غزة وفنزويلا.. معركتان بميزانين مختلفين
تاريخ النشر: 11th, January 2026 GMT
أحمد الفقيه العجيلي
في ميادين غزة، لا تفشل جحافل العدو بسبب نقص في السلاح أو ضعف في التَّدريب، بل لأنها تصطدم بما تَعجزُ عنه غرف العمليات ومعادلات التفوق: إيمانٍ راسخ، وقلوبٍ حملت الحق، ونفوسٍ أيقنت أنَّ النصر لا يُصنع بالتكنولوجيا وحدها، بل بثبات الإنسان قبل كل شيء.
هناك، لا تُدار المعركة بميزان القوة الظاهر فقط، بل بميزانٍ أعمق تحسمه العقيدة والوعي واليقين.
في غزة، لا تُقاتل البنادق وحدها؛ يُقاتل معها الصبر، والدعاء، والنية الصادقة. تسقط الحسابات العسكرية حين تُواجه أناسًا جعلوا الإيمان جزءًا من المعادلة، لا تفصيلًا يُستدعى في الخطب بعد انتهاء المعارك. وحين يعجز العدو، لا يكون ذلك دائمًا بسبب خطأ ميداني، بل لأنَّ الإيمان، حين يتحول إلى وعي جمعي، يصبح قوة لا تُقاس بالأرقام.
وعلى الضفة الأخرى من العالم، في فنزويلا، بدا المشهد مختلفًا تمامًا.
لم تكن الدبابات في الشوارع، ولا الطائرات في السماء؛ بل كانت القرارات تُصاغ في الغرف المُغلقة، وتُمرَّر عبر ضغوط سياسية، وعقوبات اقتصادية، وعزل دبلوماسي.
سقطت الدولة لأنَّ الأرض كانت مهيأة، ولأنَّ السياسة فُصلت عن الكرامة، ولأن بعض الأبواب فُتحت من الداخل قبل أن تُطرق من الخارج.
هذا التباين لا يُمكن فهمه بعيدًا عن منطق الهيمنة الذي حكم السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية منذ قرنين، منذ إعلان ما عُرف بـ«عقيدة مونرو» عام 1823.
عقيدة قُدّمت يومها بوصفها حماية لاستقلال دول الأميركتين من التدخل الأوروبي، لكنها تحولت مع الزمن إلى أداة تمنح الولايات المتحدة حق الوصاية والتدخل متى تعارضت خيارات الشعوب مع مصالحها.
لم تعد عقيدة مونرو تقول: «لا لتدخل أوروبا»، بل أصبحت تقول عمليًا: «لا قرار في الأميركتين خارج الإرادة الأمريكية».
وفي قراءة أوسع للمشهد الفنزويلي، يصعب فصل ما جرى عن صراع المصالح الكبرى في المنطقة. ففنزويلا ليست مجرد ملف سياسي أو أمني، بل واحدة من أكبر خزانات النفط في العالم، وتقع في قلب تنافس دولي محتدم. لذلك، فإن محاولات عزل مادورو أو الإطاحة به لا يمكن اختزالها في عناوين مثل "تهريب المخدرات" أو "استعادة الديمقراطية"، بقدر ما ترتبط بالسعي للسيطرة على الثروات، والحد من تمدد النفوذ الصيني والروسي والإيراني في أمريكا اللاتينية.
ويتضح هذا البعد أكثر عند ربطه بالتوترات الدولية المتصاعدة، واحتمالات اتساع الصراع في الشرق الأوسط، لا سيما مع إيران، حيث قد تؤدي أي مواجهة واسعة إلى تهديد إمدادات الطاقة العالمية، ما يجعل التحكم بمصادر نفط بديلة، مثل فنزويلا، جزءًا من حسابات استراتيجية بعيدة المدى، تتجاوز الشعارات المُعلنة وتكشف منطق المصالح الحقيقي.
في هذا السياق، يمكن قراءة الموقف الأمريكي من فنزويلا والرئيس نيكولاس مادورو: رفض نتائج الانتخابات، دعم المعارضة، الاعتراف برئيس بديل، فرض عقوبات اقتصادية خانقة، ومحاولات خنق سياسي ودبلوماسي ممنهجة، وكل ذلك تحت لافتة "استعادة الديمقراطية"، بينما هو في جوهره تطبيق عملي لنسخة حديثة من عقيدة مونرو.
لكن الأهم من ذلك كله أن ما جرى في فنزويلا لا يمكن تسميته "نجاحًا" بالمعنى الحقيقي، بقدر ما كان استثمارًا في اختراق داخلي وخيانة سياسية مُمَهّدة سلفًا.
لم تُحسم المعركة هناك بقدرات خارقة أو عمليات نوعية، بل بانهيار داخلي سبق أي تدخل، وبأطراف فتحت الأبواب من الداخل قبل أن تصل أي قوة خارجية، لأن الوعي حين يغيب، لا يحتاج العدو إلى اقتحام، بل إلى انتظار السقوط.
