في لحظة دولية مضطربة، تتكسر فيها القواعد التي حكمت العلاقات بين الدول لعقود طويلة، يبدو العالم وكأنه يقف على أعتاب نظام عالمي جديد، لا يعيد إنتاج ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا يلتزم بالمبادئ الأخلاقية التي رُوّج لها باعتبارها صمام الأمان لمنع اندلاع الحروب والصراعات الكبرى.
فبدلًا من الاستقرار، تتسع بؤر التوتر، وتتراجع مكانة القانون الدولي، بينما تتقدم لغة القوة والهيمنة، وتفرض إدارة الأزمات بالرمزية والاستعراض الإعلامي نفسها كأداة بديلة عن الحلول السياسية.

التحول العميق

هذا التحول العميق لا ينعكس فقط على شكل الصراعات الدولية، بل يمتد ليهدد كيان الدول نفسها، خاصة تلك التي تعاني هشاشة داخلية أو نزاعات حدودية مزمنة، لتصبح أكثر عرضة للتفكك أو التقسيم في عالم لم يعد يعترف إلا بموازين القوة والمصالح المباشرة.
ورغم تباين القراءات والتحليلات، يبقى القاسم المشترك بينها أن ما يجري اليوم ليس إعادة إنتاج للنظام الدولي القديم، بل تشكّل لنظام جديد مختلف في القواعد والنتائج.

الخارجية : مصر تتحرك على جميع الأصعدة لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة

لا عودة لنظام ما بعد الحرب العالمية:

في هذا السياق، أكد العميد خالد عكاشة، الخبير في الشؤون الاستراتيجية والأمنية، أن العالم لا يشهد إعادة إنتاج للنظام الدولي الذي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية، بل يمر بمرحلة تشكيل نظام عالمي جديد، كان من المفترض أن يقوم على مبادئ أخلاقية تهدف إلى منع الحروب وضبط العلاقات الدولية، إلا أن الواقع الحالي يسير في الاتجاه المعاكس، خاصة على مستوى المعادلات الأمنية العالمية.

وأوضح عكاشة أن هذا التشكل الجديد يحمل في طياته مخاطر جسيمة، لا سيما على الدول الضعيفة أو المنهكة بالصراعات، مشيرًا إلى أن هذه الدول أصبحت الأكثر عرضة للتفكك والتشرذم.
وحذر من أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعلانات انفصال لأقاليم أو أجزاء من دول قائمة، مع احتمالات اعتراف دول أخرى بهذه الكيانات الجديدة، معتبرًا أن هذه السيناريوهات لم تعد مستبعدة في ظل غياب الردع الدولي الحقيقي وتآكل مفهوم السيادة الوطنية.

وأضاف أن هذا الواقع يضع الدول الهشة أمام تهديد وجودي، في ظل نظام عالمي لا يقدم حلولًا سياسية حقيقية، بل يترك الصراعات تتفاقم حتى تصل إلى لحظة الانفجار أو التقسيم.

وانتقد العميد خالد عكاشة بشدة السلوك الأمريكي في إدارة الأزمات الدولية، معتبرًا أن الولايات المتحدة تتعامل مع مشاهد أمنية شديدة التعقيد بعقلية سطحية ورمزية، تتجاهل جذور الأزمات الحقيقية.

«فتح»: إسرائيل تماطل في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وتهدد السلام في غزة

وضرب مثالًا بالقصف الذي استهدف شمال نيجيريا، والذي صاحَبته دعاية سياسية على طريقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تحت ذريعة اضطهاد المسيحيين، واصفًا هذا الخطاب بأنه مستخف بالأسباب العميقة للصراع ويعكس فهمًا قاصرًا لطبيعة الأزمات المركبة.

