تدخل إيران مرحلة شديدة الخطورة مع اتساع احتجاجات شعبية غير مسبوقة، وتزايد القمع الأمني، وقطع الاتصالات، بالتزامن مع تصعيد أمريكي عسكري واستخباراتي. مشهد داخلي مضطرب يتقاطع مع صراع إقليمي ودولي مفتوح، يضع النظام أمام اختبار وجودي حاسم.

امتدت الاحتجاجات بسرعة إلى أكثر من مائة مدينة وبلدة، وسقط عشرات القتلى وآلاف المعتقلين، ما دفع السلطات إلى قطع شبه كامل للإنترنت والاتصالات، بهدف عزل الداخل الإيراني ومنع تداول المعلومات والتنسيق بين المحتجين واحتواء الغضب المتصاعد في المناطق كافة.

يتزامن الانفجار الداخلي مع تلويح أمريكي صريح باستخدام القوة العسكرية، وتحركات عسكرية مكثفة في المنطقة، إلى جانب اتهامات إيرانية مباشرة للموساد الإسرائيلي والمخابرات الأمريكية بالوقوف خلف الاضطرابات، ما ينقل الأزمة من احتجاج داخلي إلى صراع سياسي وأمني مفتوح لأبعاد الخطيرة.

مع تصاعد حدة المظاهرات، قطعت السلطات الإيرانية خدمات الإنترنت في طهران وعدد كبير من المدن، ما تسبب في شلل واسع للاتصالات الدولية وتعذر المكالمات من الخارج، وتوقف تحديث المواقع الإخبارية المحلية، إضافة إلى إلغاء رحلات جوية بين إيران وعدد من الدول المجاورة. تندرج هذه الخطوة ضمن سياسة أمنية تلجأ إليها السلطات خلال موجات الاحتجاج الكبرى، بهدف تعطيل التنسيق بين المتظاهرين والحد من تسريب الصور والمعلومات إلى الخارج. في المقابل، بث التليفزيون الرسمي مشاهد لحرائق طالت حافلات ومحطات مترو وبنوك، واصفًا ما يجري بأنه «أعمال شغب منظمة».

ووفق منظمات حقوقية، أسفرت الاحتجاجات عن مقتل أكثر من خمسين متظاهرًا واعتقال ما يزيد على ألفي شخص خلال نحو اثني عشر يومًا. كما شهدت مدينة زاهدان، ذات الغالبية البلوشية، إطلاق نار على متظاهرين عقب صلاة الجمعة، ما أدى إلى سقوط عدد من المصابين.

أظهرت مقاطع فيديو موثقة خروج مئات المتظاهرين في طهران ومدن أخرى، وهم يرددون شعارات مباشرة ضد رأس النظام، من بينها «الموت لخامنئي» و«الموت للديكتاتور». عكس هذا المشهد تحولًا واضحًا في طبيعة الاحتجاجات، من مطالب معيشية واقتصادية إلى دعوات صريحة لتغيير النظام.

في المقابل، شن المرشد الأعلى علي خامنئي هجومًا حادًا على المحتجين، واتهمهم بالعمل لصالح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وحذر من أن إيران «لن تتسامح مع من يتصرفون كمرتزقة للأجانب»، مؤكدًا أن النظام «وصل إلى السلطة بدماء مئات الآلاف ولن يتراجع أمام المخربين».

ومع تصاعد التوتر، برزت اتهامات رسمية وإعلامية إيرانية بتورط أجهزة استخبارات أجنبية في دعم الاحتجاجات، وعلى رأسها الموساد الإسرائيلي والمخابرات الأمريكية، متهمة إياها بتحويل الغضب الاجتماعي إلى أداة منظمة تستهدف إضعاف النظام من الداخل وزعزعة استقرار البلاد.

