تقوم وظيفة العلماء في التصور القرآني على حمل أمانة البيان، والبيان ليس مجرّد نقلٍ للأحكام ولكنّه فعلٌ أخلاقيٌّ يحرس المبادئ ويصون المقاصد ويمنع انزلاق الشريعة إلى أداة تكييف للواقع الفاسد، وقد قرّر القرآن هذه الوظيفة تقريرا حاسما حين ربط العلم بالميثاق والبيان بالمسؤولية، فقال تعالى: "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ" فجعل كتمان الحق خيانة للعهد وليس مجرّد تقصير علمي.



ويزداد هذا التكليف وضوحا حين يرتبط البيان بمواطن الفتنة الكبرى، حيث تتداخل السياسة بالدين وتُستدعى النصوص لتغطية خيارات السلطة الحاكمة، ففي هذه المواطن يغدو البيان عبادة مضاعفة لأن الصمت أو التفهّم يتحولان إلى موقف عملي له آثاره في الوعي العام ومسار الأمة. وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى حين وصف العلماء الربانيين بأنهم "الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبا"، فربط البلاغ بالخشية وجعلها ضابطا يحول دون تحريف الرسالة تحت ضغط السلطة أو العاطفة أو المصلحة.

ومن الخطأ اختزال مهمة البيان في مواجهة الحكام الذين يظهر عداؤهم للدين أو ارتهانهم الصريح للأعداء فحسب؛ لأن الامتحان الحقيقي يقع في التعامل مع من يُرجى فيهم الخير أو يُستأنس بمواقفهم أو تُبنى معهم علاقات وجدانية وسياسية، ففي هذه الحالة تتضاعف خطورة التفهّم؛ إذ يتحوّل من محاولة قراءة للواقع إلى مسوّغ أخلاقي ومن اجتهاد ظنّي إلى غطاء شرعي يفتح أبوابا واسعة للانحراف باسم المصلحة.

ويكشف التاريخ الفقهي عن هذا الوعي العميق بالمآلات كما يظهر في موقف الإمام مالك بن أنس مع الخليفة هارون الرشيد حين عرض عليه إعادة بناء الكعبة على الهيئة التي كان بناها عليها ابن الزبير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يرغب في بنائها عليها كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم لعائشة رضي الله عنها: "لولا حَداثةُ عَهْدِ قومِكِ بالكُفرِ لنَقضتُ البيتَ فبَنَيْتُهُ على أساسِ إبراهيمَ وجعَلتُ لَهُ خَلْفا، فإنَّ قُرَيْشا لمَّا بنتِ البيتَ استقصَرَتْ". فقد بدا اقتراح الخليفة هارون الرشيد في ظاهره مقبولا وله مستند تاريخي وشرعي، غير أن نظر الإمام مالك تجاوز ظاهر الفعل إلى أثره المتراكم، فحذّر من تحويل الكعبة إلى مجال تجريب سياسي تتلاعب به أهواء الملوك فتضيع هيبته من قلوب الناس، فقال: "نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت لعبة للملوك لا يشاء أحد إلا نقضه وبناه فتذهب هيبته من صدور الناس"؛ هذا الموقف يجسّد فقها بالغ العم، حيث يُقدَّم حفظ المقام العام للمقدّس على تحسين صورة السلطة أو إرضاء نزعة إصلاحية آنية.

ومن هذا المنظور فإن تبرير التطبيع أو تفهّمه في السياق المعاصر يمثل منزلقا أخطر؛ لأن القضية هنا لا تتعلق بإجراء إداري أو اجتهاد معمار، وإنما تتصل بجوهر الصراع وبمقدّس ارتبط بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وبذاكرة الأمة وببنية الوعي الإسلامي ذاته؛ فالتطبيع في هذا السياق لا يعمل بوصفه اتفاقا سياسيا فحسب، وإنما يؤدي وظيفة خطيرة تعيد تعريف العدو وتفرغ مفاهيم الولاء والبراء من مضمونها وتُربك ميزان الحق في وعي الأجيال.

وتزداد خطورة هذا المسار حين يصدر التفهّم من علماء أو دعاة لهم حضورهم ومكانتهم لأن كلماتهم تتحول إلى أدوات تشكيل للوعي العام وليست مجرد آراء شخصية معزولة؛ فالتاريخ يبيّن أن الانحرافات الكبرى في مسار الأمم بدأت من لحظات تبرير صغيرة قُدِّمت يومها على أنها تفهّم للظروف أو مراعاة للمصالح، ثم تحولت مع الزمن إلى أعراف فإلى تشريعات ثم إلى مسلّمات يصعب الاعتراض عليها.