أما في غزة، فالمعادلة معكوسة تمامًا. ليست القضية تفوقًا تقنيًا هنا أو قصورًا هناك، بل غياب الخيانة، وحضور وعي جمعي يعتبر الاختراق سقوطًا أخلاقيًا قبل أن يكون خسارة أمنية. لذلك تتحول أكثر العمليات استعراضًا، وأكثر التقنيات تقدمًا، إلى مشاهد إعلامية وأفلام هوليودية بلا أثر حاسم.
الفارق الجوهري إذن ليس في السلاح وحده، ولا في التكنولوجيا، ولا حتى في طبيعة الميدان، بل في الإنسان الذي يقف خلفه:
إن كان مخترقًا، سقطت الدولة دون رصاصة، وإن كان ثابتًا، سقطت أمامه كل الحسابات.
وهكذا، بين غزة وفنزويلا، تتضح الحقيقة العارية: معركتان، لكن بميزانين مختلفين… ميزانٍ يُدار من السفارات، وميزانٍ تحسمه القيم حين تتحول إلى وعي وثبات.
ليست كل الهزائم نتيجة ضعف، كما ليست كل "النجاحات" دليل قوة؛ أحيانًا تكون الخيانة هي السلاح الأخطر، وأحيانًا يكون الوعي هو الحصن الذي لا يُخترق.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، تولى رومان جوفمان رسميا رئاسة جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي (الموساد)، بعد أشهر من الاعتراضات القانونية والانتقادات التي رافقت قرار تعيينه في أحد أكثر المناصب حساسية في إسرائيل.
وجاء تعيين جوفمان بدفع مباشر من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي رشحه للمنصب في ديسمبر 2025، رغم التحفظات التي أبدتها شخصيات أمنية وقانونية بشأن خلفيته المهنية وبعض القضايا المرتبطة بمسيرته العسكرية.
من بيلاروسيا إلى قمة المؤسسة الأمنيةولد رومان جوفمان في بيلاروسيا عام 1976، قبل أن يهاجر إلى إسرائيل مع عائلته وهو في الرابعة عشرة من عمره. وبعد سنوات قليلة من استقراره، التحق بالجيش الإسرائيلي عام 1995 ضمن سلاح المدرعات، ليبدأ مسيرة عسكرية امتدت لعقود وشهدت صعوده في عدد من المواقع القيادية والعملياتية.
وخلال خدمته العسكرية، تولى قيادة وحدات مدرعة وألوية ميدانية، كما شغل مناصب في هيئات العمليات والتدريب، وصولًا إلى قيادة تشكيلات عسكرية بارزة داخل الجيش الإسرائيلي.
إصابة في الحرب وتقرب من نتنياهوكان جوفمان يشغل منصب قائد المركز الوطني لتدريب قوات المشاة عندما اندلعت أحداث السابع من أكتوبر 2023، إثر الهجوم الذي شنته حركة حماس على جنوب إسرائيل. وخلال المعارك تعرض لإصابة، قبل أن يعينه نتنياهو مستشارًا عسكريًا رفيعًا لرئيس الوزراء في أبريل 2024.
ومنذ ذلك الحين، تعززت علاقته بنتنياهو، ما جعله أحد الشخصيات المقربة داخل المؤسسة الأمنية، وهو ما اعتبره منتقدوه عاملًا رئيسيًا وراء اختياره لرئاسة الموساد.
تعيين مثير للجدللم يكن طريق جوفمان إلى رئاسة الموساد سهلًا، إذ واجهت عملية تعيينه اعتراضات قانونية وصلت إلى المحكمة العليا الإسرائيلية. وتمحورت أبرز الانتقادات حول قضية تعود إلى عام 2022، حين كان يقود إحدى الوحدات العسكرية.
وبحسب وثائق قضائية، سمح أحد الضباط بنقل معلومات أمنية حساسة إلى جندي قاصر قام لاحقًا بنشرها عبر قناة على تطبيق "تلغرام"، وذلك بعلم وموافقة جوفمان. وأدت القضية إلى محاكمة الجندي والحكم عليه بالسجن والإقامة الجبرية لفترة قاربت عامًا ونصف العام.
ورغم أن المحكمة أقرت بوجود أخطاء في إدارة القضية، فإنها خلصت إلى أن تلك الأخطاء لا ترقى إلى مستوى المخالفات الأخلاقية التي تمنع جوفمان من تولي المنصب، ما مهد الطريق أمام دخوله رسميًا إلى رئاسة الموساد.
خلفية عسكرية تثير التساؤلاتأحد أبرز أسباب الجدل حول جوفمان يتمثل في كونه لا ينتمي إلى جهاز الموساد، خلافًا لمعظم الرؤساء السابقين للجهاز. فقد جاء من المؤسسة العسكرية ومن مكتب رئيس الوزراء مباشرة، وهو ما دفع بعض المسؤولين الأمنيين السابقين إلى التشكيك في مدى ملاءمة اختياره لقيادة جهاز استخباراتي يعتمد على خبرات متخصصة ومتراكمة داخل المؤسسة نفسها.
كما أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن رئيس الموساد السابق ديفيد بارنياع كان من بين المعارضين لتعيينه.