تشهد إيران تصعيدا متسارعا في المشهد الداخلي، وسط استمرار الاحتجاجات واتساع ردود الفعل الدولية، في وقت تتداخل فيه التحركات الميدانية مع تهديدات أمريكية ومواقف إقليمية ودولية حذرة، ما يضع طهران أمام أحد أكثر التحديات تعقيدًا منذ سنوات.

وفي واشنطن، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران إلى صدارة أولوياته السياسية والأمنية، معلنا أن إدارته لا تستبعد عقد لقاءات مع مسؤولين إيرانيين، بالتوازي مع وجود قنوات تواصل مع أطراف معارضة داخل البلاد.



وأوضح ترامب أن البيت الأبيض يدرس حزمة واسعة من الخيارات للتعامل مع الوضع المتفجر، من بينها إجراءات ضغط قصوى، وصولًا إلى احتمالات عسكرية، في ظل ما وصفه باضطرابات تمثل أحد أخطر التحديات للنظام الإيراني منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.

وأشار ترامب إلى أن طهران أبدت رغبة في التفاوض حول ملفها النووي، بعد الضربات التي تعرضت لها منشآت نووية إيرانية خلال الحرب التي اندلعت في يونيو الماضي واستمرت 12 يومًا، وشاركت فيها الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة، لكنه في الوقت نفسه وجّه تحذيرًا شديد اللهجة للقيادة الإيرانية، مؤكدًا أن أي استخدام للقوة المميتة ضد المتظاهرين سيقابل برد أميركي مباشر.

وكشف مسؤول أمريكي أن ترامب سيعقد اجتماعًا مغلقًا مع كبار مستشاريه الأمنيين لبحث السيناريوهات المحتملة للتعامل مع إيران، في ظل تصاعد الأحداث، ووفق تقارير صحفية أمريكية، تشمل الخيارات المطروحة توسيع العقوبات الاقتصادية، وتنفيذ عمليات سيبرانية سرية، وتقديم دعم تقني لمصادر مناهضة للحكومة، إضافة إلى إمكانية توجيه ضربات عسكرية محدودة إذا تطورت الأوضاع.


وقال ترامب، في تصريحات أدلى بها للصحفيين على متن طائرة الرئاسة، إن المؤسسة العسكرية تتابع الوضع بدقة، وإن الإدارة الأمريكية تبحث "خيارات قوية للغاية"، في إشارة إلى استعداد واشنطن للانتقال من سياسة التهديد إلى الفعل إذا اقتضت الظروف.

في المقابل، جاء الرد الإيراني حادًا، حيث حذر رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف واشنطن من الوقوع في "سوء تقدير استراتيجي"، مؤكدًا أن أي هجوم على إيران سيقابل برد واسع النطاق. وأوضح قاليباف، وهو قيادي سابق في الحرس الثوري، أن الاحتلال الإسرائيلي والقواعد والسفن الأميركية في المنطقة ستكون أهدافًا مباشرة في حال تعرضت إيران لهجوم.

وعلى الأرض، بدأت الاحتجاجات في أواخر كانون الأول / ديسمبر الماضي على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، قبل أن تتخذ طابعًا سياسيًا مع توسع رقعتها وتحولها إلى مظاهرات مناهضة للنظام. وتحدثت منظمات حقوقية عن سقوط مئات القتلى وآلاف المعتقلين منذ اندلاع الاحتجاجات، في واحدة من أعنف موجات الاضطرابات التي تشهدها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

وأفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، بتأكيد مقتل 490 متظاهرًا و48 من أفراد قوات الأمن، إضافة إلى اعتقال أكثر من 10 آلاف شخص. ولم تصدر السلطات الإيرانية أرقامًا رسمية، فيما تعذّر على جهات مستقلة التحقق من هذه الإحصاءات، في ظل القيود المفروضة على الإنترنت وتدفق المعلومات.