وأكد أن هذه التصرفات لا تسهم في الحل، بل قد تؤدي إلى نتائج عكسية، مشيرًا إلى أن ما يحدث حاليًا يندرج ضمن ردود أفعال رمزية تُسهم في تأجيج نشاط التنظيمات الإرهابية بدلًا من احتوائها.
وشدد على أن هذا النهج يعكس توسعًا خطيرًا في مفهوم عسكرة الخلافات والمشكلات، بعيدًا عن أي مقاربة سياسية جادة، مضيفًا أن بعض القوى الكبرى باتت تتعامل مع الأزمات باعتبارها فرصة لتسويق «تريند» سياسي وإعلامي بدلًا من البحث عن حلول مستدامة.

عالم استثنائي خارج كل المقارنات:

من جانبه، قال الدكتور عبد المنعم سعيد، الكاتب والمفكر السياسي، إن العالم يمر حاليًا بوضع دولي استثنائي وغير مسبوق، لا يمكن قياسه لا على حقبة الحرب الباردة ولا على مفاهيم تعدد الأقطاب التقليدية.

وأوضح سعيد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتمتع بطبيعة خاصة تختلف عن جميع الرؤساء الأمريكيين السابقين، مشيرًا إلى أن سلوكه السياسي يعكس تحولًا جذريًا في شكل القيادة الأمريكية.
وأضاف أن ترامب يتبنى نمطًا جديدًا من «الإمبريالية الحديثة»، يقوم على استعراض القوة وتحقيق الهيمنة دون الدخول في حروب واسعة ذات تكلفة بشرية أو مالية مرتفعة، كما حدث في العراق أو أفغانستان.

وأشار إلى أن هذا النهج ظهر بوضوح فيما وصفه بـ«حرب الاثني عشر يومًا مع إيران»، حيث جرى توجيه رسائل قوة مباشرة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

وأضاف عبد المنعم سعيد أن الصورة الأوسع لهذه الإمبريالية الجديدة تتجسد في السعي للسيطرة على فنزويلا، من خلال محاولات غزوها أو خطف رئيسها وزوجته، وفرض شروط اقتصادية قاسية على أي قيادة جديدة، من بينها المطالبة بتوريد مليوني برميل نفط يوميًا للولايات المتحدة.

وأشار إلى أن أهمية فنزويلا لا تقتصر على كونها دولة نفطية فحسب، بل تمتد إلى امتلاكها معادن نادرة ذات أهمية استراتيجية، كما تطرق إلى حديث ترامب عن جزيرة جرينلاند، معتبرًا أن هذا الطرح لا يضع واشنطن في مواجهة مع الدنمارك وحدها، بل مع أوروبا بأكملها، ما يعكس اتساع رقعة التوترات الدولية في ظل نظام عالمي تتراجع فيه القواعد وتتصدر فيه لغة القوة.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: الحرب العالمية الثانية اندلاع الحروب الصراعات الكبرى التحول العميق نظام عالمی أن هذا إلى أن

إقرأ أيضاً:

القوة الجوية يحسم اللقب لدوري نجوم العراق

القوة الجوية يحسم اللقب لدوري نجوم العراق

مقالات مشابهة

  • د. مايكل لينك: الأمم المتحدة بلا قوة إلزام فعلية لتطبيق القانون الدولي
  • باحثة دولية: التطورات الأخيرة غيرت ميزان القوة لصالح الجانب الإيراني
  • القوة الجوية يحسم اللقب لدوري نجوم العراق
  • السيسي يثمن جهود الدولة لمواجهة التحديات الناجمة عن الأزمات العالمية والإقليمية المتلاحقة
  • عُمان الشامخة
  • الأمم المتحدة تحذر من تداعيات «إل نينيو» وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة عالميًا
  • خبير اقتصادي: "حياة كريمة" المبادرة الأضخم تاريخياً لبناء المواطن المصري
  • ماليزيا تنتقد إلغاء النرويج صفقة أسلحة وتشكك في موثوقية الاتفاقات الدولية
  • البنتاجون يُخطط للانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية من نظام الدفاع الأوروبي
  • العالم الرقمي وتأثيره النفسي.. تحذيرات متصاعدة من الاستخدام المفرط