بثقافة الحرب القذرة نحو الانهيار، وهي من المدن القلائل التي ظن الكثيرون أن معادلاتها الاجتماعية الراسخة محصنة ضد التمزق بحكم عوامل الإنتاج والتداخل الاجتماعي. المؤشرات تدلل على أن ما حدث في الأبيض لم يكن نتيجة لعوامل عارضة، بل انعكاساً لتراكمات الخوف الممنهج التي طالما غذتها السياسات الإقصائية لجماعات الحرب، فتحولت المدينة من نموذج للتنوع المتناغم إلى مسرح للاقتتال والنزوح والتهتك البنيوي، وأصيبت بعلة الحرب نحو هشاشة التعايش في غياب العدالة والاعتراف الحقيقي بالآخر، وهو ما يؤكد أن أي سلام لا يعالج جذور الخوف ويهدئ مخاوف الهوية والوجود هو مجرد هدنة مؤقتة تنتظر انفجارها في أي لحظة.
إن صناعة السلام الحقيقي في السودان لن تمر عبر الاتفاقات السياسية فقط، بل تتطلب تفكيكاً واعياً بالفكر الاستراتيجي لآليات الخوف والكراهية التي طالما غذتها النخب المتعاقبة، وصولاً إلى إعادة بناء المجتمع على أسس من العدالة والاعتراف بالآخر، وهو ما يمثل تحدياً معرفياً وسياسياً وثقافياً يتطلب جهداً مضاعفاً، لأن السلام الحقيقي لا يبنى على هدنة بين الأطراف المتنازعة فقط، بل على إعادة بناء الثقة بين الجماعات، وتفكيك عناصر المخاوف المتراكمة التي تحول دون رؤية الآخر شريكاً وليس عدواً. على الجميع أن يعمل ويسترشد بالإرادة الوطنية لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، والقيام بسلطة مدنية تعبر عن الجميع، تعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية وتؤسس لتعايش حقيقي يليق بتنوع السودان الغني وتاريخه العريق.