أسرة سودانية تكافح لعلاج ابنها المصاب بمرض جيني نادر
تاريخ النشر: 11th, January 2026 GMT
سلط برنامج "مع الحكيم" على قناة الجزيرة مباشر الضوء على معاناة الطفل السوداني عماد، المصاب بمرض ضمور العضلات الدوشيني، أحد أخطر الأمراض الجينية النادرة التي تصيب الأطفال، في حلقة إنسانية تناولت واقع المرض، وصعوبة الحصول على العلاج الجيني، والتحديات التي تواجه الأسر في الدول التي لا يتوفر فيها هذا الدواء الباهظ الثمن.
واستهل البرنامج بالإشارة إلى أن الحصول على العلاج الجيني لمرض ضمور العضلات الدوشيني يحدث تحولا جذريا في حياة الطفل، موضحا أن الدواء قادر على نقل الطفل من مرحلة العجز التدريجي إلى ممارسة حياة قريبة من الطبيعية.
وفي هذا السياق، عرض البرنامج مقطع فيديو وصل من أسرة طفل آخر يدعى "كريس"، وثق الفرق الكبير في حالته قبل تلقي العلاج وبعده، باعتباره نموذجا لنجاح العلاج الجيني في تغيير مسار المرض.
عقب عرض الفيديو، توجه البرنامج بالسؤال إلى والدة عماد، المحامية ريان، حول مساعيها للحصول على العلاج، في ظل الأمل الذي تتيحه هذه التجارب الناجحة. وأكدت ريان أنها بدأت منذ تشخيص حالة عماد رحلة طويلة من البحث والتواصل مع جمعيات خيرية محلية وعالمية، إضافة إلى مخاطبة شركات الأدوية المنتجة للعلاج الجيني، إلا أن الردود التي تلقتها كانت في معظمها سلبية بسبب التكلفة العالية للعلاج، التي تعجز أي جمعية عن توفيرها لطفل واحد.
رابط للتبرعات
وأوضحت والدة الطفل المريض أن الأسرة لجأت إلى إنشاء رابط للتبرعات بهدف إضفاء المصداقية على حملات الدعم، إلى جانب إطلاق محتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، شمل فيديوهات تعريفية وصفحة خاصة بعماد، في محاولة للوصول إلى أي بارقة أمل تمكنه من الحصول على العلاج، مؤكدة أن البحث ما زال مستمرا دون توقف.
وفي ردها على سؤال عن البدائل المتاحة في ظل عدم توفر العلاج في السودان، أوضحت والدة عماد أن الخيارات حاليا تقتصر على الجمعيات الخيرية أو تدخل حكومات دول أخرى لتقديم الدعم الطبي، مشددة على أن تكلفة العلاج، التي تصل إلى نحو 3 ملايين دولار، تفوق قدرة أي أسرة على التحمل، حتى مع مساعدة الأقارب. كما أشارت إلى أنها تواصلت مباشرة مع شركة الدواء، دون تلقي أي رد إيجابي حتى الآن.
إعلانوأكدت ريان أن معاناة عماد ليست حالة فردية، بل تمثل واقع آلاف الأطفال حول العالم، لا سيما في الدول العربية، حيث يعاني كثير منهم حتى من غياب التشخيص المبكر، مما يؤدي إلى اكتشاف المرض بعد فوات الأوان، عندما يصبح الطفل مقعدا ويعتمد على الكرسي المتحرك. وأعربت عن امتنانها لاكتشاف حالة عماد في مرحلة مبكرة، معتبرة ذلك فرصة ثمينة يجب البناء عليها.
تجارب سريرية
وفي محور طبي مهم، وجهت والدة عماد سؤالا إلى الدكتور خالد إبراهيم، استشاري أعصاب الأطفال، حول إمكانية وجود تجارب سريرية للعلاج الجيني في مستشفى سدرة للطب في قطر، باعتبارها أملا بديلا للأطفال الذين لا يستطيعون الحصول على الدواء المعتمد. وأوضحت أن السؤال يخص أدوية جينية جديدة، نظرا لأن العلاج الحالي معتمد من هيئة الغذاء والدواء الأميركية ولا تجرى عليه تجارب حاليا.
وفي إجابته، أكد الدكتور خالد إبراهيم أن مستشفى سدرة اتخذ زمام المبادرة في هذا المجال، وجرى تعريفه كمركز طبي متكامل قادر على مواكبة التطورات العلمية الحديثة، كما تم تسجيله لدى الشركات والمؤسسات البحثية العالمية. وأوضح أن المركز يشارك حاليا في عدد من التجارب السريرية المحكمة في أمراض أخرى، مؤكدا أن هذه التجارب تخضع لموافقات ورقابة الجهات التنظيمية الدولية، وعلى رأسها هيئة الغذاء والدواء الأميركية، بما يضمن سلامتها.
وبيّن الدكتور خالد آلية مشاركة المرضى في هذه التجارب، موضحا أنه إذا توفرت تجربة سريرية مناسبة، فسيتم ترشيح الأطفال الخاضعين لرعاية المركز ممن تنطبق عليهم الشروط، وعند القبول يتم التواصل مع أسرهم لإشراكهم في الدراسة.
علاج جينيوعن السبل المتاحة أمام الأسر في الدول التي لا توفر العلاج الجيني، شدد الدكتور خالد على أن كل الطرق التي سلكتها والدة عماد معروفة ومتعارف عليها، مؤكدا في الوقت ذاته أهمية الالتزام بالعلاجات المعتمدة حاليا، وعلى رأسها العلاج بالكورتيزون والعلاج المتكامل، رغم صعوبتهما وآثارهما الجانبية، باعتبارهما خط الدفاع الأساسي في إدارة المرض. وأشار إلى أن هذه العلاجات هي نفسها المتبعة في الدول الأوروبية المتقدمة، معربا عن أمله في أن يتاح العلاج الجيني لعماد ولغيره في المستقبل القريب.
وفي لحظة إنسانية مؤثرة، وجه البرنامج السؤال إلى عماد نفسه حول رسالته وأحلامه، ليختصر الطفل أمنيته بكلمات بسيطة قائلا: "أريد أن أتعالج وأعيش مثل أي طفل".
وفي ختام اللقاء، وجّهت والدة عماد عدة رسائل، كان أولها إلى شركة الدواء المنتجة للعلاج الجيني، داعية إلى إعادة برامج القرعة أو المبادرات الإنسانية التي كانت تتيح العلاج للأطفال المصابين بالأمراض الجينية النادرة حول العالم، معربة عن أملها أن يستفيد منها أي طفل، حتى وإن لم يكن عماد.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات العلاج الجینی الدکتور خالد على العلاج الحصول على والدة عماد فی الدول
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..