في ظل واقع فلسطيني مثقل بالانتهاكات ومحاولات تزييف الخطاب الديني لتبرير الظلم، يبرز لاهوت التحرر الفلسطيني كصوت إيماني مقاوم يدافع عن العدالة والكرامة الإنسانية.

في هذا الحوار الخاص، تحدث مدير مركز السبيل للاهوت التحرر المسكوني عمر حرامي للجزيرة نت عن دور اللاهوت في مواجهة الاحتلال، ومكانة القدس في الخطاب الإيماني، كما وجّه كلمة للمسيحيين الذين يتأثرون بالرواية الإسرائيلية الدينية.

وفي ما يلي نص الحوار كاملا:

بداية ما "مركز السبيل للاهوت التحرر المسكوني"؟ وما رسالته والدور الذي يسعى إلى أدائه لاهوتيا ووطنيا في فلسطين، وتحديدا في القدس؟

مركز السبيل هو حركة مسيحية فلسطينية مسكونية تضم مؤمنين من مختلف الكنائس المحلية، ويعمل على تعميق فهم إيماني مسيحي ملتزم بالعدالة وكرامة الإنسان.

ينطلق المركز من الإيمان بأن المسيحية ليست مجرد طقوس، بل رسالة تحرر ومسؤولية أخلاقية، ويشجّع العمل الشعبي اللاعنفي لمقاومة الظلم وبناء مجتمع قائم على الحق والمساواة.

انطلقت حركة اللاهوت التحرر الفلسطيني مع بداية الانتفاضة الأولى عام 1987 على يد مجموعة من رجال الدين ومن عامة الناس من عدة طوائف مسيحية، وأبرزهم القسيس نعيم عتيق، وكان قِس كنيسة مار جريس في القدس آنذاك.

يُعرّف المركز رسالته كشهادة حيّة للحق والدفاع عن العدالة واحترام الإنسان وحقوقه، والالتزام بالمواثيق والقانون الدولي، مستندا إلى تعاليم السيد المسيح القائمة على المحبة والحق والكرامة الإنسانية. كما أن رسالتنا: إيمان مسيحي ملتزم بالعدالة، ينحاز للمظلوم، ويعمل من أجل حرية الشعوب وكرامة الإنسان.

ما الذي يميّز تجربة "لاهوت التحرر الفلسطيني" عن تجارب لاهوت التحرر في سياقات عالمية أخرى؟

لاهوت التحرر الفلسطيني ينبع من واقع النكبة المستمرة والاحتلال والاستعمار الاستيطاني، وهو لاهوت متجذر في أرض القدس، حيث نشأت المسيحية، ويواجه مشروعا استعماريا استمد شرعيته عبر قراءات خاطئة وتفسيرات مغلوطة للكتاب المقدس، مما يجعل هذا اللاهوت شهادة إيمانية في قلب الصراع.

إعلان كيف يوازن المركز بين البعد الروحي والالتزام بالقضية الوطنية الفلسطينية؟ وماذا عن قراءتكم للواقع السياسي في القدس وفلسطين من منظور لاهوتي؟

يرى المركز أن الإيمان الحقيقي يقود بالضرورة إلى الالتزام بالعدالة والمواطنة الصالحة، وهما جزء لا يتجزأ من الشهادة الروحية، كما يؤمن بأن الالتزام الأخلاقي بالعدالة يجب أن يسمو على الانتماءات السياسية، ولذلك يحترم نضال الشعوب التي تثور على أنظمة سياسية ظالمة.

يقرأ مركز السبيل الواقع باعتباره حالة ظلم بنيوي ممنهج، ويدعو إلى مقاومته بنور الإنجيل وقيم الحق والحرية، مع التشديد على العمل الشعبي اللاعنفي كخيار أخلاقي وإيماني.