إن واجب العلماء في هذا المقام يتمثل في استعادة موقعهم بوصفهم حرّاسا للمقاصد وليسوا مخضعين الشريعة للواقع، وناطقين باسم الحق وليسوا مترجمين لرغبات السلطة؛ أيّ سلطة كانت على الإطلاق، فرفض التطبيع لا ينبع من موقف انفعالي أو شعاراتي وإنما يتأسس على قراءة واعية لمآلاته وآثاره على الدين والهوية والوعي الجمعي، والتفهّم في هذا الباب يفتح شرّا يتجاوز الفعل ذاته إلى ما بعده، حيث تتوالد الذرائع وتتسع مساحات العبث وتُستباح المقدسات تحت ستار الاجتهاد.

إن صيانة قدسية المبادئ الشرعيّة الكبرى تقتضي وضوحا في البيان وحزما في الموقف واستحضارا دائما لفقه العواقب، فالعالم الذي يسكت أو يبرّر أو يتفهّم في لحظة مفصليّة يشارك في إعادة تشكيل الوعي سواء قصد ذلك أم جرى عليه بفعل السياق. ومن هنا تأتي خطورة اللحظة وعظم المسؤولية، وحاجة الأمة إلى بيان يعيد الأمور إلى نصابها ويحفظ للشريعة مكانتها وللمقدسات هيبتها وللحق صراحته التي قامت عليها الرسالات.

إنّ من يرفعون عقيرتهم برفض التطبيع مع الصّهاينة من حاكمٍ لا يحبّونه ثمّ يصمتون إن وقع التّطبيع من حاكم يحبّونه أو يسوّغون هذا التطبيع ويتفهّمونه؛ يوقعون المسلمين في مفاسد كبيرة من أقلّها إذهاب هيبة الشّريعة من نفوسهم وتسويغ التّطبيع عموما، فالتّطبيع مع الصّهاينة شرّ كلّه، ورجسٌ كلّه، وخطرٌ كلّه؛ وليس هناك تطبيع على رأسه ريشة.

x.com/muhammadkhm

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء التطبيع دعاة تطبيع دعاة صهاينة قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء سياسة رياضة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

تحذير «عال الخطورة» بشأن ثغرات أمنية في منتجات NVIDIA

أصدر المركز الوطني الإرشادي للأمن السيبراني تنبيهًا أمنيًا عالي الخطورة دعا فيه المستخدمين إلى المسارعة بتحديث منتجات NVIDIA.

وقال المركز عبر صفحته الرسمية على منصة "إكس"، إن شركة NVIDIA نشرت توضيحًا رسميًا للتحديثات المطلوبة عبر رابط مخصّص، مؤكدا أهمية تطبيقها بشكل عاجل للحماية من مخاطر قد تستغل الثغرات في منتجاتها.

ودعا المركز الوطني الإرشادي للأمن السيبراني جميع المستخدمين إلى زيارة الرابط الرسمي للتحقق من تفاصيل التحديثات وتنزيلها عبر الرابط التالي:

???? تحذير أمني:

بادر بإجراء التحديثات الأمنية على منتجات NVIDIA.

???? https://t.co/BYdsoj9d53 pic.twitter.com/OZieopDhsV

— المركز الوطني الإرشادي للأمن السيبراني (@SAUDICERT) June 2, 2026 الأمن السيبرانيأخبار السعوديةمنتجات NVIDIAشركة NVIDIAقد يعجبك أيضاً«الأمن السيبراني» يحذر من ثغرات أمنية في منتجات «Samsung»فريق التحرير5 ساعات مضت«الأمن السيبراني» يدعو لإجراء تحديثات أمنية على منتجات NVIDIAفريق التحرير19 مايو 2026«الأمن السيبراني» يحذر من ثغرات أمنية في منتجات «Samsung»فريق التحرير06 مايو 2026«الأمن السيبراني» يدعو لتحديث منتجات «Mozilla» لسد ثغرات أمنيةفريق التحرير21 أبريل 2026

مقالات مشابهة

  • فك لغز إشارات فضائية غامضة حيّرت علماء الفلك سنوات .. ما القصة؟
  • جبهة دعم فلسطين ومناهضة التطبيع تستعرض حصيلة "أسطول الصمود" وتنتقد الصمت الرسمي
  • الصين تعلن نجاح أول عملية زرع كبد وكليتي خنزير معا في جسم إنسان
  • حكم الاكتفاء بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة
  • ولاية الإمام علي عليه السلام في الوعي اليمني.. المفهوم والموقف
  • إنفوجرافيك | ولاية الإمام علي عليه السلام في الوعي اليمني.. المفهوم والموقف
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • تحذير «عال الخطورة» بشأن ثغرات أمنية في منتجات NVIDIA
  • فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئية
  • فتاوى وأحكام| هل خلع الحجاب بعد أداء العمرة يبطل ثوابها.. هل من ترك رمي الجمرات في الحج عليه فدية؟..إيه السبب إن ربنا مش بيستجيب دعائي؟..هل دعاء العائد من الحج مستجاب 40 يومًا؟