تعتبر الأسرة الخلية الأولى في نسيج المجتمع ومنها تنطلق أولى خطوات التربية والتعليم التي تشكل وعي الإنسان وتحدد مسار شخصيته. ففي أحضان الأسرة تغرس القيم وتبنى الأخلاق وتكتسب المهارات التي تهيئ الفرد ليكون لبنة صالحة في مجتمعه. ومع تسارع وتيرة الحياة وتعقد التحديات المعاصرة من الانفتاح الإعلامي الهائل إلى تغير النمط الاجتماعي تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة تصور دور الأسرة التربوي والتعليمي ليس كمسؤولية روتينية بل كمشروع استثماري واع يهدف لتنمية إنسان متكامل قادر على الموازنة بين ثوابت هويته ومتطلبات عصره.


إن جوهر التربية الأسرية الناجحة لا يكمن في التلقين أو فرض السيطرة بل في تحقيق توازن دقيق بين عدة أضلاع تشكل معاً منظومة متكاملة. وأول هذه الأضلاع هو التوازن بين الحزم واللين وهو فن تربوي عظيم.
فالحزم الحقيقي ليس قسوة أو تسلطا بل هو وضع حدود واضحة تمنح الطفل الإحساس بالأمان والاستقرار وتعلمه احترام القواعد. أما اللين فهو ليس ضعفا أو تساهلا بل هو التواصل بالحكمة والرحمة والإنصات لمشاعر الطفل وتقديم التوجيه ضمن إطار من المحبة. فالتربية الفعالة هي التي تعرف متى تكون صارمة في المبدأ رحيمة في الأسلوب مستلهمة في ذلك الهدي النبوي الذي جمع بين الهيبة والمودة.
وهذا التوازن يحول دون الوقوع في مصيدتين خطرتين: التربية المتسلطة التي قد تنتج طفلاً خائفا أو متمردا في الخفاء والتربية المتساهلة التي قد تربي طفلا أنانيا لا يحتمل رفض طلب أو تأجيل رغبة.
ويأتي الضلع الثاني متمثلاً في التربية بالقدوة وهي من أنجع الأساليب تأثيراً. فالأبناء يمتصون السلوكيات من محيطهم قبل أن يستوعبوا النصائح الموجهة إليهم.
إذ لا فائدة من خطاب يحث على الصدق إذا شهد الطفل مخالفة الوالدين لذلك، أو حديث عن بر الوالدين دون أن يرى التطبيق العملي لهذا البر في تعامل والديه مع أجداده. فالأسرة هي المسرح الأول الذي يشهد عليه الطفل دروساً عملية في الأخلاق والتعامل والالتزام مما يجعل من الوالدين نموذجا حيا يتعلم منه الأبناء بشكل تلقائي وعميق.
أما الضلع الثالث فيتمثل في الانتقال من أسلوب الأوامر المباشرة إلى أسلوب المشاركة والتوجيه غير المباشر. لقد عفا الزمن على نموذج المربي الآمر الناهي الذي يصدر التعليمات دون مناقشة. فالتربية الحديثة تعتمد على احترام عقل الطفل وشخصيته وذلك من خلال أساليب مثل إشراكه في الحوار الأسري وتشجيعه على التعبير عن آرائه في شؤون العائلة، ومنحه خيارات ضمن حدود معقولة وتعليمه تحمل المسؤوليات المناسبة لسنه.
إن تشجيع الطفل على ترتيب غرفته أو المشاركة في التخطيط لرحلة عائلية أو إدارة ميزانية مصغرة أثناء هذه الرحلة كلها تدريبات عملية تغرس فيه قيما كالتنظيم والمشاركة والمسؤولية المالية وهي أكثر تأثيرا من أي محاضرة نظرية.
ولا يمكن إغفال التحدي الضخم الذي تمثله وسائل الإعلام والفضاء الرقمي الذي أصبح شريكا -وأحيانا منافسا- للأسرة في عملية التربية. إذ يقضي الأطفال والشبان ساعات طويلة أمام الشاشات يتلقون منها قدرا هائلاً من المعلومات والقيم والمفاهيم التي قد تتعارض مع ما تزرعه الأسرة. وهذا يحتم على الوالدين عدم الانكفاء على دور المراقب السلبي بل يفرض عليهم تطوير “تربية إعلامية” وقائية. وذلك يكون بترشيد الاستهلاك الإعلامي ومشاهدة بعض المحتوى مع الأبناء ومناقشته معهم لتنمية قدراتهم النقدية وملء أوقات فراغهم بأنشطة بديلة نافعة وجذابة كالرياضة والقراءة والمشاركة في حلقات تعليمية.
كما أن خلق بيئة أسرية جاذبة، مليئة بالأنشطة التفاعلية مثل جلسات النقاش العائلية و”المجلس الاستشاري” للأسرة وتبادل القصص والتجارب يسحب البساط من تحت تأثير الشاشات ويعزز الروابط العاطفية والفكرية داخل الأسرة.
وأخيراً يبقى الهدف الأسمى للتربية والتعليم الأسري هو بناء الشخصية المتكاملة القادرة على التفكير النقدي واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. وهذا يتطلب من المربي التركيز على تنمية الضمير الأخلاقي الداخلي لدى الطفل أكثر من اعتماده على الرقابة الخارجية والعقاب.
كما أن التشجيع والتحفيز الإيجابي عبر الكلمات الطيبة والثناء على المجهود وليس فقط النتيجة له أثر أعمق وأبعد مدى من النقد المستمر أو العقوبات القاسية التي قد تضعف الثقة بالنفس.
إن تربية جيل يعرف حدوده ويحترم غيره ويثق بقدراته ويستطيع أن يقول “لا” للانحراف هي الثمرة الحقيقية للجهد التربوي الواعي الذي يجمع بين حكمة الموروث وحاجات العصر بين أصالة المبادئ ومرونة الأساليب ليكون البيت حقا مدرسة الإنسان الأولى وأهمها.

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • نصائح تربوية للتعامل مع قلق امتحانات الثانوية العامة
  • وزير التربية والتعليم يبحث مع اليونسكو تطوير المنظومة التعليمية
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • طبيب يطرح نصائح غذائية للحفاظ على الصحة والوزن
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • وزارة التربية والتعليم تستعد لإطلاق منتدى التعليم التقني والمهني لدول البحر المتوسط
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • الأسرة تأخرت 15 ساعة.. تفاصيل واقعة وفاة الصغير ضحية الفول السوداني