د. حسن محمد صالح يكتب: البرلمان الانتقالي .. ما هكذا تورد الإبل
تاريخ النشر: 7th, January 2026 GMT
قائمة طويلة تم تعريفها عبر وسائط التواصل الاجتماعي على أنها لأعضاء البرلمان الانتقالي أو المجلس الوطني للفترة الانتقالية بالسودان.
القائمة خالية من الرموز الوطنية والأهلية التي تمثل الشرعية الإدارية والتنفيذية أو السلطة الزمنية في السودان، وكذلك السلطة الروحية ممثلة في أهل التصوف والتيارات الإسلامية من سلفيين وغيرهم.
كما خلت القائمة من رجال الأعمال السودانيين الذين يمثلون عصب الحياة المالية في البلاد، ويعدون رأس الرمح في أي عملية استثمارية أو تجارية من خلال الشراكات الذكية وتبادل المعلومات والفائدة مع المستثمرين الأجانب – المتوقع إقبالهم على البلاد بكثافة – للمشاركة في إعادة بناء ما دمرته الحرب.
القائمة تبدو خالية من القطاعات المهنية، وعلى رأسها المزارعون والرعاة والحرفيون ورجال القانون والخبراء في المجالات الفنية والعلمية والدبلوماسية، وأصحاب الصلات والمعارف بالدول والشعوب والشخصيات ذات التأثير في المحيط الإقليمي والدولي، والذين قاموا بتعريف أصدقاء السودان من المفكرين والكتاب وممثلي الشعوب والبرلمانات، وعلى رأسها الكونغرس الأمريكي، بحقيقة الأوضاع وطبيعة الصراع بين الجيش الوطني ومليشيا تضم مرتزقة أجانب. أكدت هذه الحرب أهمية قادة الرأي في الشعوب الأخرى في الدفاع عن السودان وشعبه، وتغيير الصورة الذهنية عما يجري في الوطن من معركة وجودية، وما يحدث من انتهاكات وإبادة جماعية للشعب السوداني على يد مليشيا آل دقلو الإرهابية.
فئة المغتربين التي اضطلعت بأدوار مهمة في ظل الحرب والنزوح، وكانوا هم الركيزة التي استندت عليها الأسرة والبيت السوداني في بلدان المهجر والنزوح مثل مصر وغيرها، فقد كانوا (سترة حال – بضم السين) في الغربة، ومصدر استقرار لأهليهم وهم خارج الوطن.
بحثت عن تمثيل مستحق للتنسيقيات القبلية التي قامت بأدوار مهمة في معركة الكرامة، ورفضت استخدام أبناء القبائل وقوداً لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، تديرها أسرة آل دقلو ضد الوطن والمواطنين.
كما بحثت عن تمثيل النشطاء السودانيين في مجال العمل التطوعي والمنظمات الدولية والخيرية، ولم أعثر على أسماء بارزة في هذا المجال الحيوي.
فخلال فترة الحرب سطع في سماء السودان شباب قدموا الغالي والنفيس لمساعدة الناس، منهم من قضى نحبه شهيداً على يد المليشيا، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً، هؤلاء هم المستنفرون ومتطوعو التكايا وحراس المنازل ولجان الأحياء بالخرطوم بعد تحريرها.
تمثيل الزملاء الصحفيين والإعلاميين في البرلمان الانتقالي بهذه الكثافة يؤثر على الدور الرقابي للصحافة، وعلى السلطة الرابعة التي كانت تقوم مقام الجهاز التشريعي في غيابه، وقد آن لها أن تمارس دورها في النقد والتوجيه والإرشاد لضمان نجاح الفترة الانتقالية بعد تعيين المجلس الانتقالي وتشكيله.
