النفط يرتفع وسط مخاوف تعطل الإمدادات من إيران وفنزويلا
تاريخ النشر: 9th, January 2026 GMT
ارتفعت أسعار النفط، اليوم الجمعة، مع تقييم الأسواق لاحتمال تعطل الإمدادات من إيران، واستمرار حالة الغموض المحيطة بصادرات فنزويلا، ما أعاد المخاوف الجيوسياسية إلى واجهة التداول في أسواق الطاقة.
وصعدت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 43 سنتا، أو 0.7%، إلى 62.42 دولارا للبرميل، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 41 سنتا، أو 0.
وقفز الخامان القياسيان بأكثر من 3% أمس الخميس، بعد انخفاضات على مدى يومين متتاليين، ويتجه خام برنت لتسجيل زيادة أسبوعية بنسبة 2.8%، وخام غرب تكساس الوسيط بنحو 1.5%.
احتجاجات إيرانوقال رئيس قطاع تحليل السلع الأولية في ساكسو بنك، أولي هانسن، إن تصاعد الاحتجاجات في إيران يثير قلق الأسواق من اضطرابات محتملة في الإمدادات، لا سيما أن البلاد تعد من كبار منتجي النفط في الشرق الأوسط.
وأضاف أن هذه التطورات تأتي في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية تلقي بظلالها على صادرات النفط الروسية، ما يعزز حالة عدم اليقين في سوق الطاقة العالمية.
في السياق نفسه، من المقرر أن يجتمع البيت الأبيض مع ممثلين عن شركات نفط ومؤسسات تجارية لبحث صفقات تصدير النفط الفنزويلي، في ظل مساعٍ أميركية لإعادة ترتيب تدفق الخام من الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد طالب بمنح الولايات المتحدة حق الوصول الكامل إلى قطاع النفط الفنزويلي، بعد أيام من اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، بحسب ما نقلته مصادر أميركية، مؤكدة أن واشنطن تعتزم السيطرة على مبيعات وإيرادات النفط الفنزويلي إلى أجل غير مسمى.
في المقابل، حذّرت شركة هايتونغ فيوتشرز من أن المخزونات العالمية لا تزال في مسار تصاعدي، معتبرة أن زيادة الإمدادات تمثل العامل الرئيسي الذي قد يحد من استمرار صعود الأسعار.
إعلانوأضافت الشركة أن تعافي أسعار النفط قد يبقى محدودا، ومن الصعب أن يحافظ على زخمه ما لم تتفاقم المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بإيران، وهو ما يضع الأسواق في حالة ترقب حذر خلال الفترة المقبلة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
دعبدالناصر علي الفكي
أستاذ جامعي ومدير مركز تنمية التعايش الاجتماعي
تقدّم الرؤية السوسيولوجية النقدية لفهم أزمة التعايش الاجتماعي ومعوقات السلام في السودان مقاربة تتجاوز القراءات السياسية الضيقة واتفاقيات المصالحات السطحية، لتتشعب في تحليل البنى الاجتماعية والثقافية المستترة والظاهرة التي تنتج وتعيد إنتاج الصراع، من خلال مقاربة مفهوم الخوف بتمظهراته المتعددة بوصفه العائق الأكبر أمام تحقيق السلام المجتمعي المستدام. فـ”سوسيولوجيا الخوف” ليست مجرد انفعال تلقائي ولحظي، بل هي أداة ممنهجة سياسياً واجتماعياً يتم توظيفها بوعي لصناعة الكراهية وتعزيز الانقسامات، إذ عبر استغلال مخاوف الجماعات المختلفة – سواء كانت مخاوف وجودية مرتبطة بالبقاء، أو اقتصادية تتعلق بالكسب، أو هوياتية تتصل بالعرق والثقافة – يتم إعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات بشكل يحول دون قدرتهم على رؤية الآخر المختلف كشريك حقيقي في بناء الوطن والسلام.
