لجريدة عمان:
2026-06-03@01:49:18 GMT

عُمان.. حين تصبح الحضارة سياسة دولة

تاريخ النشر: 10th, January 2026 GMT

عُمان.. حين تصبح الحضارة سياسة دولة

قد لا نحتاج في الذكرى السادسة لتولّي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم-حفظه الله ورعاه- مقاليد الحكم في عُمان، إلى إعادة سرد ما يعرفه الناس أو إلى تعداد ما يمكن قياسه بالأرقام والمؤشرات. والكثير من ذلك مبثوث في صفحات عدد اليوم من الجريدة وفي ملاحقها. ما يبدو أكثر أهمية اليوم هو أن نحاول التقاط الفكرة التي حكمت مسار السنوات الست الماضية والتي يمكن أن نقرأها في معنى كلمة «الحضارة».

كانت الحضارة هي الفكرة التي أدار بها جلالة السلطان المعظم السنوات الست الماضية بوصفها أمانة، وأدار بها الزمن بوصفه موردا، والاقتصاد بوصفه حقا للأجيال.

والحضارة في فكر جلالة السلطان هي قاعدة للاستمرار. كان-أعزه الله- يبني منطقا يحكم علاقة الدولة بالمجتمع. ويتحرك في إطار رؤية مسؤولة عن المستقبل كما هي مسؤولة عن اليوم، وهذا النوع من البناء يحتاج إلى شيء من الصبر حتى تتضح صورته الكلية، ويحتاج إلى تأمل وتفكير في المسارات وليس بحثا عن منجز اللحظة الآنية فقط.

أولى تلك القواعد التي أرساها جلالة السلطان ولم تأخذ حقها من القراءة العميقة هي قاعدة تثبيت الانتقال السياسي عبر التعديلات التي أجريت على النظام الأساسي. هذا التعديل رسخ قوة الدولة وقلّل كلفة القلق التاريخي، بمعنى أنه حوّل الانتقال من سؤال معلّق إلى مسار مؤسسي.

ومن هذا المعنى جاءت إعادة هندسة الجهاز الإداري للدولة التي تجاوزت فكرة دمج بعض الوزارات مع بعضها البعض إلى كونها اختيارا سياسيا يرى أن الدولة تقوى بقدرتها على أن تعمل بوضوح، وأن تجعل المسؤولية قابلة للمساءلة.

في الجانب المالي، يمكن فهم مسار التوازن والانضباط بوصفه ترجمة لمبدأ أخلاقي قبل أن يكون بندا اقتصاديا، فحين تُدار المالية العامة باعتبارها أمانة، تصبح الاستدامة جزءا من معنى السيادة؛ لأن الدولة التي لا تملك هامشا ماليا لا تملك قرارا سياسيا كاملا. والقرار المالي الرشيد لا يُقاس بقدرته على إرضاء اللحظة فقط، بل بقدرته على منع المستقبل من دفع فاتورة الحاضر. وهذه فلسفة حماية لا فلسفة تقشف، حماية قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، وحماية المجتمع من تذبذب دائم يحول الحياة إلى قلق متواصل.

وهنا تظهر قيمة «رؤية عُمان 2040» بوصفها خريطة طريق نحو المستقبل وأداة يومية تفرض سؤالين قاسيين على السلطة: ماذا نُقدّم؟ وماذا نؤجّل؟ وكيف نقيس أثر القرار على المجتمع لا على الصورة؟ بهذه الطريقة يُدار البناء على مهل، ويُخفف من إغراء القرارات السريعة التي تبدو جميلة في يومها، ثم تترك أثمانها على الناس لاحقا.

وفي هذا السياق يمكن أن تُفهم خطوات توسيع قاعدة الإيرادات العامة وعدم الاعتماد على النفط الذي تشهد سوقه الكثير من التقلبات الاقتصادية والسياسية. والحكمة أن هذا الملف وما صاحبه من إصلاح مالي ترافق مع نظام الحماية الاجتماعي الذي بدأ العمل به مطلع عام 2024. وسعى هذا النظام إلى تقديم العدالة باعتبارها فلسفة تقوم عليها الدولة. والإصلاح المالي إن لم يُقابل بحماية عادلة يصبح عبئا اجتماعيا يضغط على توازنات المجتمع.

لكن هذا لا يعني أن كل شيء حدث بسهولة ويسر، وبلا أثمان إنه يعني الاعتراف بأن السياسة، في أفضل صورها، هي فنّ حماية الدولة من كلفة المفاجآت: تقليل الهشاشة، هشاشة الانتقال، وهشاشة المال العام. وحين تُدار الحضارة كسياسة دولة، يصبح البناء أقل صخبا وأكثر رسوخا. وهذا ما يستحق أن يُقال في هذه الذكرى: عُمان تتقدّم بوعي يوازن بين الذاكرة والمسؤولية، وبين الممكن الآن وحق الغد، وبين طموح التنمية وعمق التاريخ الذي لا تُختصر قيمته في الاحتفاء، بل في أن يبقى حيا داخل العقل الذي يقود السياسة.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

تقرير بريطاني: إيران ألحقت أضرارا بالغةً بـ 20 قاعدة أمريكية في 8 دول

ووفقاً للتقرير، شمل التحليلُ الفضائي مواقع عسكرية أمريكية موزعة على ثماني دول في المنطقة، حيث أظهرت الصور تضرر عدد من أنظمة الدفاع الجوي والرادارات، إضافة إلى طائرات التزود بالوقود ومستودعات الوقود وحظائر الطائرات ومنشآت الدعم اللوجستي.

وأشارت الهيئة إلى أن التقييمات الأولية ترجح أن تكون الخسائر المادية كبيرة، نظراً لطبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف وحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية العسكرية، بما في ذلك مرافق مخصصة لإقامة الجنود والعاملين داخل القواعد.

وأوضح التقرير أن نتائج التحليل استندت إلى مراجعة صور أقمار صناعية عالية الدقة أجراها خبراء في الاستخبارات الجغرافية المكانية، الذين رصدوا آثاراً واضحة للضربات على عدد من المنشآت العسكرية المنتشرة في المنطقة.

كما نقلت “بي بي سي” عن محللين عسكريين تقديرات تشير إلى أن عدد المواقع المتضررة قد يكون أكبر من الرقم المعلن، في ظل استمرار عمليات التقييم والرصد للأضرار التي خلفتها الهجمات.

وتسلط هذه المعطيات الضوء على حجم التأثير الذي أحدثته الضربات الإيرانية على الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وما رافقها من أضرار طالت بنى تحتية ومنظومات عسكرية تعد من الركائز الأساسية للعمليات الأمريكية في المنطقة.

مقالات مشابهة

  • مصر تخطف الأنظار في احتفالية يوم إفريقيا ببوينوس آيرس.. جناح فرعوني مميز
  • هل أرهقت تكاليف الحياة الأردنيين؟
  • صقر غباش: أمن الخليج العربي جزء من منظومة الأمن الدولي
  • إزالة 26 حالة تعد على أملاك دولة وأراضي زراعية بقنا
  • ناسا تكشف عن خططها لإنشاء أول قاعدة لها على سطح القمر
  • الرئيس الصربي يستقبل رئيس المجلس الوطني الاتحادي
  • تقرير بريطاني: إيران ألحقت أضرارا بالغةً بـ 20 قاعدة أمريكية في 8 دول
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • ذكرى فتح إسطنبول.. أردوغان يصلي الجمعة في آيا صوفيا
  • الحوار بين حضارات المدن القديمة (القاهرة - هانغتشو).. من أصول الحضارات إلى تصورات المستقبل