الصحافة الفرنسية: تهديدات ترامب بضم غرينلاند تثير الرعب وتظهر العجز الأوروبي
تاريخ النشر: 7th, January 2026 GMT
لم تكد صحيفة فرنسية تخلو من أزمة غرينلاند، ولكنها تناولتها من زوايا مختلفة ومتقاربة في نفس الوقت، معلقة على الذعر الأوروبي من تهديدات واشنطن وعجز أوروبا عن الدفاع عن الجزيرة وعدم استعدادها لذلك.
وسنستعرض في هذا التقرير وجهات النظر التي قدمتها أهم الصحف الفرنسية، مثل لوموند التي قالت إن غرينلاند أوروبية ويجب أن تبقى كذلك، ولوفيغارو التي ترى أنه لا أحد مستعد للقتال ضد الولايات المتحدة، ولاكروا التي عنونت بأن تهديدات ترامب تثير الذعر في أوروبا، ولوباريزيان التي تقول إن العملية بدأت بالفعل.
وبدأت صحيفة لوموند برأي الأمين العام المساعد السابق للأمم المتحدة جان ماري جيهينو الذي يقول إن السياسة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب تكشف تحول الولايات المتحدة إلى خصم مباشر لأوروبا، لا يقل خطورة عن روسيا والصين.
وفي مقاله بالصحيفة، يعتبر جيهينو أن وضع فنزويلا تحت الوصاية الأميركية يمثل إنذارا ينبغي أن يوقظ الأوروبيين على حقيقة التوجهات الأميركية الجديدة، مشيرا إلى الضغوط التي تعاني منها أوروبا من كل اتجاه، حيث تواجه روسيا في حرب هجينة، والصين التي تعتمد مزيجا من الخطاب التوافقي والضغط الاقتصادي لتقسيمها.
والآن -حسب جيهينو- تصبح الولايات المتحدة "المفترس الثالث" الذي يستهدف أوروبا الضعيفة، وهو وضع يجد الأوروبيون صعوبة في تقبله، نظرا لارتباط المشروع الأوروبي تاريخيا بالعلاقة عبر الأطلسي، واعتمادهم على حلف شمال الأطلسي (الناتو) في قضايا الدفاع، مما يجعل فكرة بناء أوروبا مستقلة عن الولايات المتحدة أو في مواجهتها، أمرا شبه مستحيل سياسيا ونفسيا.
بيد أن إستراتيجية الأمن القومي الأميركية -حسب جيهينو- تعتبر أوروبا خصما أيديولوجيا وجيوسياسيا، لأنها تسعى إلى ضبط النزعات القومية بالقانون، وتمتلك قوة تنظيمية وتجارية قد تحد من الهيمنة الأميركية، خاصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، فضلا عن أن تعزيز دور اليورو قد يهدد هيمنة الدولار.
الحزم لا المسايرةمن جهة أخرى، حذرت لوموند في افتتاحيتها من أن غرينلاند باتت ضمن الأهداف المحتملة للسياسة الأميركية في عهد ترامب، عقب ما تصفه الصحيفة باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وبالتالي فإن أي محاولة للسيطرة على الإقليم الدانماركي المتمتع بالحكم الذاتي، بالقوة ستشكل سابقة خطيرة وتهديدا مباشرا لأوروبا والناتو.
إعلانوذكّرت الافتتاحية بأن ترامب سبق أن طرح عام 2019 فكرة شراء غرينلاند بوصفها "صفقة عقارية"، لكنه عاد اليوم ليتجاوز منطق الشراء إلى التلويح بالاستيلاء بالقوة، ورأت أن ذلك يمثل إهانة للدانمارك الحليف التقليدي والموثوق للولايات المتحدة، وانتهاكا صارخا لقواعد العلاقات بين الدول.
ورفضت لوموند المبررات الأمنية التي يسوقها الرئيس الأميركي، مؤكدة أن اتفاق الدفاع الموقع عام 1951 يتيح للولايات المتحدة وجودا عسكريا في غرينلاند لمواجهة التحديات الروسية والصينية في القطب الشمالي، وأن أي تعديل يمكن أن يتم عبر القنوات الدبلوماسية من دون المساس بسيادة الإقليم وارتباطه بالدانمارك.
وحذرت الافتتاحية من أن ضم غرينلاند بالقوة سيقوض جوهر حلف الناتو، ويفرغ المادة الخامسة من معناها، مانحا روسيا نصرا إستراتيجيا مجانيا، كما انتقدت حالة الصمت والذهول الأوروبي تجاه التهديدات الأميركية المتكررة، وخلصت إلى أن سياسة المجاملة والانحناء لم تؤد إلا إلى مزيد من التصعيد، وأن الحزم، لا المسايرة، هو السبيل الوحيد لإعادة التوازن إلى العلاقة عبر الأطلسي.
ومن ناحيتها علقت لوفيغارو بأن رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن يحاول أن يكون صوت العقل بتأكيده أن غزو غرينلاند ليس ممكنا، ولكنّ التفكير في هذا الوقت الذي وعد فيه ترامب بالاهتمام بالجزيرة خلال 20 يوما، يجب أن يكون في أسوأ السيناريوهات، وإن لم يكن هناك أحد على استعداد لمحاربة الولايات المتحدة.