ما ردّكم على محاولات توظيف النصوص الدينية لتبرير الاحتلال والتهويد؟

نرفض بشكل قاطع أي توظيف للدين يبرر الظلم أو الاحتلال، ونؤكد أن النصوص المقدسة وُجدت لنشر العدالة وحماية كرامة الإنسان، لا لإقصاء الشعوب أو سرقة الأرض.

يعمل المركز بشكل خاص على مواجهة الفكر المسيحي الصهيوني وتفكيك أسسه اللاهوتية، فالهدف في فلسطين هو الحفاظ على الشعب الفلسطيني الأصلي بكافة مكوناته اليهودية والمسيحية والمسلمة والسامريّة والدرزيّة والبهائيّة، لأن هذه فلسطين التي استلمناها من أجدادنا عبر القرون، وهي التي يجب أن نحافظ على وجودها وبقائها لتسليمها للأجيال الجديدة، بعيدا عن الاستعمار الاستيطاني.

حرامي: المسيحية ليست مجرد طقوس، بل رسالة تحرر ومسؤولية أخلاقية (الجزيرة) هل تعتقدون أن الخطاب اللاهوتي المسيحي العالمي بدأ يتغير تجاه القضية الفلسطينية؟ ولماذا؟

نعم، هناك تحول تدريجي في الخطاب اللاهوتي العالمي، نتيجة انكشاف الحقائق على الأرض، وعلوّ صوت المسيحيين الفلسطينيين، وجهود الحلفاء والشركاء حول العالم في نقل الرواية العادلة.

لمركز السبيل أصدقاء من أنحاء العالم كافة، وهي مؤسسات مسجلة كأصدقاء لنا وهدفهم نشر فكر السبيل في العالم، عبر نشر خطابنا والعمل اللاهوتي لتوعية الكنائس والمسيحيين الموجودين في بلادهم، كما نتعامل مع كافة المؤسسات التي تحترم حقوق الإنسان والقانون الدولي.

ماذا تمثّل القدس لاهوتيا وإنسانيا في فكر مركز السبيل؟ وما أهمية البعد المسكوني في عمله؟

القدس هي مدينة الله والإنسان معا، ورمز للعدل والسلام والعيش المشترك، وليست حكرا دينيا أو قوميا على أحد. ووفق القانون الدولي، فإن القدس الشرقية هي عاصمة فلسطين، ويجب احترام هذا الواقع القانوني والسياسي.

البعد المسكوني أساسي، لأنه يعبّر عن وحدة الكنيسة في مواجهة الظلم، ويعزز التضامن بين المسيحيين عبر الطوائف والحدود، ويحوّل الإيمان إلى قوة أخلاقية عالمية.

إلى أي مدى تشعرون بأن معاناة مسيحيي القدس تحظى بالاهتمام الكافي عالميا؟ وكيف تقيّمون تجاوب الكنائس العالمية مع رسائلكم؟

لا يزال الاهتمام غير كافٍ، لكن الوعي العالمي يتزايد بفضل الشهادات المباشرة والعمل المسكوني والتواصل المستمر مع الكنائس والمؤسسات الدولية.

هناك تجاوب متنامِ، خاصة في مجالات المناصرة والبرامج التعليمية في أوروبا وأميركا الشمالية، رغم استمرار التحديات.

إعلان

وللأسف، نلاحظ تراجعا في التفاعل في بعض مناطق أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، لأن جلّ العمل التوعوي تركز مع الكنائس والمؤسسات المسيحية في مناطق القرار، وهي أميركا الشمالية وأوروبا في العقود الخمسة الأخيرة، وأُهمل العالم العربي وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، لأننا كنا نعتبر أنهم أصدقاء للشعب الفلسطيني.

لكن للأسف الكثير من المجموعات المسيحية الصهيونية كانت تستثمر أموالها وقدراتها لاستهداف هذه الدول، لا محبة لها، بل كخيار ثانٍ بعدما لاحظوا أنهم يخسرون التضامن العالمي، لأن الناس يقفون مع الحق عندما يعرفون الحقيقة، وهذه طبيعة إنسانية لا تعتمد على الكنائس فقط، وإنما كل مسلم أو يهودي يعرف حقيقة القضية سيقف إلى جانب الفلسطينيين، وليس بالضرورة حبّا لهم بل لنصرة المظلوم والشعوب المقهورة.