وجاءت هذه الاتهامات عقب بيان غير مسبوق نشره جهاز الموساد باللغة الفارسية عبر منصة «إكس»، أعلن فيه دعمه العلني للمتظاهرين بقوله إن «شعب إسرائيل يقف إلى جانب الشعب الإيراني». اعتبرت طهران البيان تدخلًا مباشرًا في شئونها، وهو ما عززه تصريح مايك بومبيو، الذي كتب مهنئًا «كل إيراني في الشوارع، وكل عميل للموساد يسير بجانبهم».

أعلنت الحكومة الإيرانية أنها كشفت عن هوية الشخص الذي تصفه بحلقة الوصل بين جهاز الموساد ومثيري الاضطرابات داخل البلاد، ويدعى «مِهرداد رحيمي»، مؤكدة إلقاء القبض عليه بعد متابعة أمنية مطولة لنشاطه خلال الفترة الماضية.

ووفق الرواية الرسمية، يعد رحيمي أحد كبار ضباط الموساد، وكان يستخدم حسابًا مزيفًا باسم «امرأة هولندية تدافع عن حقوق المرأة الإيرانية» على مواقع التواصل الاجتماعي، مستغلًا هذا الغطاء للتواصل مع ناشطين وجمع معلومات أمنية حساسة.

وأشارت السلطات إلى أن المتهم كان يجمع سرًا بيانات عن أفراد ومواقع تابعة للأجهزة الأمنية الإيرانية، قبل تسريبها إلى وسائل إعلام أجنبية وشبكات على صلة بالمخابرات الإسرائيلية، بما يخدم، بحسب طهران، جهود تأجيج الاحتجاجات وتوسيع نطاقها.

وفي هذا السياق، بررت الحكومة الإيرانية قرار قطع الإنترنت بأنه إجراء أمني يهدف إلى منع التنسيق بين ما تصفه بخلايا مرتبطة بالموساد.غير أن طهران اتهمت إيلون ماسك، المعروف بقربه من دوائر أمريكية داعمة لإسرائيل، بإعادة تشغيل شبكة الإنترنت الفضائي «ستارلينك» داخل إيران.

واعتبرت السلطات الإيرانية أن تشغيل «ستارلينك» تم تحت ذريعة «دعم المتظاهرين»، بينما الهدف الفعلي تمثل، وفق اتهاماتها، في مساعدة عناصر استخباراتية أجنبية على استكمال مهامها والتواصل مع شبكات داخل البلاد رغم إجراءات الحظر.

وعلى الضفة الأخرى، صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته تجاه طهران، ملوّحًا بإمكانية تنفيذ عمل عسكري إذا واصلت السلطات استخدام القوة ضد المحتجين، ومؤكدًا أن واشنطن «على أهبة الاستعداد» لضرب إيران، واصفًا ما يجري داخلها بأنه «خط أحمر» لن تسمح بتجاوزه.

تزامن التصعيد الكلامي الأمريكي مع تحركات عسكرية واسعة في الشرق الأوسط، إذ تحدثت تقارير استخباراتية عن نقل معدات عسكرية ثقيلة إلى قواعد أمريكية في المنطقة، ورصد تحليق أكثر من ثلاثين طائرة نقل عسكري وطائرات للتزود بالوقود قادمة من أوروبا.

تعزز هذه التحركات فرضية استعداد واشنطن لخيارات عسكرية متعددة، تتراوح بين تنفيذ ضربات محدودة وفرض ردع مباشر على طهران. الرسائل العسكرية جاءت متزامنة مع خطاب سياسي متشدد، ما يعكس تنسيقًا واضحًا بين الأداتين العسكرية والإعلامية.

في الداخل الإيراني، اندلعت الاحتجاجات على خلفية انهيار اقتصادي حاد، تمثل في تراجع قيمة الريال وتجاوز معدلات التضخم 40%، إلى جانب ارتفاع أسعار الغذاء والإيجارات، وبطالة مرتفعة، وأجور لم تعد تغطي الحد الأدنى من تكاليف المعيشة.

وتفاقمت الضغوط الاجتماعية بفعل أزمة مياه خانقة، ناجمة عن الجفاف وسوء الإدارة، شملت جفاف أنهار تاريخية وتقلص بحيرات كبرى. هذه العوامل مجتمعة عمقت الغضب الشعبي، ووسعت قاعدة الاحتجاجات خارج الدوائر الحضرية الكبرى.