وشهدت إيران منذ أيام انقطاعًا واسعًا في خدمات الإنترنت، ما صعّب عملية نقل صورة دقيقة عن حجم الاحتجاجات. وفي هذا السياق، قال ترامب إنه سيناقش مع رجل الأعمال إيلون ماسك إمكانية توفير خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية داخل إيران، باستخدام شبكة "ستارلينك"، في خطوة أثارت ردود فعل متباينة.

وفي مشاهد لافتة، تداول ناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع تُظهر مسيرات ليلية حاشدة في العاصمة طهران، وسط هتافات غاضبة، وظهر أحد المشاركين في تسجيل مصور وهو يؤكد أن أعداد المحتجين "تفوق الحصر"، في مؤشر على اتساع رقعة المشاركة الشعبية.

في المقابل، عرض التلفزيون الإيراني الرسمي لقطات لعشرات الأكياس التي تضم جثثًا أمام مكاتب الطب الشرعي في طهران، وقال إن القتلى سقطوا في أحداث نفذها "مسلحون وإرهابيون" كما أظهرت مشاهد أخرى تجمع مواطنين أمام مركز كهريزك للطب الشرعي في انتظار التعرف على جثامين ذويهم. وأعلنت السلطات الحداد الوطني لثلاثة أيام، تكريمًا لما وصفته بـ"ضحايا المقاومة".

واتهمت الحكومة الإيرانية الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي بالوقوف خلف الاضطرابات، داعية إلى تنظيم مسيرات شعبية واسعة للتنديد بما وصفته بـ"الأعمال التخريبية المدعومة خارجيا" ويأتي هذا التصعيد الإعلامي في وقت تحاول فيه طهران إظهار قدرتها على السيطرة على الشارع ومنع انزلاق الأوضاع إلى فوضى أوسع.


دوليًا، تابعت الصين التطورات بحذر، حيث أعربت عن أملها في أن تتمكن الحكومة والشعب الإيراني من تجاوز الأزمة والحفاظ على الاستقرار. وأكدت بكين رفضها لاستخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، مشددة على تمسكها بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وضرورة احترام سيادة وأمن إيران وفقًا للقانون الدولي.

من جهته، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الوضع الأمني في البلاد بات "تحت السيطرة الكاملة"، معتبرًا أن التهديدات الأميركية شجعت ما وصفهم بـ"الإرهابيين" على استهداف المدنيين وقوات الأمن، بهدف استدعاء تدخل أجنبي. وشدد عراقجي على أن الدولة ستتعامل بحزم مع أي محاولات لزعزعة الاستقرار.

وتأتي هذه الاضطرابات في وقت تعيش فيه إيران تداعيات حرب العام الماضي، التي أضعفت موقعها الإقليمي، خصوصًا بعد الضربات التي تعرض لها حلفاؤها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله اللبناني، في أعقاب حرب غزة. كما تزامنت الأزمة مع تصعيد أميركي أوسع على الساحة الدولية، ما يثير مخاوف من انزلاق الوضع الإيراني إلى مواجهة مفتوحة.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سياسة دولية إيران الاحتجاجات الولايات المتحدة الصين إيران الولايات المتحدة الصين الاحتجاجات المزيد في سياسة سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

"بروكسل للأبحاث": كلما تأخر توقيع التفاهم بين واشنطن وطهران زادت احتمالات عودة التصعيد

قال الدكتور رمضان أبو جزر، مدير مركز بروكسل الدولي للأبحاث، إن التأخر في توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران يعزز فرص العودة إلى القتال، فهناك خطاب متشدد برز مؤخرًا في إيران، ويبدو أن الطرف المرتبط بالحرس الثوري الإيراني بات أكثر تأثيرًا من الطرف الدبلوماسي، ممثلًا برئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي.