الفترة الانتقالية هي فترة تأسيس للحكومة المنتخبة عبر بناء دستوري يمهد للحكومة المنتخبة من قبل الشعب، فلا بد من وضع الدستور الانتقالي والقوانين، وعلى رأسها قانون للصحافة والمطبوعات، وقانون للانتخابات، وقانون للمفوضيات الخاصة بالسلام والترتيبات الأمنية من دمج وتسريح للقوات بعد انتهاء الحرب وانتصار الجيش، بالإضافة إلى وضع القوانين الخاصة بإعادة الإعمار والبناء.
البرلمان وإن جاء عن طريق التعيين – وهذه ضرورة تقتضيها طبيعة المرحلة ومتطلبات الانتقال – إلا أنه لا بد أن يأتي ممثلاً للشعب بكل فئاته وقطاعاته، وهي كثيرة ومتنوعة، وأيما خلل يحدث في التمثيل يؤثر سلباً على قومية المجلس وعلى المهمة الأساسية لهذا الجهاز التشريعي، وهي مراقبة الجهاز التنفيذي وإصدار القوانين والتشريعات اللازمة لتصحيح المسار.
يحدث الخلل عند تمثيل فئة من الفئات في غياب الفئات الأخرى، والمواطن السوداني اللماح سوف يدرك ذلك، وسبق أن أطلق السودانيون على برلمان 1953م الانتقالي اسم مجلس النظار، فقد كان نظار القبائل هم الأغلبية الساحقة.
عليه لا بد من إجراء المشاورات الواسعة مع المكونات، وهذه مهمة المستشارين في المجلس السيادي ومجلس الوزراء والحكومات الولائية، مع الولاة والمديرين التنفيذيين وزعماء العشائر والنقابيين والمؤسسات والأجهزة الأمنية التي تقوم بالفحص الأمني اللازم في ظل الحرب والأنشطة الإجرامية المصاحبة لها من قبل بعض ضعاف النفوس وأثرياء الحرب ومستلمي المال المسروق والمتعاونين مع المليشيا مالياً وعسكرياً.
يجب أن لا يختلف البرلمان الذي يتم عن طريق التعيين عن البرلمان المنتخب، خاصة في تمثيل الشعب تحت قبته، ولا بد من تمثيل المواطنين الواقعين تحت سيطرة مليشيا التمرد، كما كان يحدث لمواطني جنوب السودان (قبل انفصال الجنوب عن الوطن الأم) عند تعذر إجراء الانتخابات في الجنوب بسبب الحرب، فكان تمثيل بعض مناطق الجنوب في البرلمان والجمعية التأسيسية يتم عن طريق التعيين.
ختاماً
على مجموعات بورتسودان أن لا تحتكر المعرفة بالشعب السوداني، ففي اختيار أعضاء للبرلمان من داخل الغرف المغلقة ومجموعات الواتساب تجنٍ كبير على الشعب وخياراته ومقدراته وتمثيله في السلطة التشريعية، حتى لو لم يتحقق له ذلك في السلطة التنفيذية.
لا بد من التأكيد على أن تشكيل البرلمان يمثل أكبر إنجاز للسودان في هذه المرحلة، ويأتي ضمن الإجراءات التصحيحية التي أعلنها القائد العام للقوات المسلحة، التي تم اتخاذها في أكتوبر من العام 2021م وإن تأخرت.
الفشل في تعيين برلمان الفترة الانتقالية بعد ثورة ديسمبر 2018م مثل فجوة كبيرة في التشريعات التي يعتبر السودان في أمسّ الحاجة لها، ولا يغني عنها ما يقوم به المجلس السيادي ومجلس الوزراء مجتمعين.
لقد عجز نشطاء قحت في الحرية والتغيير عن تحقيق كثير من مقتضيات ذلك العهد، وأبرز ما فشلوا فيه فشلاً ذريعاً هو تعيين المجلس التشريعي للفترة الانتقالية الذي حددوا له تسعين يوماً في الوثيقة الدستورية الأولى في أغسطس 2019م، ولكنهم أخفقوا في ذلك على مدى عامين من الزمان (أضاعوها) في القيل والقال وكثرة السؤال وهدر ونهب الأموال.