هناك حاجة للعمل في هذه المناطق، لكن لا تتوفر لدينا الأدوات للعمل هناك، ومن يعمل حتى الآن في كل من أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا كمناصرين للقضية الفلسطينية هم أشخاص من خلفيات يسارية، ولا يجيدون الخطاب الديني، وهذا بسبب عدم وجود إمكانيات ولا وقت ولا موارد للعمل على كافة الجبهات في العالم، وهذا طبيعي فنحن مؤسسات مجتمع مدني لا حكومات، وللأسف الذين يدعمون الرواية الإسرائيلية مجموعات كبيرة ولديها موارد وقدرات وعلاقات دولية تسهل عملها.

هل واجهتم ضغوطات أو هجمات بسبب مواقفكم اللاهوتية والسياسية؟

نعم، نواجه ضغوطات وتشويها وهجمات إعلامية، لكننا نعتبر ذلك ثمنا طبيعيا لشهادة الحق والالتزام بالعدالة.

تستهدفنا مجموعات يمينية سواء أكانت إسرائيلية أم من مناطق أخرى في العالم بشكل عام، كما تستهدفنا المسيحية الصهيونية التي تحاول تشويه كل المراكز التي تعمل على طرح أي رواية مناهضة للفكر الصهيوني أو الرواية الرسمية الإسرائيلية.

قبل أسابيع زار ألف قِس مسيحي إنجيلي أميركي القدس، واحتفلوا في منطقة القصور الأموية الملاصقة للأقصى، وصلّوا هناك نصرة لإسرائيل، كيف تنظرون إلى مثل هذه الزيارات؟

كثير من الوفود تزور بلادنا.. جزء منها لدعم الرواية الصهيونية والآخر يدعم الرواية الفلسطينية، وخبر زيارة ألف رجل دين مسيحي لإسرائيل ليس مفاجئا، ويتبع هؤلاء للمسيحية الصهيونية، ولا يناصرون الشعب الفلسطيني ولا حتى حقوق الإنسان.

في المقابل هناك عشرات الوفود المسيحية من رجال دين وغيرهم يزورون فلسطين، ويحرصون على زيارة القدس والخليل ومسافر يطا وغيرها من المناطق المستهدفة للتضامن مع الفلسطينيين، وفي موسم قطف الزيتون يصل مئات المتضامنين المسيحيين إلى البلاد لإعانة المزارعين في قطف الثمار ولحمايتهم من اعتداءات المستوطنين.

المتضامنون معنا فئتان الأولى تصل إلى هنا بدافع شخصي، والثانية وفود تصل من خلال العلاقات بين الكنائس، أما زيارة الألف رجل دين، فهي ممولة من الحكومة الإسرائيلية وحركات صهيونية دفعت عنهم التكاليف المادية.

ما أثركم في تغيير الرواية السائدة عن فلسطين؟ وماذا عن جهودكم مع الشباب الفلسطيني، خاصة في ظل الهجرة واليأس المتزايد؟

تسهم هذه الأنشطة في كسر الرواية السائدة، ونقل صوت الفلسطينيين مباشرة إلى الكنائس والمجتمعات من خلال الشهادات الحية والحقائق الميدانية. ونعمل على توفير مساحات آمنة للحوار، ونقدم للشباب برامج لاهوتية وتثقيفية تساعدهم على التعبير عن ذواتهم، وتعزز الأمل والانتماء والمسؤولية المجتمعية.

يساعد اللاهوت التحرري الشباب على فهم إيمانهم في سياق المعاناة، ويمنحهم معنى للصمود، ويعزز هويتهم الوطنية والتزامهم بقيم العدالة والحرية.