مخاوف أوروبية كبيرةأما صحيفة لاكروا فرأت أن تصريحات ترامب حول ضم غرينلاند أثارت مخاوف كبيرة في أوروبا، لأنها تشكل تهديدا لأمن القطب الشمالي واستقرار حلف الناتو، وتأتي بعد موجة من الإجراءات الأميركية الأحادية، مثل الغارة على كاراكاس واختطاف الرئيس الفنزويلي، مما يجعل الأوروبيين يأخذون احتمال ضم غرينلاند بجدية غير مسبوقة.
ويرى محللون -حسب الصحيفة- أن حجج ترامب الأمنية والإستراتيجية والاقتصادية للاستيلاء على غرينلاند، ضعيفة لأن أمن الجزيرة مغطى من خلال الناتو والوجود العسكري الأميركي، كما أن الموارد المعدنية في الجزيرة صعبة الاستغلال وغير مربحة اقتصاديا، إلا أن دوافع ترامب -بالنسبة لبعضهم- هي الرغبة في تسجيل اسمه كرئيس وسّع أراضي الولايات المتحدة.
وذكرت الصحيفة أن الأوروبيين، أكدوا تضامنهم مع الدانمارك صاحبة السيادة على الجزيرة، ولكنّ أوروبا في الواقع لا تملك أدوات كبيرة لردع أي تصرف أميركي، وبالتالي ستكتفي بتذكير واشنطن بالقانون الدولي، كما ستدرس خطوات رمزية مثل زيارة وزراء الاتحاد الأوروبي للجزيرة وفتح قنصلية فرنسية في عاصمتها نوك.
وخلصت لاكروا إلى أن الوضع في غرينلاند سيبقى اختبارا كبيرا لصلابة التحالفات الأوروبية والأطلسية، حيث يختبر التوازن بين الحفاظ على السيادة والدفاع عن الاستقرار الإقليمي من جهة، وإدارة العلاقة مع القوة الكبرى من جهة أخرى.
العملية بدأتومن جانبها رأت لوباريزيان أن ملف غرينلاند أصبح بالنسبة لإدارة ترامب قضية أمنية وسياسية وجغرافية في آن واحد، تتداخل فيه مصالح القوى الكبرى، مما يعني أن هناك سيناريوهات صراع محتمل وأزمة في الحلف الأطلسي.
إعلانوفي هذا السياق استعرضت الصحيفة 4 سيناريوهات محتملة للتعامل مع الأزمة، أولها تعزيز الدفاعات الأوروبية في غرينلاند عبر الناتو لقطع الطريق أمام ذريعة الأمن القومي الأميركي، وثانيها لجوء واشنطن للضغط الدبلوماسي والاقتصادي، وربما الدفع نحو استقلال جزئي لغرينلاند لإبرام صفقة تعزز الوجود الأميركي فيها.
أزمة غرينلاند تكشف هشاشة أوروبا أمام الولايات المتحدة في مسائل السيادة الإستراتيجية، وتعيد النقاش حول استقلالية الدفاع الأوروبي وحجم التأثير الأميركي في الشمال الأطلسي
أما السيناريو الثالث، وهو العسكري المباشر، أي ضم الجزيرة بالقوة، فرأت الصحيفة أنه الأقل احتمالا وإن لم يعد مستحيلا، وستكون تداعياته كارثية على الناتو، ولكنّ السيناريو الرابع، وهو نشر قوات أوروبية رمزية في غرينلاند، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الجيش الأميركي العملاق، فيبقى مجرد خطوة رمزية.
وخلصت الصحيفة إلى أن "العملية بدأت بالفعل"، لأن الولايات المتحدة تعمل على الدفع نحو زيادة نفوذها في الجزيرة، سواء عبر التحالفات أو الاتفاقات الاقتصادية أو الضغوط السياسية، كما تكافح أوروبا لإيجاد وسائل رمزية ومحدودة لإثبات قدرتها على حماية مصالحها.
وختمت لوباريزيان بأن هذه الأزمة تكشف هشاشة أوروبا أمام الولايات المتحدة في مسائل السيادة الإستراتيجية، وتعيد النقاش حول استقلالية الدفاع الأوروبي وحجم التأثير الأميركي في الشمال الأطلسي، مما يجعل غرينلاند اليوم محور صراع دبلوماسي وإستراتيجي محتمل، قد يغير قواعد اللعبة في القطب الشمالي والناتو.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الولایات المتحدة تهدیدات ترامب فی غرینلاند ضم غرینلاند
إقرأ أيضاً:
إعلام عبري: الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني
أعلنت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر، منذ قليل، أن الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني حتى يتمكن من تفكيك سلاح حزب الله، موضحة أن إسرائيل تدعم خطة الولايات المتحدة لتطوير قدرات الجيش اللبناني، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، اليوم الثلاثاء، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.