بوابة الوفد:
2026-06-02@23:32:48 GMT

الإسراء والمعراج ونسبة المعجزة إلى الله تعالى

تاريخ النشر: 8th, January 2026 GMT

تتجاوز معجزة الإسراء والمعراج حدود العقل البشري وقوانين الفيزياء، لتتجلى فيها طلاقة القدرة الإلهية ونسبة الفعل لخالقه، فلا يُقاس فعل الخالق بمقاييس المخلوق القاصرة.

الإسراء والمعراج خارج حدود الزمان والمكان

وتُعد معجزة الإسراء والمعراج حدًا فاصلًا بين إيمان التسليم وبين يقين العقل بطلاقة القدرة الإلهية، إذ لم تكن الرحلة مجرد انتقالٍ في المكان والزمان، بل كانت خرقًا لنواميس الكون المعهودة، ولفهم كيفية وقوع هذا الحدث الكوني في جزءٍ يسيرٍ من الليل، لا بد من تحرير "جهة الفعل" وتصحيح المقياس الذي نزن به المعجزات، وهو ما قرره المحققون من أهل العلم والتفسير في شروحهم.


وافتتح الله عز وجل سورة الإسراء بكلمة التنزيه المطلق ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِیۤ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ﴾ [الإسراء: ١]، وهذا الاستهلال يحمل دلالةً عقديةً عميقة، فهو إعلانٌ مسبقٌ بأن ما سيأتي من خبرٍ هو أمرٌ خارجٌ عن مألوف البشر وعن قوانين المادة، لذا يقرر المفسرون أن ﴿سُبۡحَٰنَ﴾اسمٌ يؤذن بتنزيه الله عز وجل عن كل نقص، ويقتضي إثبات العظمة والكمال لله سبحانه وتعالى، يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله في ذلك: يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره" [تفسير ابن كثير (٥ ‏/ ٥)]، فكانت "سبحان" بمثابة صمام أمانٍ للعقل البشري تقول له توقف هنا عن القياس بمقاييسك الدنيوية البشرية، فأنت أمام فعلٍ إلهيٍ لا تسري عليه قوانين الحركة والزمن الأرضية.


جوهر المعجزة ونسبة الفعل لفاعله

إن الإشكال الذي يقع فيه العقل المادي عند سماع خبر الإسراء والمعراج هو قياس الرحلة بمقياس البشر المحدود متسائلًا "كم يستغرق الإنسان لقطع المسافة؟"، وهنا يبرز الجواب العقدي الحاسم الذي يقرر أن "الزمن يتناسب تناسبًا عكسيًا مع قوة الفاعل"، فالنص القرآني دقيقٌ جدًا حين قال: ﴿أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ﴾ [الإسراء: ١]، ولم يقل (سَرَى عبده)، فالفاعل هو الله صاحب القدرة المطلقة، والمفعول به هو النبي ﷺ صاحب القدرة المحدودة.

حقيقة الإسراء بالروح والجسد
أكد جمهور علماء الأمة أن الإسراء والمعراج كانا بالروح والجسد معًا يقظةً لا منامًا، لأن قدرة الله تتعلق بالمادة (الجسد) كما تتعلق بالروح، وتخصيصها بالروح فقط تقليلٌ من شأن المعجزة.

وقد أكد الحافظ ابن كثير رحمه الله هذا المعنى بقوله: " فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا منامًا، ولا ينكر أن يكون رسول الله ﷺ رأى قبل ذلك منامًا، ثم رآه بعده يقظة؛ لأنه عليه السلام كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح؛ والدليل على هذا قوله عز وجل: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِیۤ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ﴾ فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، ولو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيء ولم يكن مستعظمًا، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتد جماعة ممن كان قد أسلم. وأيضًا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقد قال عز شأنه: ﴿أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَیۡلࣰا﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡیَا ٱلَّتِیۤ أَرَیۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةࣰ لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، والشجرة الملعونة: شجرة الزقوم. رواه البخاري، وقال تعالى: ﴿مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ [النجم: ١٧]، والبصر من آلات الذات لا الروح [تفسير ابن كثير (٥ ‏/ ٤٤)].


 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: الإسراء والمعراج الإسراء والمعراج 2025 الإسراء والمعراج معجزة الاسراء والمعراج بالتفصيل الإسراء والمعراج ابن کثیر منام ا

إقرأ أيضاً:

حكم القطيعة والخصام والهجران المنهي عنه شرعًا

جاءت الشريعة الإسلامية بتوطيد العلاقات والروابط الإنسانية بين أفراد المجتمع الواحد؛ بل بين الإنسانية ككل، فدعت لإرساء معاني الإحسان والبر والمحبة بين الناس جميعًا، وحَثَّت على كل ما من شأنه أن يرسِّخَ روح المحبة والمودة، وإشاعة الوئام والتسامح والإخاء بين الناس جميعًا من غير تفرقة بين إنسانٍ وآخر؛ أيًّا كان جنسه أو لونه أو دينه، اتفقنا معه أو اختلفنا.

أقل ما يتحقق به قطع الخصام والخروج من الهجران المنهي عنه

راعى الشرع الشريف ما تكون النفس الإنسانية مجبولة عليه من الصفات التي من شأنها أن تُقَرِّبَ الناس من بعضهم أو تُبْعِدَهُم، فأذِن بالهجر لأيامٍ لا تزيد على الثلاثة كأصلٍ عامٍّ؛ وهي وقت كافٍ لتهدأ فيه النفوس من غضبها، ويراجع كلٌّ مِن المتشاحنين نفسه، ويصل مَن هجره، فإن زاد على الأيام الثلاثة بلا مسوِّغٍ شرعيٍّ: حَرُمَ عليهما، وأثما ما داما مشتركَين في الهجر والخصام والقطيعة ولم يبادر أحدهما بالصلح والوصل، وأقل ما يخرج به من الهجر: إلقاء السلام، ويُستحب علاوة على ذلك مبادلته الكلام والعودة إلى ما كانا عليه قبل الهِجران وتدخُّل الشيطان.