وأخيراً فضّلوا الاتفاق الإطاري (وهو عمل سياسي) مفروضاً من الخارج على الجهاز التشريعي للبلاد الذي يتم الاحتكام إليه والرجوع له، فقد ظلوا غرباء على حكم السودان وذهبوا إلى غير رجعة.
القارئ الكريم، بعد الخطوة الكبيرة التي تمت بتشكيل حكومة الأمل المدنية برئاسة الدكتور كامل إدريس، يأتي تعيين المجلس التشريعي الانتقالي مؤكداً على الانتقال نحو الحكم المدني، تعبيراً عن خارطة الطريق السودانية التي قدمها الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة، للأمين العام للأمم المتحدة، وهو إنجاز عظيم يجب أن يكتمل بدراً في سماء السودان، بلد الانتصارات والمعجزات.
د. حسن محمد صالح
إنضم لقناة النيلين على واتسابPromotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2026/01/07 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة دقلو للتسجيلات الوهمية2026/01/07 لاءات القائد البرهان الأربعة2026/01/07 علف الشوفان في خطاب د. عزام2026/01/07 الوعي الطبقي في أمريكا وسر محبة الأبجيقات للبليونير ترمب2026/01/07 صمت الأسافير .. حين يتكلم الفراغ2026/01/06 باشا طبيق يتهم الجيش… لكن الواقع يفضحه2026/01/06شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات إسحق أحمد فضل الله يكتب: (وما يجري… 2) 2026/01/06الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: لا بد من
إقرأ أيضاً:
أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
منذ أيام قليلة، انتشرت تقارير بعنوان هل ينجح الذكاء الاصطناعي في هزيمة السرطان؟.. وربما يمنح هذا العنوان، للوهلة الأولى، صورة ذهنية براقة وبصيصاً من الأمل في دحر ذلك الغول المتوغل داخل أجساد ملايين البشر حول العالم. ودار فحوى التقرير حول ثورة الذكاء الاصطناعي كتقنية واعدة، وقدرة الخوارزميات الفائقة على تحليل مليارات البيانات الطبية في فترات قياسية، مما يتيح للعلماء ميزة غير مسبوقة للتنبؤ بطبيعة الخلايا الخبيثة واختصار أمد البحث المخبري الشائك، وهو ما يبشر برسم خارطة طريق مغايرة تماماً للمستقبل العلاجي.
لكن خلف هذا البريق التكنولوجي الأخاذ، تغيب عن وعي قطاع عريض من المجتمعات حقيقة بيولوجية وتاريخية صارمة؛ وهي أن ولادة أي عقار دوائي جديد، سواء لمقاومة الأورام أو الفيروسات أو الميكروبات، ليست مجرد معادلة رقمية تظهر بضغطة زر، بل رحلة شاقة قد تمتد لأكثر من عقد كامل. تبدأ هذه المسيرة الحتمية داخل المعامل بعزل المركبات الكيميائية وتقييم أمانها الأولي على الخلايا الحية والحيوانات، وهي مرحلة البحوث التي تستغرق وحدها ما بين ثلاث إلى خمس سنوات، وتمثل الحيز الوحيد الذي تستطيع التقنيات الحديثة تسريع وتيرته الرقمية، دون امتلاك القدرة على تخطي ما يليها من مراحل ومحطات تفرضها الطبيعة البشرية ذاتها.
ويعود هذا العجز التقني أمام خطوة التطبيق على الإنسان بالأساس إلى أن الطبيعة البشرية تمثل منظومة حيوية فريدة وبالغة التعقيد، لا تزال الخوارزميات الرقمية عاجزة عن فك شفراتها السيكولوجية والبيولوجية؛ فالآلة الصماء، مهما بلغت قدرتها على محاكاة البيانات والتنبؤ بها، لا يمكنها استيعاب التداخلات الغامضة بين الجينات المستقرة، والحالة النفسية للمريض، والتفاوت البيئي، وتنوع آليات الاستجابة المناعية من جسد لآخر، وهي متغيرات لا تخضع لمنطق المعادلات الحسابية الجامدة، مما يجعل رصد تفاعلات الدواء داخل الجسد حكراً على المراقبة الحية الصارمة.
