يوافق اليوم الاثنين ذكرى رحيل واحدة من أبرز أيقونات الإعلام المصري في التليفزيون الرسمي، المذيعة القديرة سامية الإتربي، التي نجحت بعفويتها وأسلوبها الإنساني في أن تصبح جزءا أصيلا من ذاكرة المشاهدين، وأن تجسد صوت المواطن البسيط وهمومه اليومية، ولم تكن مجرد مذيعة تقدم فقرات وبرامج، بل نموذجا إعلاميا ترك بصمة فارقة في تاريخ الشاشة المصرية.


ولدت سامية الإتربي في القاهرة عام 1942 داخل أسرة ارتبط اسمها بالإعلام المصري، إذ شغلت شقيقتاها مناصب قيادية مهمة، سهير الإتربي التي تولت رئاسة التلفزيون المصري سابقا، وعزة الإتربي نائبة لرئيس التلفزيون، وهو ما أسهم في تكوين وعيها المبكر بقيمة الإعلام ودوره المجتمعي.


درست سامية الإتربي بكلية الحقوق، وبعد تخرجها بدأت مسيرتها العملية بعيدا عن العمل التلفزيوني، حيث عملت في المؤتمر الآسيوي الإفريقي، ثم انتقلت للعمل مع الروائي الكبير يوسف السباعي في المجلس الأعلى للفنون والآداب، ومع فتح باب التقديم للمذيعات بالتلفزيون المصري، تقدمت وتم قبولها ضمن دفعة ضمت عددا من الأسماء اللامعة، من بينهن أحلام شلبي وسهير شلبي وفاطمة الكسباني، وهو جيل يعد من أبرز أجيال المذيعات في تاريخ التلفزيون.


دخلت الإتربي عالم التلفزيون بثقة وتميز، وقدمت باقة متنوعة من البرامج التي عكست اهتماماتها وابتعادها عن النمط التقليدي في التقديم، ومن أبرزها "آدم وحواء في البيت السعيد"، الذي استمر عرضه 20 عاما متصلة، وناقش القضايا والمشكلات الاجتماعية، وحاورت خلاله عددا من كبار المتخصصين في الطب النفسي آنذاك، إلى جانب استضافتها لشخصيات عامة وسياسية بارزة.


رغم هذا الرصيد الكبير، ارتبط اسم سامية الإتربي في ذاكرة الجمهور أكثر ببرنامجها الشهير "حكاوي القهاوي"، الذي خرجت من خلاله إلى الشارع والمقاهي الشعبية، باحثة عن حكايات البسطاء ورواد الحرف والصناعات اليدوية، وكان للبرنامج طابع خاص، يبدأ بمقدمته الشهيرة:


"القهوة عالم بحاله قايم.. فيه اللي قاعد جنب اللي نايم.. وفيه حكاوي وفيه عبر.. وفيه تلاقي كل البشر" ، وهي مقدمة عكست فلسفة البرنامج القائم على البساطة والاقتراب من الناس.


تميزت الراحلة بأسلوبها الخاص في الظهور على الشاشة، حيث اعتادت ارتداء "الجلباب" أثناء تقديم برامجها، في دلالة واضحة على قربها من الشارع المصري وعدم انفصالها عن واقعه، وهو ما أكسبها محبة واسعة لدى الجمهور على مدار سنوات طويلة.


على الصعيد الأسري، كانت سامية أما لابنين، حسام والإعلامية رشا الجمال، التي سارت لاحقا على خطى والدتها في مجال الإعلام، وقدمت برنامج "حكاوي القهاوي" بعد رحيلها، محافظة على روحه وأسلوبه تخليدا لتاريخ والدتها وتجربتها، حيث كشفت في عدة لقاءات صحفية وتلفزيونية عن تفاصيل إنسانية من حياة والدتها، مؤكدة أنها كانت تحرص على غرس حب الإعلام والناس في داخلها منذ الصغر، لكنها لم تضغط عليها لدخول المجال مبكرا.


وعلى الرغم من معاناة المذيعة الراحلة مع مرض السرطان لما يقرب من 18 عاما، واصلت عملها لفترات طويلة، وتولت مناصب قيادية داخل التلفزيون المصري، من بينها رئاسة البرامج الثقافية، في نموذج نادر للصبر والإصرار والالتزام المهني.


رحلت سامية الإتربي عن عالمنا في 12 يناير 2007، عن عمر ناهز 65 عاما، بعد رحلة علاج طويلة، تاركة وراءها تجربة إعلامية وإنسانية صادقة لا تزال حاضرة في وجدان المشاهدين وذاكرة التلفزيون المصري.
 

طباعة شارك أيقونات الإعلام المصري في التلفزيون الرسمي المذيعة القديرة سامية الإتربي ذاكرة المشاهدين صوت المواطن البسيط بصمة فارقة في تاريخ الشاشة المصرية

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: ذاكرة المشاهدين التلفزیون المصری

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • محافظ سوهاج يعيّن الإعلامي محمد رفعت مستشارًا إعلاميًا للمحافظة
  • في ذكراها.. قصة زواج سميحة أيوب وسعد الدين وهبة
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • من ماسبيرو فرصة ذهبية لعودة التليفزيون المصرى المنافسة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش