الشيخ كمال الخطيب .. ربي الله، أشتاق إلى رؤياه
تاريخ النشر: 9th, January 2026 GMT
#سواليف
ربي #الله، أشتاق إلى رؤياه
#الشيخ_كمال_الخطيب
ليس #الأعمى هو من إذا وقف أمام #المرآة فإنه لا يرى وجهه، ولكن الأعمى هو من ظنّ أن #الله تعالى لا يراه فباع آخرته بمال حرام، أو علاقة حرام، أو شهوة حرام، أو لقمة حرام، أو نظرة حرام. وليس الأعمى هو من فقد بصره فلم يعد يراقب الناس، ولكن الأعمى هو من فقد بصيرته فلم يعد يراقب الله تعالى {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [آية 46 سورة الحج].
لقد حرّم الله تعالى على المسلمين في الحج أو العمرة إذا لبسوا ثياب الإحرام أن يصطادوا الطيور أو الحيوانات، سواء كان ذلك صيدًا بالسلاح للكبير منها أو إمساكًا باليد للصغير منها، فلقد كان هذا ابتلاء وامتحانًا من الله لهم حيث أن هذه الحيوانات والطيور كانت تأتي حتى أبواب خيامهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آية 94 سورة المائدة].
لقد كان هذا ابتلاء عظيمًا يريد الله أن يرى ويعرف من يخافه بالغيب رغم قدرته وسهولة وقوعه في المخالفة والمعصية، وحيث إغراء سهوله صيد تلك الحيوانات والطيور.
ما أكثرها الابتلاءات في هذا الزمان، حيث سهولة الوصول إلى المعصية والوقوع فيها، حيث يريد ربنا سبحانه أن يرى مقدار خوفنا منه ومراقبتنا له. فقبل سنوات كان الوصول إلى الحرام صعبًا، فمن أرادوا المعصية وارتكاب الفواحش كانوا يسافرون إلى بلاد بعيدة يعلمون سهولة الوقوع في الحرام فيها مما هو ليس سهلًا في مجتمعاتهم المحافظة، زيادة أن في تلك البلاد فلا أحد يراهم ولا يعرفهم، وكان الوصول والحصول على الصور الإباحية والمقاطع المحرمة صعبًا، لكن الأن قد اختلفت الظروف فأصبح العسير يسيرًا والبعيد قريبًا، فبلمسة خفيفة على شاشة الجوال أو بضغطة على زر الحاسوب وإذا به الحرام، صوره وأفلامه ومقاطعه حاضرة بين يديك، وهنا عليك أن تتذكر ما قاله الله تعالى عن المسلمين لما حرّم عليهم صيد الطير والحيوانات وهي على أبواب خيامهم قائلًا لهم: {لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آية 94 سورة المائدة].
وإذا كان العبد العاصي يغترّ بصمت جوارحه بل إنها طيّعة له، فالرّجل تمشي إلى الحرام، والعين تنظر إليه، واليد والأصبع تحرك وتضغط على الشاشة وتنقر على زرّ الحاسوب، فإن عليه أن يتذكر أن هذه الجوارح يومًا ستتكلم وستكون شاهدة عليه، {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [آية 65 سورة يس]، {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [آية 24 سورة النور]، {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [آية 21 سورة فصلت] حتى أنه لم يعد بين الإنسان وبين ما يفصله عن المخازي والمحرمات في هاتفه الذي يحمله في جيبه إلا جدار مراقبة الله، فمن هدم هذا الجدار فما أسهل أن يتجرأ على الله ومعصيته، ولذلك فإذا كان يقال: “هذا زمان الوصول فيه إلى الحرام أسهل من غيره”، فإنه يجب أن يقال في هذه الأيام: “إن من يترك الحرام في هذا الزمان رغم سهولة الوصول إليه أعظم أجرًا من غيره”.
فلقد أصبحت الجوالات بين يديك أو أيدي أبنائك وبناتك هي مثل الصناديق: إما حسنات جارية أو سيئات جارية، فضع في هذا الصندوق ما تجده في صحيفتك يوم القيامة. ولنتذكر أن ذنوب الخلوات هي سبب الانتكاسات والعثرات، وأما عبادة الخلوات فهي سبب القربات والثبات، فإذا أردت الثبات حتى الممات فعليك بمراقبة الله في الخلوات.
