في الأسبوع الماضي نشر الإعلامي العُماني محمد المخيني فيديو قصيرًا على صفحاته في وسائل التواصل الاجتماعي حول مشروع الكتاب الصوتي في منصة «عين»؛ الذي تنتجه وزارة الإعلام. وقد لقي الفيديو صدى جيدا لمستُه شخصيا في معظم التعليقات المرحبة به. وإذ يستحق المخيني التحية على ترويجه لهذا المشروع، إلا أن هذا المقال يهدف في المقام الأول إلى الرد على اعتراضات قرأتُها على الفكرة؛ فكرة أن يروج مؤثر اجتماعي لمنتج ثقافي، وهي على قلتها تستحق النقاش الهادئ والموضوعي.
كتب أحد الكتّاب على صفحته في فيسبوك أن منصة عين مسموعة ومرئية ولا تحتاج للترويج لها من قبل صناع المحتوى. هذا الاعتراض يصدر - كما تبدّى من التعليقات على المنشور - من كون الكتاب له رمزية ثقافية، وحين يُقدَّم في إعلانات بالآليات نفسها التي تسوَّق بها قارورة عطر أو جهاز هاتف أو قطعة ملابس، سيبدو وكأنه يُنزَع من سياقه الرمزي والمعرفي ليُختزَل في كونه «سلعة قابلة للاستهلاك السريع». كما أن مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي لا يُنظَر إليهم من الوسط الثقافي في العادة على أنهم أصحاب ذائقة ثقافية أو خبرة نقدية، وأن توصيتهم بأي كتاب - إن حدثت - فهي ليست نابعة من قراءة أو تجربة حقيقية، بل من صفقة تجارية أو منطق الخوارزميات الذي هدفه البحث عن أعلى تفاعل. ورغم أن نظرة كهذه قد تحتمل بعض الصواب إلا أن خطورتها تكمن في جعل الثقافة ناديًا مغلقًا أو جزيرة معزولة تخص فئة معينة هم الكتّاب، ولا ينبغي الاقتراب منها من أي فئة أخرى في المجتمع. ولعل الاعتراض جاء أيضًا خوفًا على سلطة الناقد، والمحرر الثقافي، والملاحق الثقافية، وهي سلطة معرفية « إن جاز التعبير » هي التي تُروِّج للكتب في العادة، فترفع هذا إلى السماء، وتَهوي بذاك إلى قاع الأرض، ويرى البعض أنها باتت في خطر من «سُلطة المشاهدة» التي يمارسها صناع المحتوى في وسائل التواصل الاجتماعي، وإن كنتُ أرى شخصيًّا ألّا تعارض بين هاتين السلطتين، وأي انحسار لسلطة المعرفة سببه كسل الناقد والمحرر والصحفي الثقافي لا نشاط المؤثر الاجتماعي في الجهة المقابلة. غير أن السؤال المهم الذي ينبغي طرحه في الحقيقة هو: هل دخول مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي مجال الترويج للكتاب، أمرٌ مفيد للثقافة أم ضار؟ للإجابة لا بد من أمثلة واقعية.
قبل نحو سنتين، وتحديدًا في يناير 2024، نشر مؤثر بريطاني يُدعى جاك إدواردز فيديو عن رواية «الليالي البيضاء» للروائي الروسي فيودور دستيوفسكي يقول فيه: «لم أصدق كم بدا حديثًا، رغم أنه كُتِب عام 1848»، واصفًا الرواية القصيرة بأنها «خالدة»، بفضل «موضوعاتها عن الرغبة في أن تُحِبَّ وأن تُحَبّ». لقي فيديو إدواردز رواجا كبيرا، وقد وثق معهد هاريمان في جامعة كولومبيا وصوله إلى نحو مليوني مشاهدة، وتصدّر الكتاب قوائم أمازون في بريطانيا مع عودة الناشر إلى الطباعة لتلبية الطلبات المتزايدة عليه، ولم يمض ذلك العام (2024) حتى تجاوزت مبيعات الرواية (التي كانت شبه مهجورة من عامة القراء قبل هذا الفيديو) مائة ألف نسخة في المملكة المتحدة وحدها.
ينتمي إدواردز إلى ما يُسمى اليوم «مؤثري البوك توك» (BookTok)، وهو اسم منحوت من منصة «تيك توك» واسعة الانتشار، واسم الكتاب باللغة الإنجليزية. ونشأت هذه التسمية عام 2020 خلال جائحة كورونا، حيث منع الإغلاق الذي عم العالم، الترويج التقليدي للكتُب خلال معارض الكتاب، واستعيض عنه بترويج الإنترنت من خلال فيديوهات أو تغريدات ينشرها صانعو محتوى. وقد استفاد من هذا الوضع أعمال أدبية كثيرة ما كان لِيُلتَفتَ لها لولا هؤلاء المؤثرون. على سبيل المثال، صدرت رواية «العَوْد الأبدي للصفر» للكاتبة الكندية المتخصصة في أدب اليافعين غابرييل برندرغاست عام 2017، لكن القراء لم ينتبهوا لها إلا في أكتوبر 2020 حين نشرت صانعة المحتوى الشهيرة أليس كلاين فيديو توصي فيه بالكتاب لمتابعيها، فحصد عشرات الآلاف من الإعجابات ومئات التعليقات وآلاف المشاركات، ودخل قوائم أفضل 100 كتاب لليافعين، وأفضل 10 كتب في قوائم الطلبات على أمازون.
ضربتُ هذين المثالين (دوستويفسكي وبرندرغاست) لأقول إن المؤثرين مفيدون للثقافة، ولهم دور كبير في ترويج الكتب، وفي إعادة تشكيل خرائط القراءة، وفي إخراج نصوص قديمة أو مغمورة من عزلتها إلى دائرة الضوء. ولأقول كذلك إن القارئ اليوم لم يعد يكتشف الكتاب فقط عبر الصحف أو الملاحق الثقافية أو الجوائز الأدبية، بل أيضا عبر مقطع قصير من صانع محتوى، أو توصية عفوية من أحد المؤثرين، وإن علينا أن ننظر بإنصاف إلى دور هؤلاء. صحيح أن هذا الدور لا يخلو من إشكالات نعترف جميعًا بها، وأنه قد ينحاز أحيانًا إلى السهل والسريع، لكنه في المقابل أعاد الحياة إلى كُتِب كانت منسية، ووسّع قاعدة القرّاء، وصنع جسورًا جديدة بين الكتاب وقرائه. ولأجل هذا كله تستحق مبادرة محمد المخيني تجاه مشروع الكتاب الصوتي في منصة «عين» كل تحية وتقدير.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: وسائل التواصل الاجتماعی
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..