كشفت شهادات ناجين وناجيات من القتل العمد وحملات التطهير العرقي، خصوصا ضد قبيلة "المساليت"، التي ترتكبها قوات الدعم السريع في إقليم دارفور، عن صورة قاتمة للمشهد الإنساني في الإقليم، إذ لم تعد الآثار تقتصر على كونها إصابات حربية، بل تحوّلت إلى إعدامات بالجملة.

وتعكس شهادة العم عبد الرحمن حجم المأساة؛ فهو رجل مسن كان من بين الفارين من الجنينة، وأُصيب بطلقة نارية في قدمه، في حين طالت الإعدامات الفورية 3 من أبنائه و9 فتية آخرين، قتلهم عناصر منتسبون إلى قوات الدعم السريع، وفق الشهادة.

ووجه الناجي المسن خلال شهادته -التي قدمها في حلقة (2026/1/9) من برنامج "المسافة صفر"- أصابع الاتهام إلى قوات الدعم السريع لكونها المتهم المباشر والوحيد بارتكاب هذه الجرائم.

ويروي العم عبد الرحمن، في شهادته، تفاصيل مشهد القتل الذي حدث أمام عينيه، قائلا إنه في أثناء قيام الفتية بقراءة القرآن وختمه، جاء نحو 12 عنصرا من قوات الدعم السريع، وربطوا أيديهم خلف ظهورهم، ووضعوهم في سيارة، ثم رصّوهم في خط واحد، وغطّوهم بسجادة لإخفائهم، ثم قاموا بقتلهم.

وتوثق الجرائم مقاطع صورها عناصر منسوبون لقوات الدعم السريع خلال عمليات اقتحامهم مدن جنوب وغرب دارفور، ولا تقتصر هذه المقاطع على كونها استعراضا للقوة، بل تعد اعترافا مصورا بالاستهداف المتعمد لمجموعات عرقية بعينها.

إعدام جماعي

وكان من الناجين الباحثة والناشطة الاجتماعية زهراء آدم، التي أدلت بشهادتها وتحدثت عمّا رأته بعينيها من حالة رعب وقتلٍ عمد لمدنيين في أثناء فرارها من مدينة الجنينة إلى تشاد، حيث فقدت أحد أبنائها خلال رحلة الفرار.

وتؤكد الناجية السودانية -التي تعمل على توثيق الانتهاكات ضد المدنيين- أنها أحصت ما لا يقل عن 75 طفلا قتلوا في الطرقات أعمارهم أقل من 7 سنوات.

ووصفت المشهد بأن الجثث كانت ملقاة في الشوارع وغالبيتها للأطفال والنساء والمسنين، وقالت إن "الشوارع كلها كانت مليئة بالجثث".

إعلان

كما تحدثت الناجية والناشطة المجتمعية عن حادثة أخرى أسفرت عن إعدامات ميدانية لنساء وأطفال في وادي كيجا بمدينة الجنينة في أقصى غرب السودان.

وتروي الناجية أنها رأت جارتها وأطفالها الخمسة يُقتلون في الوادي، وكان الناس يحاولون النجاة لكن الطلقات النارية أدركتهم.

تطهير ضد المساليت

وتتهم الأمم المتحدة قوات الدعم السريع بقتلها ما بين 10 و15 ألف شخص أغلبهم من قبيلة المساليت -التي يشتهر تمركزها بين غربي السودان وشرق تشاد وبالتحديد في ولاية غرب دارفور– في ما وصفته بالتطهير العرقي الممنهج.

وكشفت إحدى الناجيات من الاغتصاب -التي اختارت اسم "ضحى" في شهادتها لبرنامج "المسافة صفر"- عن أنها اضطرت لإخفاء هويتها حين سألها أحد المسلحين عن قبيلتها، وذلك في أثناء بحثها عن زوجها الذي اختفى في أردمتا في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

وقالت "ضحى" إنها أجابت عن سؤال المسلح بأنها من قبيلة أخرى غير المساليت، لإدراكها حجم الاستهداف الممنهج الذي يشمل أبناء قبيلتها.

لكن المسلح لم يصدق ادعاءها وضربها في رقبتها بالفأس -التي كان يحملها فوق كتفه- فوقعت فورا على الأرض، ثم قاموا بجرها وإدخالها في بيت الجيران الذي كان فارغا، وقام 4 مسلحين باغتصابها.

رد الدعم السريع

وعند مواجهة مقدمة البرنامج سلام هنداوي المستشار القانوني لقوات الدعم السريع بهذه الاتهامات والفيديوهات التي تظهر عناصر القوات وهم يرتدون ملابس الدعم السريع ويحملون السلاح، أجاب بأن زي الدعم السريع تصنعه شركة مملوكة للقوات المسلحة، وأنهم عندما استولوا على بعض المواقع العسكرية، وجدوا الزي الخاص بهم موجودا بالآلاف في المخازن الخاصة بالجيش.

ويقول إنه -بالتالي- من الطبيعي أن أي شخص يرتكب جرائم باسم قوات الدعم السريع سيرتدي زيها، لكنه لم ينكر وجود بعض الأشخاص "المتفلتين" الذين يمكن أن يرتكبوا مخالفات، مؤكدا أنهم قدموا للمحاكمة أي فرد وجدوه ارتكب جريمة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات قوات الدعم السریع

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • أسامح السارق إزاي .. عم شعبان يروي كواليس مفاجئة عن لص إيراد الجرايد
  • ادعيلي أنا تعبانة أوي.. التيك توكر موكا يكشف كواليس الساعات الأخيرة في حياة سهام جلال
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • توقف عضلة القلب .. منة جلال تكشف تفاصيل الساعات الأخيرة في حياة سهام جلال
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