ليس السواد سواد ليل قد أتى بل إن ما مضى ليل بلا سجدات
الله نور إن أردت وصاله فاسكب دموع الشوق في الخلوات
وأي خزي وأي فضيحة يوم تتطاير الصحف ويوم تنطق الجوارح، وتكشف سرّنا وتهتك سترنا كما قال النبي ﷺ: “لأعلمّن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثورًا، أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها”.
متلبسًا بالجرم
يروي الدكتور حسان شمسي باشا في كتابه “العيش مع الله” قصة شاب يقول فيها عن نفسه:
“قطعت بسيارتي إشارة حمراء فجاءتني المخالفة بالجوال: سيأتيك خطاب بتفصيل المخالفة، الساعة والتاريخ والمكان، هل تقرّ بالمخالفة أم عندك اعتراض؟! فرددت عليهم بالاعتراض وأني لم أسِر في ذلك الطريق. تعمدّت أن أردّ هكذا لأرى ماذا سيكون ردّهم.
بعدها بأسبوع وصلني خطاب وفيه ثلاث صور لسيارتي، الأولى قبل قطع الإشارة وهي حمراء، والثانية وأنا في منتصف الإشارة وهي حمراء والثالثة بعد أن تجاوزت الإشارة بمتر واحد وهي ما تزال حمراء أيضًا، أي أنني كنت متلبسًا بالجرم ولا مفرّ!
وكنت أقرأ في سورة الجاثية، فتذكرت تلك الواقعة حين وصلت إلى قول الله تعالى: {هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [آية 29 سورة الجاثية] أي كنا نأمر الملائكة بنسخ وتثبيت وحفظ ما كنتم تعملونه بلا زيادة ولا نقصان.
سبحان الله، هي آلة تصوير من صنع الإنسان ولا تستطيع أن تهرب ولا أن تفر منها، فكيف وما بالك بتصوير ربّ العالمين؟! فأين المفر؟!
وإن كل عمل يعمله الإنسان منا أو قول فإن لله ملائكة تكتبه {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ*كِرَامًا كَاتِبِينَ*يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [10-12 سورة الانفطار]، {مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ} [آية 18 سورة ق]، وإن كل ما تكتبه الملائكة فإنه ينسخ في كتاب إلهي لا يضلّ ولا ينسى، والكتاب محفوظ في مكان مأمون لا يتلف ولا تمحى كلماته ولا يستطيع القراصنة أن يخترقوه فيبدلون ما فيه أو يمحونه {فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [آية 52 سورة طه].
إنها كل المعاصي والذنوب والآثام مسجلة مثبتة بتواريخها ومكانها وزمانها وخلفياتها، إنها مثبتة ومدونة بالصوت والصورة وسوف تعرض عليك يوم القيامة، ويقال لك: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [آية 14 سورة الإسراء]. اقرأ لتعلم أننا لم نظلمك ولم نزد عليك، وإنما هو كل ما فعلته أنت بيديك، {وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [آية 49 سورة الكهف].
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب
إنه الله سبحانه الذي يقول لك كلمات يجب أن تهزّ بدنك وتحرك كل شعرة في جسدك، إنه يقول لك: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [آية 4 سورة الحديد]. إنه معك في الليل وفي النهار، إنه معك في سرّك وفي علنك، إنه معك في الجوّ وفي البحر، إنه معك يوم تكون وحدك ويوم تكون في جماعة، إنه سبحانك معك ويراك {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [آية 7 سورة المجادلة]. فما أسعدك يوم يراك على طاعته، وما أشقاك يوم يراك على معصيته وعلى حال ستندم عليها.
أريد أن أرى الله
أريد وأحب أن أرى الله تعالى، لكن ليس على طريقة النبي الكريم موسى عليه السلام لما طلب من ربه سبحانه أن يراه {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [آية 143 سورة الأعراف]، قال المفسرون: “ولما جاء موسى في الوقت المحدّد وهو تمام أربعين ليلة وكلّمه ربّه بما كلّمه من وحيه وأمره ونهيه، وطمع في رؤية الله بل تاقت نفسه لذلك فطلب النظر إليه، قال الله له: لن تراني، أي لن تقدر على رؤيتي في الدنيا ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه إذا تجليت له فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا مستويًا بالأرض وسقط موسى مغشيًا عليه، فلما أفاق من غشيته قال: تنزيهًا يا رب لك عمّا لا يليق بجلالك، فإني تبت إليك من مسألتي إياك الرؤيا في هذه الحياة الدنيا وأنا أول المؤمنين بك من قومي”.