في ظل هذا الاحتقان الداخلي غير المسبوق، يتقاطع الضغط الاقتصادي مع تصعيد استخباراتي وإعلامي خارجي، وتهديد أمريكي باستخدام القوة، ما يضع إيران أمام معادلة شديدة الخطورة تتجاوز إدارة أزمة داخلية تقليدية.

وتبقى السيناريوهات مفتوحة بين احتواء أمني قاسٍ، أو انزلاق البلاد إلى مواجهة أوسع تتحول فيها الاحتجاجات إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، في ظل حسابات أمريكية ترتبط بالنفط والغاز الإيرانيين، وتأمين المصالح الاستراتيجية، وضمان أمن الحليف الإسرائيلي، والتحكم في معادلات الطاقة العالمية.

اقرأ أيضاًترامب: ندرس الخيارات العسكرية لضرب إيران

إيران لمجلس الأمن: نرفض محاولات التحريض على العنف والتدخل في شئون الدول

عاجل| إيران تستدعي سفير بريطانيا بعد نزع محتج لعلم البلاد من فوق سفارتها بلندن

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: إيران طهران

إقرأ أيضاً:

«نتنياهو»: نظام إيران يتصدع ولن يعود كما كان

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن نظام إيران “سيسقط في نهاية المطاف”، مشيراً إلى أن طهران دفعت “ثمناً باهظاً” خلال الفترة الأخيرة.

وأضاف نتنياهو، خلال مراسم توديع رئيس جهاز الموساد ديفيد بارنيا، أن “قواعد وأسس النظام الإيراني قد تصدعت”، مؤكداً أن ما وصفه بـ“نظام الرعب” في إيران لم يعد كما كان عليه سابقاً.

وتابع رئيس الوزراء الإسرائيلي أن النظام الإيراني “لن يعود أبداً إلى ما كان عليه”، مشيراً إلى أن نهايته الحتمية ستكون السقوط، وفق تصريحاته.

إيراننتنياهوأخبار السعوديةأخر أخبار السعوديةقد يعجبك أيضاً«نتنياهو»: سياستي تشبه سياسة «ترامب» ولا تزال كما هي «لن تمتلك إيران أسلحة نووية»فريق التحرير24 مايو 2026نتنياهو: وجهنا ضربة كبيرة لإيران لكن الحرب لم تنته بعدفريق التحرير10 مايو 2026اتفاق وشيك بين واشنطن وطهران.. تفاهم مرتقب ينهي الحرب خلال 48 ساعةفريق التحرير06 مايو 2026رئيس الوزراء العراقي: بغداد يمكنها الوساطة بين إيران والولايات المتحدةفريق التحرير05 مايو 2026

مقالات مشابهة

  • إيران تعلن ترتيبات جنازة خامنئي.. ما القصة؟
  • إيران تعلن ترتيبات تشييع خامنئي في 3 مدن.. واستعدادات لاستقبال ملايين المشيعين
  • إيران تكشف عن خطة تشييع المرشد علي خامنئي ومكان دفنه
  • قتيلان خلال احتجاجات في كينيا رفضاً لمركز أمريكي لعلاج إيبولا
  • بعد 94 يوماً على اغتياله.. إيران تكشف تفاصيل جديدة حول تشييع علي خامنئي
  • بعد 94 يوماً من التأجيل.. إيران تعلن مكان تشييع ودفن خامنئي
  • «نتنياهو»: نظام إيران يتصدع ولن يعود كما كان
  • سلطات مدينة نيوآرك الأمريكية تحظر التجول حول مركز احتجاز المهاجرين بسبب الاحتجاجات
  • خلافات جديدة تعرقل الاتفاق الأمريكي الإيراني.. طهران تطلب تعديلات وترامب يتمسك بالتشدد
  • إيران.. الحرس الثوري يعلن ضبط شحنة معدات عسكرية بمنطقة أرومية