وأضاف خلال مداخلة مع الإعلامي همام مجاهد، على قناة القاهرة الإخبارية، "نشهد اليوم موقفًا إيرانيًا معلنًا يرفض الاشتراطات الأمريكية، ويرفض أي محاولة لفرض مزيد من الشروط من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وفي المقابل، تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا على إسرائيل، التي تعمل بدورها على إفشال أي اتفاق محتمل من خلال توسيع نطاق الاشتباكات والتوغل في الأراضي اللبنانية على حساب المناطق التي يسيطر عليها حزب الله".

وتابع: "كل هذه المعطيات تشير إلى أننا لسنا قريبين من توقيع مذكرة التفاهم، حتى وإن كانت هذه المذكرة غير ملزمة قانونيًا، إلا أنها تمهد الطريق للوصول إلى اتفاق خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة".

وواصل: "يصب هذا التأخير في مصلحة المتشددين أو ما يمكن تسميتهم بـ الصقور في الطرفين، فقد تحدثت عن ملاحظة تتعلق باستعادة الصقور نفوذهم في القرار السياسي داخل طهران، لصالح الحرس الثوري الإيراني وعلى حساب التيار الدبلوماسي".

واختتم: "في واشنطن، يبدو أن اللوبي المؤيد لإسرائيل يمارس ضغوطًا على الرئيس دونالد ترامب لعدم تمرير هذا الاتفاق، أو لفرض شروط إضافية من شأنها أن تؤدي إلى رفض إيراني، بما يسمح باستمرار حرية الحركة للحكومة الإسرائيلية أو الجيش الإسرائيلي في استهداف الأراضي اللبنانية".

اقرأ المزيد..

خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيء.. و”العنف الأسري” ليس من هدي الإسلام خالد الجندي: عصر “التزييف الرقمي” يفرض علينا حسن الظن وسوء الظن يهدم المجتمعات الزراعة: مستهدفات توريد القمح تصل لـ 5 ملايين طن ومصر الثانية عالميًا بإنتاجية الفدان أستاذ علوم سياسية: جبهة لبنان ورقة ضغط إيرانية ومسار ترامب البديل “هدن مؤقتة” خبير اقتصادي: "حياة كريمة" المبادرة الأضخم تاريخياً لبناء المواطن المصري "مجنون وناكر للجميل".. ترامب يكيل السباب لـ نتنياهو أستاذ إدارة أعمال: استمرار الصراع الأمريكي الإيراني يهدد بـ "ركود تضخمي" يضرب أسواق المال باحث علاقات دولية: إيران تشكك في مصداقية ترامب وهدنة لبنان "فخ عسكري" لتثبيت الاحتلال الصليب الأحمر اللبناني: لبنان يئن تحت وطأة "كارثة إنسانية" والنزوح المتكرر أقسى من الحرب باحثة علاقات عامة: التفاوض المباشر مع الاحتلال خيار لبنان لحماية سيادته

مقالات مشابهة

  • قتيلان خلال احتجاجات في كينيا رفضاً لمركز أمريكي لعلاج إيبولا
  • ترامب يعلق على توقف المحادثات مع إيران.. ويوجه رسالة إلى طهران
  • ترامب ينفي توقف محادثات واشنطن وطهران: الاتصالات مستمرة بلا انقطاع
  • الطريق إلى اليورانيوم الإيراني.. ما هي الخطة X الأمريكية حال فشل المفاوضات مع طهران
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • "بروكسل للأبحاث": كلما تأخر توقيع التفاهم بين واشنطن وطهران زادت احتمالات عودة التصعيد
  • إغلاق المستشفى الإيراني في دبي وتجميد أمواله ومنع رئيسه من السفر
  • محافظ الأنبار من القائم والرمانة: الوضع المائي تحت السيطرة
  • المواصفات الكاملة لـ تويوتا راف 4.. وكم يبلغ سعرها؟
  • خلافات جديدة تعرقل الاتفاق الأمريكي الإيراني.. طهران تطلب تعديلات وترامب يتمسك بالتشدد