فليس على طريقة موسى عليه السلام لما تاقت نفسه أن يرى ربّه، فلم يكن له ما أراد، ولكنني أريد وأحب لقاء الله على طريقة محمد ﷺ لما قال: “من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه”.
قال العلماء: “لقد خصّ الله سبحانه المؤمنين بمزيد من الأنعام في الدنيا بأن منّ عليهم بالإسلام واصطفاهم بالقرآن، وسيخصهم بالجنة بأعظم نعمة أنعم الله عليهم بها، ألا وهي تشريفهم وإكرامهم بالنظر إلى وجهه الكريم في جنات عدن، كما قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [آيه 22-23 سورة القيامة]. إن من ينظرون إلى وجه الله تعالى يوم القيامة هم أولئك الذين كانوا يعلمون أن الله ينظر إليهم ويراقبهم وهو معهم أينما كانوا فيجلّونه ولا يعصونه، ويجزيهم يوم القيامة بأن يمتّعهم بالنظر إلى وجهه الكريم، يقول الله سبحانه: {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [آية 35 سورة ق] فالمزيد هو النظر إلى وجه الله، وقال سبحانه: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} [آية 26 سورة يونس] فالزيادة هي النظر إلى وجه الله تعالى والحسنى هي الجنة. قال النبي ﷺ: “إذا دخل أهل الجنّة الجنة قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربّهم عز وجل وهي الزيادة”. وإنه سيحرم من هذه اللذة وهذا العطاء من كانوا ينتهكون حرماته سبحانه، ولا يجلّونه ويجاهرونه بالمعاصي، وقد قال رسول الله ﷺ: “لأعلمن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضًا فيجعلها الله عز وجل هباء منثورًا. قال ثوبان: يا رسول الله، صفهم لنا جَلِّهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها”.
يا من عصيتك جاهلًا فسترتني وتردّ حين أسيء بالإحسان
كم جئت بابك سائلًا فأجبتني من قبل حتى أن يقول لساني
واليوم جئتك تائبًا مستغفرًا شيء بقلبي للهدى ناداني
إن لم أكن للعفو أهلًا خالقي فأنت أهل العفو والغفران
نعم إنني أطمع وأريد دخول جنته، وإنني أخشى وأخاف من دخول ناره سبحانه، ولكنني أطمع وأريد أن أرى وجهه الكريم سبحانه.
أريد أن أرى الله الذي خلقني في أحسن تقويم.
أريد أن أرى الذي شرّفني بأن جعلني من أمة محمد ﷺ.
أريد أن أرى الله الذي هداني للإسلام.
أريد أن أرى الله الذي أكرمني وتفضّل عليّ بأن سخرني واستعملني واستخدمني لخدمة دينه، وجعلني ممن يحببون الخلق إليه سبحانه.
أريد أن أرى الله الذي منّ عليّ فجعلني من أهل أرض الإسراء والمعراج وأرض الرباط.
أريد أن أرى الله الذي طالما كنت إذا كبوت أقامني، وكلّما أذنبت أمهلني، وكلّما عصيت سترني.
أريد أن أرى الله الذي كلّما مرضت شافاني، وكلّما شعرت بوحشة آنسني، وكلّما نزلت بي كربة فرّج عني.
أريد أن أرى الله الذي كلّما أوشكت أن تزلّ قدمي ثبتني.
أريد أن أرى الله الذي قذف فيّ وسخّرني لأرفع راية الأمل والتفاؤل والاستبشار والتثبيت واليقين في مواجهة حملة راية التيئيس والإحباط والتثبيط.
أريد أن أرى الله الذي ألهمني أن أكون صاحب عبارة “نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا”، فأحييت قلوبًا وشحذت هممًا وأنقذت كثيرين من مستنقع اليأس.
أريد أن أراه لأقول له {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [آية 43 سورة الأعراف]، ولأقول له: “الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة”، ولأقول له سبحانه: “يا ربي لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك”.
فاللهم لا تحرمني لذة النظر إلى وجهك الكريم، ولا تحرمني صحبة وشفاعة حبيبي ﷺ.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: سواليف الله الشيخ كمال الخطيب الأعمى المرآة الله یوم القیامة الله تعالى النظر إلى له سبحانه إنه معک وکل ما م الله
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .