ما مستقبل القضية الجنوبية بعد حل المجلس الانتقالي؟
تاريخ النشر: 11th, January 2026 GMT
تكاد تُجمع غالبية المكونات والقيادات والشخصيات اليمنية في جنوب اليمن على حقيقة أن "القضية الجنوبية" ظلت ولا تزال أقدم وأوسع من مجرد المجلس الانتقالي الجنوبي الذي أعلن حل نفسه، في أعقاب إعلان التحالف بقيادة السعودية هروب رئيسه عيدروس الزبيدي من عدن وصولا إلى الإمارات.
وترى بعض تلك المكونات أن الانتقالي لم يكن يوما هو الممثل الوحيد للمطالب الجنوبية على مدى العقود الثلاثة الأخيرة من ظهور الأصوات والكيانات التي كانت تتبنى الحقوق والمطالب في محافظات الجنوب.
إذ تمتد جذور الحراك الجنوبي إلى الفترة بين عامي 1994 و2007، عبر حركات شعبية وجماعات نقابية، أقدم من الانتقالي نفسه بسنوات، يتجاوز عددها حاليا العشرين مكونا، وكل منها ظل يحمل أو شارك في تمثيل أوجه مختلفة من القضية الجنوبية عبر السنوات الماضية.
وقد تراوحت تلك المطالب بين من يدعو للانفصال الكامل، أو الفدرالية الموسعة، أو بتبني حقوق سياسية واجتماعية واقتصادية داخل الدولة اليمنية.
وهو ما يراه الناشط والإعلامي الحضرمي، رائد خالد، الذي يعتقد أن حوار الرياض الجنوبي الجنوبي المرتقب، الذي دعا إليه مجلس القيادي الرئاسي وبترحيب ورعاية سعودية، لن يكون ذا معنى ما لم يتسع لكل المكونات الجنوبية، ويكسر ما سمّاه "وهم التمثيل الأحادي"، ويقوم على ضمانات حقيقية تمنع إعادة إنتاج الهيمنة نفسها تحت مسمى جديد.
ويصف خالد الحالة التي كانت قائمة إلى ما قبل أيام فقط بـ"اختطاف قام به المجلس الانتقالي للقضية الجنوبية"، مشيرا إلى أن هذا "كان نتيجة ظرف سياسي ودعم خارجي استغل فيه المجلس وداعموه فراغا سياسيا وفجوة في تمثيل القضية الجنوبية ولم يكن تفويضا شعبيا شاملا".
ويضيف خالد، في حديثه للجزيرة نت، أن تعويض ذلك الفراغ سيكون فقط عبر إعادة الاعتبار للتعدد الجنوبي وبروز مكونات وقوى تعبّر عن الناس بخطاب سياسي واقعي بعيدا عن الاحتكار والسلاح وتوزيع الأموال للموالين واستغلال التدهور الاقتصادي.
إعلانمؤكدا أن "التمثيل الشامل للقضية الجنوبية يتطلب إطارا جامعا ومعايير واضحة تقوم على القبول الشعبي والتاريخ السياسي، لا على القوة أو النفوذ، مع تحييد العسكرة عن العمل السياسي".
أعناق جديدةلم تمر 4 سنوات من مشاركة الانتقالي في السلطة والسيطرة على غالبية ما يعرف بالمناطق المحررة، حتى تناسى مرة أخرى أولويات الناس، وذهب للبحث عن مكاسب سياسية تمكنه من الانفصال، وهذا التجاهل للأولويات تحول إلى انتحار لمشروع الانتقالي الذي حصل على مكاسب جيدة من مشاركته في الشرعية وبنصف مقاعد مجلس القيادة الرئاسي قبل إعلان التمرد.
اليوم وبعد حل المجلس الانتقالي تشرئب أعناق جديدة لوراثته في قيادة القضية الجنوبية، حيث يحاول بعض قيادات ومكونات الجنوب ملء الفراغ، وهو ما يؤكده رئيس مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية، عبد السلام محمد، الذي يرى وجود "إمكانية إعادة تصحيح القضية الجنوبية بعد جنوح عيدروس الزبيدي والانتقالي للعمل المسل والتمرد على الدولة ومهاجمة المدن والمؤسسات والمنشآت".
ويشير عبد السلام إلى أن هذا هو ما دفع الدولة لإعادة ضبط البوصلة وإعادة فتح القضية الجنوبية وحلها بالتعاون مع المجتمع الإقليمي والدولي من خلال إشراك كل المكونات السياسية في المحافظة الجنوبية.
ويضيف، في حديثه للجزيرة نت، أن مؤتمر القضية الجنوبية في الرياض سيعيد تصحيح مسار القضية الجنوبية وبالتالي إشراك كل المكونات وعدم التسليم ببقاء القضية في فصيل محدد، وما ميز الانتقالي.