والأصل في الإخاء: الإنسانية والآدمية؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «النَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» أخرجه الأئمة: أحمد في "المسند"، وأبو داود والترمذي -وصححه- والبيهقي في "السنن" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» أخرجه الشيخان.

قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (6/ 127، ط. أوقاف المغرب): [أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث] اهـ.

أقل ما يتحقق به قطع الخصام والخروج من الهجران المنهي عنه
إذا نوى أحدُ المتخاصمَين الصُّلْحَ وسَعَى فيه جُوزِي على نِيَّتِهِ وسَعْيِهِ في الصلح؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لَا تَحِلُّ الْهِجْرَةُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنِ الْتَقَيَا فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْآخَرُ السَّلَامَ؛ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ، وَإِنْ أَبَى الْآخَرُ أَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ؛ بَرِئَ هَذَا مِنَ الْإِثْمِ، وَبَاءَ بِهِ الْآخَرُ» أخرجه الإمامان: الطبراني في "الأوسط"، والحاكم في "المستدرك" وصححه.

وفي حديث هشام بن عامر رضي الله عنه مرفوعًا: «فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلَامَهُ؛ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ، وَرَدَّ عَلَى الْآخَرِ الشَّيْطَانُ» أخرجه الأئمة: عبد الله بن المبارك والطيالسي وابن الجعد وأحمد -واللفظ له- وأبو يعلى في "مسانيدهم"، والبخاري في "الأدب المفرد"، وغيرهم.

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ؛ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ»، زَادَ أَحْمَدُ: «وَخَرَجَ الْمُسَلِّمُ مِنَ الْهِجْرَةِ» أخرجه الأئمة: البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو دود -واللفظ له- والبيهقي في "السنن".

قال الإمام البيضاوي في "تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة" (3/ 264، ط. أوقاف الكويت): [«فَقَدْ بَاءَ بِإِثْمِهِ» يحتمل أن يكون الضمير المجرور فيه للبايِئِ، فيكون المعنى: أنَّ المُسلِّم خرج من الهجرة، ونُفِيَ مِن الوِزر، وبَقِيَ الإثمُ على الذي لم يردَّ السلامَ، ويحتمل أن يكون للمسلَّم، والمعنى: أنه ضَمَّ إثمَ هِجران المسلِّم إلى إثم هِجرانه، وَبَاءَ بهما؛ لأن التهاجُرَ يُعَدُّ منه وبسببه] اهـ.

وجملة هذه الروايات وغيرها يدُلُّ على أنَّ أقلَّ ما يحصل به الخروج مِن الهِجران هو السلامُ وإن اجتنب مخالطته والكلام معه، وبه تبرأ ذمة المسلِّم من الشحناء والقطيعة والإثم؛ كما هو قول جماهير العلماء، واشترط الإمام أحمد والإمام ابن القاسم من المالكية إضافةً إلى السلام: عدم تأذِّي المسَلَّم عليه من اجتناب الكلام معه؛ لأن السلام يهدف إلى نَفْيِ الأذى، ويُزيل الضغائن، وَيُورث التحابُب، ويَنشر الأُلفة، وهو أدفعُ للضغينة بغير مؤنةٍ، واكتسابُ أخُوَّةٍ بأهوَنِ عطية، وبقاءُ التأذي يعكِّر صفو هذه المعاني؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

قال بدر الدين العيني الحنفي في "عمدة القاري" (22/ 137، ط. دار إحياء التراث): [واختلفوا: هل يخرج بالسلام وَحْدَهُ مِن الهِجران؟ فقالت البغادِدَةُ: نعم، وكذا قول جمهور العلماء: إن الهِجرة تزول بمجرد السلام وَرَدِّهِ، وبه قال مالكٌ في رواية، وقال أحمد: لا يبرأ من الهِجرة إلا بِعَوْدِهِ إلى الحال التي كان عليها أولًا، وقال أيضًا: إن كان تركُ الكلام يؤذيه لم تنقطع الهِجرة بالسلام، وكذا قال ابن القاسم] اهـ.

وقال الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في "المنتقى شرح الموطأ" (7/ 215، ط. مطبعة السعادة): [أما إذا سَلَّمَ: فقد رَوَى ابنُ وهبٍ عن مالكٍ: إذا سَلَّمَ عليه ولا يكلمه بهذا المقدار الذي نُهِيَ عنه من المهاجرة فقد قطع الهجرة. وقد قال ابن القاسم في "المزنية" في الذي يُسَلِّمُ على أخيه، ولا يكلمه بغير ذلك بل يجتنب كلامَه: إن كان غير مؤذٍ له؛ فقد برئ من الشحناء] اهـ.

مقالات مشابهة

  • الحج.. مدرسة الروح ووحدة الأمة!
  • تفكيك سلاح حزب الله يعيق مفاوضات لبنان وإسرائيل
  • لبنان.. الملعب يُفرض من جديد!
  • حزب الله يهدد إسرائيل بـرد أعمق على أي غارات تستهدف الضاحية
  • حكم القطيعة والخصام والهجران المنهي عنه شرعًا
  • ورقة علمية: إيران تقترب من القدرة النووية الكاملة دون إعلان امتلاك السلاح
  • الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة المقبل.. «كن راضيا وإياك والتباهي»
  • أمير نجران يعزّي شيخ شمل آل فاطمة يام في وفاة شقيقه
  • ميرز: ألمانيا تقترب من تحقيق الاستقلال في بيانات الذكاء الاصطناعي
  • الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"