ماذا تقول للفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، في ظل هذا الواقع الصعب؟ وماذا تقولون للمسيحيين في العالم الذين يتأثرون بالرواية الإسرائيلية الدينية؟ إعلان

أقول للفلسطينيين مسيحيين ومسلمين: أنتم لستم وحدكم، فالحق أقوى من الظلم، والله عادل ورحيم… صمودكم شهادة حيّة للمستقبل، ومسؤولية وأمانة أنتم أهل لحملها.

وندعو مسيحيي العالم إلى الإصغاء لأصوات المسيحيين الفلسطينيين، وقراءة الإنجيل من منظور العدالة والمحبة، لا من منظور القوة أو التطرف الديني.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی العالم

إقرأ أيضاً:

منح الوسام الوطني الفرنسي للاستحقاق لرئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني

مُنح الوسام الوطني الفرنسي للاستحقاق في 2 حزيران/يونيو 2026 في رام الله إلى رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، السيد يونس الخطيب، وذلك في المقر الرئيسي للجمعية، بحضور القنصل العام لفرنسا في القدس ، سعادة السيد نيكولاس كاسيانيدس.

ومن خلال هذا الوسام الرفيع، تعرب الجمهورية الفرنسية عن تقديرها للعمل الدؤوب الذي اضطلع به السيد الخطيب منذ توليه رئاسة جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني عام 2000، من أجل إيصال خدمات الإسعاف والإغاثة الطبية الطارئة إلى جميع أنحاء فلسطين ولجميع السكان دون استثناء.

كما يشكل هذا التكريم إشادةً بالعمل المتميز الذي تقوم به جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وموظفوها ومتطوعوها ككل، الذين تمكنوا من مواصلة أداء مهامهم في ظروف بالغة الصعوبة، وغالباً ما كان ذلك على حساب سلامتهم الشخصية، ولا سيما في غزة .

وستواصل فرنسا جهودها لدعم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني والوقوف إلى جانب الفلسطينيين الأكثر هشاشة، في إطار عملها الإنساني.

المصدر : وكالة سوا اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من آخر أخبار فلسطين سفير فلسطين في موريتانيا يرد على حملة انتقادات طالت تصريحاته بشأن التبرعات رام الله: اجتماع لبحث آليات تنفيذ انتخابات المجلس الوطني خلال العام 2026 نادي الأسير: ارتفاع عدد الأسيرات إلى 89 داخل سجون الاحتلال الأكثر قراءة صورة: عبلين: مصابان بحالة خطيرة في جريمة إطلاق نار أكثر من 1.7 مليون حاج من 165 جنسية يؤدون المناسك قطر ومصر تبحثان جهود دعم الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران غوتيريش: العالم يشهد تآكلا خطيرا لاحترام القانون الدولي عاجل

جميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2026

مقالات مشابهة

  • هل يواجه العالم أخطر ركود تضخمي في تاريخه؟ خبير يُجيب
  • منح الوسام الوطني الفرنسي للاستحقاق لرئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني
  • نادي الأسير الفلسطيني: عدد الأسيرات في السجون الإسرائيلية يرتفع إلى 89
  • قيادي بـ”حماس”: تصاعد اعتقالات العدو الصهيوني في الضفة لن يثني من عزم شعبنا وصموده على أرضه
  •  “مركز معارض بورت دو فرساي” في باريس يحتضن منافسات بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026
  • خطوة نحو الشفاء!.. تجربة واعدة تقرب مرضى الإيدز من التحرر من الأدوية مدى الحياة
  • أمسية فنية للتراث الفلسطيني بمكتبة مصر الجديدة.. غدًا
  • المنتخب الوطني المغربي يواجه مدغشقر بحثا عن الانتصار لمواصلة النتائج الإيجابية قبل مونديال 2026
  • بروفايل.. كريستيانو رونالدو يواجه عقبة الـ41 عاماً في رقصته الأخيرة
  • دبلوماسي هندي: زيارة رئيس ميانمار تمهد السبيل لوضع خارطة طريق جديدة للعلاقات