ويؤكد الباحث اليمني أن سيطرة الانتقالي على القضية الجنوبية بقوة السلاح وبدعم الإمارات العربية المتحدة وليس بالتفاهم والحوار، قد أوصلته إلى مسارات مهددة لأمن الدولة والأمن الإقليمي لدول الجوار، وهذا الأمر هو ما أدى به إلى النهاية الوخيمة التي رأيناها اليوم.
وفي المقابل، يرى عبد السلام أن رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي وجد الفرصة سانحة لإضعاف هذه الورقة التي بررت للتنازع على صلاحيات الرئاسة، وإعادة القضية الجنوبية إلى مستواها السياسي والحقيقي الذي هو أقل من الرئاسة، وفي إطار المحافظات.
ويتابع رئيس مركز أبعاد للدراسات قائلا إن تمثيل القضية الجنوبية الشامل يبدأ من تعريفها بشكل جيد: هل هي امتداد لقضية حقوقية أم سياسية حيث يختلف الأمر من طرف إلى طرف.. بعض المكونات الاجتماعية ترى أن القضية هي بالأساس قد نشأت حقوقية فيها نوع من التهميش، وهذا التهميش لم يبدأ من أيام الوحدة الشرعية والحكومة اليمنية، وإنما بدأ من أيام حكم الحزب الاشتراكي، عقب أحداث 86 وأيضا منذ عام 67 بعد دخول الجبهة القومية إلى حضرموت.
وترى آراء، بما فيها جنوبية، أن أول خطوة جاءت في مسار إعادة الاعتبار للقضية الجنوبية، بالدعوة لإقامة حوار الرياض الجنوبي، لتكشف جانبا مما تسعى لتحقيقه قيادة الشرعية اليمنية ومعها السعودية، وذلك من خلال دعوتهما إلى حوار شامل بين مختلف المكونات الجنوبية بهدف توحيد رؤى ومطالب القوى الجنوبية.
وسرعان ما قوبلت مبادرة (الشرعية /السعودية)، بترحيب واسع من قبل العديد من الشخصيات والمكونات الجنوبية، حيث أعلن أكثر من 50 شخصية ومكونا جنوبيا عن المشاركة في "مؤتمر الحوار الجنوبي الجنوبي" المزمع عقده في العاصمة الرياض.
إعلانوقد أشار إلى ذلك البرلماني والقيادي الجنوبي، علي حسين عشال، نائب رئيس اللجنة السياسية لهيئة التشاور والمصالحة المساندة لمجلس القيادة الرئاسي في اليمن، والذي أشاد بالمبادرة السعودية.
واعتبر عشال أن ذلك يعكس إيمان السعودية بأن "الحلول المستدامة لا تُفرض بالقوة، ولا تُبنى على الإقصاء، وإنما تولد من رحم الحوار المسؤول، القادر على استيعاب التنوّع، واحترام الاختلاف، وصياغة تسويات عادلة تُلبّي تطلعات الناس وتحفظ كيان الدولة".
وأعرب عشال عن أمله أن يكون مؤتمر الرياض "حوارا لا يحدّه سقف ولا ينتقص من رؤية أحد، هدفه وغايته الحفاظ على كيان الدولة، وتحقيق تطلعات الناس في وطن آمن، مستقر، تسوده العدالة والشراكة".
الوضع القانونيأما الكاتب والباحث اليمني، محمد العلائي، فقد كان له رأي مختلف، حول هذا الأمر، مُبديا بعض المخاوف من أن: "تنظيم حوار جنوبي جنوبي خارج اليمن، وبدعوة من الرئيس المعترف به، قد يكون أول خرق في جدار الحماية القانونية الدولية للوحدة".
وأثار العلائي بعض التساؤلات التي قال إنها لا تزال بلا إجابات واضحة حتى الآن، حيث يقول: "نعرف الآن من الذي انهزم في عدن والجنوب: عيدروس والإمارات ومشروع الانفصال، لكننا لا نعرف بعد من هي الأطراف اليمنية التي انتصرت"، وفق رأيه.
وفي الثالث من يناير/كانون الثاني الجاري، دعت السعودية جميع المكونات الجنوبية باليمن إلى المشاركة في مؤتمر تستضيفه المملكة لوضع تصور شامل للحلول العادلة للقضية الجنوبية.
وجاءت الدعوة بعد ساعات من تقدم رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بطلب إلى الرياض لاستضافة المؤتمر، الأمر الذي لقي ترحيبا عربيا واسعا.
كما دعت الرياض في الرابع من يناير/كانون الثاني الجاري رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي للحوار بشأن أسباب التصعيد وهجوم قوات المجلس الانتقالي على محافظتي حضرموت والمهرة، قبل إعلان هروب الزبيدي لاحقا إلى الإمارات.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات المکونات الجنوبیة المجلس الانتقالی للقضیة الجنوبیة القضیة الجنوبیة مجلس القیادة
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .