الرجال لا ينهارون! كيف تُنتج ثقافة القوة إرهاقا صامتا؟
تاريخ النشر: 8th, January 2026 GMT
في عالم تقاس فيه القوة بالتماسك والقدرة على الاحتمال، يواجه الرجال الضغوط اليومية بصلابة، دون شكوى أو تذمّر. وهذه الصورة الخارجية تخفي، في حالات كثيرة، إرهاقا داخليا يتراكم بصمت، ويتحوّل إلى عبء نفسي وجسدي ثقيل لا يُرى ولا يُناقَش.
وتسمى هذه الحالة "الإرهاق الصامت"، ولا تقتصر على التعب الجسدي الناتج عن العمل المتواصل، بل تمتد إلى إنهاك نفسي طويل الأمد، تغذّيه ثقافة اجتماعية تُمجّد الصبر وتُجرّم الاعتراف بالتعب، خصوصا لدى الرجال.
منذ الطفولة يُربّى كثير من الرجال على رسائل متكررة مثل: "كن قويا"، "لا تُظهر ضعفك"، "الرجال لا يشتكون". ومع الوقت تتحول هذه العبارات إلى منظومة قيم كاملة تُعرف في علم الاجتماع بـ"الذكورية المهيمنة"، وهي ثقافة تشدّد على الصلابة والاستقلال العاطفي وتحمل المسؤولية دون طلب الدعم.
في هذا السياق لا يُنظر إلى التعب بوصفه حالة إنسانية طبيعية، بل لكونه "إخفاقا شخصيا" أو "تهديدا" لصورة الرجولة، لذلك يفضّل الرجل الصمت أو إخفاء إرهاقه خلف قناع الانشغال والقوة، حتى عندما يصبح التعب واضحا ومؤثرا على حياته.
على المستوى البيولوجي يطلق الجسد البشري -خصوصا في حالات الضغط المرتفع- دفعات من الأدرينالين تمنح طاقة مؤقتة تُعرف بـ"النفَس الثاني"، وهذه الاستجابة قد تجعل الرجل يبدو أكثر تركيزا وحدة وصلابة، بينما يكون في الحقيقة عند حافة الإنهاك.
لكن هذا الحل المؤقت له ثمن؛ فالإرهاق المزمن يرفع مستويات التوتر ويؤثر في جودة النوم ويُضعف المناعة، وقد يتجلّى في أعراض جسدية مثل الصداع المستمر وتوتر العضلات أو اضطرابات الهضم.
ومع تجاهل هذه الإشارات يتحول التعب إلى حالة مزمنة يصعب التعامل معها لاحقا.
لماذا لا يعترف الرجل بتعبه؟تشير دراسات نفسية إلى أن الرجال أقل ميلا من النساء لطلب الدعم النفسي أو الحديث عن مشاعرهم، ليس لغياب الألم، بل للخوف من "الوصم الاجتماعي". فالاعتراف بالإرهاق يُفسَّر في كثير من البيئات ضعفا أو تقصيرا.
إعلانوإلى جانب الضغط الاجتماعي من أجل عدم إظهار الضعف، تشير أبحاث الصحة النفسية إلى أن الأعراف التقليدية للذكورة نفسها تشكّل عثرة أمام الاعتراف بالإرهاق والتعب، وتؤثر على سلوك الرجال تجاه صحتهم النفسية، وهذه القواعد الثقافية تتداخل مع الخوف من الحكم الاجتماعي، مما يزيد من ابتعاد الرجل عن الدعم الطبي والاجتماعي.
لذلك لا يقول الرجل "أنا منهك"، بل يستبدل بها جملا تبدو عابرة، لكنها تحمل بين طياتها إرهاقا عميقا، مثل:
"أنا فقط مشغول قليلا هذه الفترة". "لم أنم جيدا الليلة الماضية". "أنا بخير، فقط أركّز على العمل". "أعمل أفضل تحت الضغط". "أستطيع تحمّل الأمر". "كان يوما طويلا لا أكثر". "دعني أنهي هذا الشيء فقط".وهذه العبارات ليست إنكارا واعيا دائما، بل هي آليات دفاع تحمي صورة الذات وتؤجل مواجهة التعب بدل معالجته.
كما تُظهر أبحاث أخرى أن الرجال قد يعبرون عن التعب النفسي بطرق غير مباشرة تختلف عن التعبير اللفظي، مثل زيادة التوتر والانفعال الزائد أو اللجوء إلى العمل المفرط في محاولة لإلهاء الذات.
وتشير مستشفى "مايو كلينك" (Mayo Clinic) إلى أن الرجال غالبا ما يستخدمون أساليب تأقلم غير صحية -مثل الإفراط في العمل أو التدخين أو سلوكات أخرى مضرة- لإخفاء أعراض الاكتئاب أو الإرهاق، التي قد لا تُشخّص بسهولة لأنها لا تظهر على شكل حزن مباشر بقدر ما تكون أعراضا جسدية أو سلوكية.
وهذا النمط من التعبير عن الإرهاق يجعل من الصعب على الأفراد والمختصين التعرف على عمق الإرهاق الذي يعانيه الرجل، مما يفاقم مشكلته ويطيل أمدها دون تدخل مناسب.