وهنا تكمن الخطورة البالغة لهذه الآلية الخفية، فهي لا تقف عند حد التأثير النفسي العابر، بل تؤدي إلى تكريس التصنيفات المسبقة والصور النمطية المدركة ، يصبح الآخرون بأعراقهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية أهدافاً للوصم والتخوين والعداء الذي يتدرج في عنفه حتى يصل إلى درجة القتل والإبادة، وهي ممارسات تنسف في النهاية أساس المواطنة المتساوية وتهدد البناء الاجتماعي من الداخل. إن صناعة بناء الكراهية تتم بتغذية الخوف المدمر لا تستهدف فقط استبعاد الآخر، بل تعيد تشكيل وعي الجماعات بأكملها، فتجعلها تعيش في حالة استنفار وفزع وتجييش دائم تجاه كل ما هو مختلف، وتدفع نحو تبني مواقف متطرفة لا تميز بين العدو والصديق، وتهدّد عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا تعترف بحق الآخر في الوجود المشترك، مما يغذي دوامة العنف الصراعي كبديلاً عن السلام وقبول الآخر .
ترفض الرؤية النظرة الاختزالية للحرب في السودان في لحظة محددة، بأنها ليست وليدة الخامس عشر من أبريل عام 2023 ، بل نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية واجتماعية للنظم المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956، فهي ليست حدثاً طارئاً، بل هي إضافة سيئة أخرى في البنية المعقدة التراكمية للسياق الثقافي والسياسي السوداني المأزوم. هذه النظرة التاريخية تدعو إلى عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض العاجلة لإيقاف إطلاق النار، بل تتطلب مقاربة جذرية تعالج الأسباب الهيكلية المتراكمة التي أنتجت هذا الواقع المأزوم، تلك الأسباب التي ظلت لعقود تغذي مخاوف الجماعات وتعمق الانقسامات بينها، وتجعل الدولة عاجزة عن تقديم نموذج حقيقي للعدالة والمواطنة المتساوية، فتتحول إلى ساحة لتنافس النخب على السلطة والثروة على حساب المشتركات الاجتماعية الهشة أصلاً.
ولعل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تمثل نموذجاً يكشف هذه التحولات المأساوية للوضع الراهن؛ فهي المدينة التي اشتهرت بوصفها نموذجاً رمزياً للتسامح والتعايش وقبول الآخر، بفضل تداخلها الإثني والعرقي الفريد وتصافها الاجتماعي والثقافي، تحولت في زمن الحرب إلى مرآة مصغرة تعكس مأساة الوطن بأكمله، حيث بدأت تتجه بثقافة الحرب القذرة نحو الانهيار، وهي من المدن القلائل التي ظن الكثيرون أن معادلاتها الاجتماعية الراسخة محصنة ضد التمزق بحكم عوامل الإنتاج والتداخل الاجتماعي. المؤشرات تدلل على أن ما حدث في الأبيض لم يكن نتيجة لعوامل عارضة، بل انعكاساً لتراكمات الخوف الممنهج التي طالما غذتها السياسات الإقصائية لجماعات الحرب، فتحولت المدينة من نموذج للتنوع المتناغم إلى مسرح للاقتتال والنزوح والتهتك البنيوي، وأصيبت بعلة الحرب نحو هشاشة التعايش في غياب العدالة والاعتراف الحقيقي بالآخر، وهو ما يؤكد أن أي سلام لا يعالج جذور الخوف ويهدئ مخاوف الهوية والوجود هو مجرد هدنة مؤقتة تنتظر انفجارها في أي لحظة.
إن صناعة السلام الحقيقي في السودان لن تمر عبر الاتفاقات السياسية فقط، بل تتطلب تفكيكاً واعياً بالفكر الاستراتيجي لآليات الخوف والكراهية التي طالما غذتها النخب المتعاقبة، وصولاً إلى إعادة بناء المجتمع على أسس من العدالة والاعتراف بالآخر، وهو ما يمثل تحدياً معرفياً وسياسياً وثقافياً يتطلب جهداً مضاعفاً، لأن السلام الحقيقي لا يبنى على هدنة بين الأطراف المتنازعة فقط، بل على إعادة بناء الثقة بين الجماعات، وتفكيك عناصر المخاوف المتراكمة التي تحول دون رؤية الآخر شريكاً وليس عدواً. على الجميع أن يعمل ويسترشد بالإرادة الوطنية لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، والقيام بسلطة مدنية تعبر عن الجميع، تعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية وتؤسس لتعايش حقيقي يليق بتنوع السودان الغني وتاريخه العريق.