وهنا تحديداً، يدخل المشروع العلاجي نفق "التجارب السريرية" على البشر، وهو المسار الأكثر حساسية ودقة؛ إذ يتدرج الباحثون على مدار خمس إلى سبع سنوات أخرى في اختبار العقار عبر ثلاثة أطوار متلاحقة؛ تبدأ بحفنة من المتطوعين الأصحاء للتأكد من السلامة، ثم مئات المرضى لتقييم الفعالية، وصولاً إلى آلاف الأشخاص حول العالم لرصد الآثار الجانبية النادرة ومقارنتها بالبدائل السائدة. وحين تنتهي تلك الأعوام الطويلة من المراقبة اللصيقة، يخضع الملف بأكمله لمراجعات وفحوصات دقيقة من الهيئات التنظيمية الرسمية قد تستغرق عامين إضافيين قبل منح رخصة التداول، لتصبح المحصلة النهائية قرابة اثني عشر عاماً من التدقيق والتمحيص؛ وهي المعرفة التي تمثل حجر الزاوية في أمننا الصحي، والدرع الأول في مواجهة التضليل.
وأمام هذا الغياب التام للحقائق الرقمية والبروتوكولات الصارمة عن وعي البسطاء، يولد فراغ معرفي خطير يمثل الثغرة المثالية التي ينفذ منها سماسرة الطب الزائف ومعدمو الضمير. وهنا تحديداً، يُقحم مرتزقة "شركات بئر السلم للأدوية" أنفسهم؛ تلك الكيانات العشوائية التي تعد الأشد فتكاً بصحة المرضى لعدم استنادها إلى أي معايير تصنيعية عالمية، بل تعتمد بالكامل على فبركة نتائج الأبحاث الجارية، وإقناع الملهوفين على الشفاء بأنها توصلت لصياغة مستحضرات ناجزة تصنع المعجزات في علاج أمراض مزمنة كداء السكري وخشونة الركبة المتقدمة وغيرها من الأمراض العضال.
ولم تكن هذه التجارة الآثمة بآلام البشر لتدور في معزل عن شركاء آخرين، بل تكتمل فصولها بتحالف مخزٍ يضم أنصاف الأطباء ممن ينتسبون زوراً لتلك المهنة السامية ويتدثرون بردائها لتمرير الوهم، تساندهم منصات فضائية تقبل ببث الأكاذيب لقاء مقابل مادي. ولعل الطعنة الأشد إيلاماً في جسد الوعي المجتمعي تأتي من بعض الفنانين الذين تورطوا في تقديم "إعلانات استشهادية رخيصة" يؤكدون فيها تمام شفائهم بعد استخدام تركيبات دوائية مجهولة؛ في سقطة معرفية وأخلاقية مدوية لا تعكس مطلقاً القيمة الفنية التي أبدعوها على مدار سنوات كقادة رأي كان يُفترض بهم صون وعي الجماهير لا تضليله!
وفي غمرة هذا الطوفان الإعلاني المزيف، لن تغلق ثغرة الوعي تلك إلا بيقظة المشاهد نفسه، وعدم الانصياع لاستراتيجيات الإغراق الإعلاني المنظم التي يراهن عليها هؤلاء المروجون لتمرير أوهامهم البصرية؛ فحماية الجسد البشري من رواج هذه المنتجات غير المؤثرة، وربما الضارة والمدمرة للصحة، تبدأ من رفض التجاوب معها، والتمسك بالحقائق والمسارات العلمية الصارمة كحصن أول وأوحد لأمننا البشري والصحي.