الصراع الداخليمع تراكم الضغوط وغياب المساحة الآمنة للتعبير، يظهر الإرهاق الصامت في سلوكات غير مباشرة، مثل الانسحاب الاجتماعي أو الغضب المفاجئ أو البرود العاطفي أو الاندفاع المفرط نحو العمل هربا من المشاعر المؤجلة.
وقد يكون الرجل حاضرا جسديا لكنه غائب ذهنيا، يفي بالتزاماته كلها ويساعد الجميع، لكنه يعجز عن الاعتراف بأنه هو نفسه بحاجة إلى دعم.
الاعتراف بالإرهاق لا يعني التخلي عن المسؤوليات، بل هو إعادة حملها بطريقة أكثر إنسانية. وتشير المؤسسات الصحية والنفسية إلى أن الخطوة الأولى تبدأ بالحديث عن التعب، وفصل الرجولة عن الصمت القسري. ويتطلب كسر هذه الدائرة ما يلي:
فتح حوارات مع الرجال بعيدا عن الأحكام، والإنصات دون محاولة "الإصلاح". تشجيع طلب الدعم المهني بدل الاكتفاء بالنصائح التحفيزية. إعادة تعريف القوة بوصفها قدرة على الوعي بالذات وطلب المساندة عند الحاجة.وفي النهاية فإن الإرهاق الصامت ليس دليل قوة، بل هو علامة إنذار، والقوة الحقيقية لا تكمن في الصمود بلا توقف، بل في معرفة متى نتوقف ومتى نطلب العون ومتى نعترف بأننا -ببساطة- بشر.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات عن التعب إلى أن
إقرأ أيضاً:
قصور الثقافة تقدم 17 عرضا بالموسم المسرحي في القاهرة الكبرى
تقدم الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، 17 عرضا مسرحيا بإقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي، بدءا من اليوم الثلاثاء وحتى الجمعة 19 يونيو، ضمن عروض الموسم الحالي، والمقدمة بالمجان للجمهور، في إطار برامج وزارة الثقافة.
العروض إنتاج الإدارة العامة للمسرح التابعة للإدارة المركزية للشئون الفنية، وتقدم بالتعاون مع إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي، والفروع الثقافية التابعة.
وتقام العروض في الثامنة مساء وتنطلق مع العرض المسرحي "ميزانين"، لفرقة قومية الجيزة، ومن إخراج سامح بسيوني، ويعرض على مسرح الهوسابير بالقاهرة.
ويقدم يوم الخميس 4 يونيو عرض "مآذن تلفظها الأندلس" شريحة قصر ثقافة السلام، إخراج أحمد زكي، ويعرض على مسرح قصر ثقافة روض الفرج.
وفي يوم الجمعة 5 يونيو يقدم عرض "لي لي" شريحة قصر ثقافة الفيوم، إخراج أحمد السلاموني، ويعرض على مسرح قصر ثقافة الفيوم.
وفي يوم السبت 6 يونيو يقدم عرض "التحول" شريحة بيت ثقافة طامية، إخراج أحمد عبد الباسط، ويعرض على مسرح بيت ثقافة طامية.
وتتواصل الفعاليات يوم الأحد 7 يونيو، مع العرض المسرحي "المهاجر" لفرقة القاهرة، وهو عن نص "مهاجر بريسبان"، إخراج عمر حسين، ويعرض بقصر ثقافة روض الفرج.
ويشهد مركز الجيزة الثقافي، يوم الاثنين 8 يونيو العرض المسرحي "هاللو فوبيا 2" لفرقة عين حلوان، إخراج سيف الدين محمد.
ويستقبل مسرح ببا ببني سويف العروض المسرحية في الفترة من 9 إلى 14 يونيو، وتبدأ مع عرض" الذي لم يخرج"، لفرقة ببا، إخراج غريب مصطفى، يليه يوم الأربعاء 10 يونيو عرض "مؤتمر الطيور" لفرقة الفشن، إخراج كرم نبيه.
ويوم الخميس 11 يونيو يعرض "أفراح القبة" لفرقة قومية بني سويف، إخراج رامي قرني، وفي يوم الجمعة 12 يونيو يقدم عرض "جبل النار" شريحة قصر ثقافة بني سويف، إخراج أسامة محمود.
ويوم السبت 13 يونيو يقدم عرض "أولاد بهية"، شريحة بيت ثقافة أهناسيا عرض إخراج محمد حسب النبي، ثم تقدم فرقة أبو صير الملق عرض "أدهم الشرقاوي" إخراج عبد الرحمن المصري، وذلك يوم الأحد 14 يونيو.
ثم تنتقل الفعاليات إلى قصر ثقافة روض الفرج، حيث تقدم فرقة روض الفرج المسرحية عرض "المفتش العام" إخراج إبراهيم المهدي وذلك يوم الاثنين 15 يونيو، يليه يوم الثلاثاء 16 يونيو عرض "جوهرة إشبيلية" شريحة قصر ثقافة المطرية، إخراج خالد العيسوي.
وفي يوم الأربعاء 17 يونيو، تقدم فرقة قومية القاهرة عرض "الغجري"، إخراج يس الضوي، بمركز الجيزة الثقافي.
ويعرض يوم الخميس 18 يونيو "حضرة صاحب البطاقة"، لفرقة البدرشين، إخراج أحمد إسماعيل.
وتختتم العروض يوم الجمعة 19 يونيو مع عرض "برلمان الستات"، شريحة قصر ثقافة الجيزة، إخراج دينا البدوي.