بين الفيلم والرواية: أعمال فنية كشفت حدود الخيانة الإبداعية
تاريخ النشر: 12th, January 2026 GMT
يقفز إلى سطور المقالات النقدية سؤال عبثي موحد فور عرض أي فيلم سينمائي مأخوذ عن رواية، وهو: إلى أي مدى التزم العمل السينمائي بالنص الأصلي؟ ويخفي السؤال "سوء فهم" بين نوعين من الفن، أحدهما قديم جدا، والآخر يطلق عليه أحدث الفنون، وهو الفن السابع.
تدخل الرواية، وهي صوت داخلي وزمن وجداني وذهني، إلى السينما التي تعتمد على الصورة والتجسيد واللون والضوء، فيحدث ما يشبه التصادم الذي ينتج عنه عمل يتفجر جمالا، أو حادث فني مؤسف.
لا يتوقف الجدل، في الكثير من الحالات، عند حدود النقد، بل يتحول إلى معركة إعلامية بين الروائي والمخرج، خاصة أن الكثيرين ينظرون إلى الفيلم السينمائي باعتباره ترجمة بصرية لأحداث القصة.
في المشهد الثقافي العربي، تبرأ نجيب محفوظ من الأفلام المأخوذة عن رواياته بتأكيده أنها مسؤولية المخرج، واستغاث صبري موسى بعد تحويل روايته "قاهر الزمن" إلى فيلم لم ير بينه وبين الرواية أي مشترك يذكر.
أما في الغرب، فقد اعترض الروائي البريطاني أنتوني برجس على ما قدمه ستانلي كوبريك في فيلم "البرتقالة الآلية" (A Clockwork Orange)، وغضب ستيفن كينغ من معالجة فيلم "السطوع" (The Shining)، وهي انفعالات كاشفة لصدام أعمق بين خيال الكاتب ورؤية المخرج.
ما السر في هذا الصراع المتجدد؟ وهل ينبغي على الفيلم أن يكون وفيا للنص المكتوب؟ وهل للسينما لغة خاصة، ووسائل تعبير تميزها عن الكتابة وتجعل من أسئلة الرواية حملا ثقيلا ينبغي التخفيف منه أو استبداله في قاعة العرض؟
تحويل وليس ترجمةورثت السينما سؤال الالتزام بالنص باعتباره حمل ثقيل يضع الرواية في تسلسل هرمي ثقافي فوق الفيلم، والنص المكتوب فوق الصورة، وهو -بشكل ما – دافع قوي للسينمائي ليحاول إثبات ذاته في مواجهة النص، لكن هذا لا يفسر اختلاف الفيلم عن الرواية.
يقول الناقد والمنظر السينمائي الفرنسي أندريه بازان إن "السينما ليست لغة يمكن ترجمتها حرفيا من الأدب، فقيمة الاقتباس لا تكمن في الوفاء الشكلي، بل في إعادة اكتشاف العمل عبر نظام جمالي مختلف".
إعلانوفي كتابها "نظرية الاقتباس" (A Theory of Adaptation)، تقول ليندا هيتشيون إن "الاقتباس ليس استنساخا، بل فعل تفسير وإعادة خلق، حيث يعاد العمل الأصلي إلى الحياة ضمن شروط وسيط جديد وجمهور جديد".
وطبقا لبازان وهيتشيون، فإن الخيانة الإبداعية للرواية لا تبدو انحرافا عن الأصل، وإنما ضرورة تصنع أصالة الفيلم وملامحه الفنية، وتكشف عن اختلاف جذري في طريقة تفكير كل وسيط وإنتاجه للمعنى.
فالرواية ليست مجرد تسلسل أحداث قابل للنقل، وانما فضاء ينتج المعنى عبر التفكير، بينما السينما تجسد بالجسد والحركة واللون والصمت والموسيقى، إنها لغة الصورة وليست لغة الكلمة.
الخيانة الإبداعية كخيار فنيتعامل كثير من المخرجين صراحة مع فكرة الانحراف عن النص بوصفها شرطا للعمل السينمائي. وإذا كان ناقد "كراسات السينما " الفرنسي الراحل أندريه بازان قد حذر مبكرا من وهم الترجمة الحرفية، معتبرا أن السينما لا تنجح بإعادة إنتاج الأدب، بل بإعادة اكتشافه عبر نظام جمالي مختلف، فقد عبر ستانلي كوبريك عن هذا المنطق بعبارته الشهيرة "أفضل طريقة لاقتباس كتاب هي قراءته ثم نسيانه".
والتزم كيوبريك بكلماته حرفيا حين أخرج رواية "البرتقالية الآلية" لأنتوني برجس، حيث ألغى فكرة الخلاص الأخلاقي، ليعيد توجيه صياغة السؤال حول عنف السلطة. وجاء اعتراض برجس لاحقا على الفيلم، واتهامه لكيوبريك بتغيير معنى الرواية، لكنه لم يكن سوى تأكيد على استقلال الفيلم كفن.
للسينما قواعدها الخاصة، فالتأملات الفلسفية في رواية "ولا وطن للعجائز" لا مكان لها في الفيلم، حتى لو أدى ذلك إلى تخلي الأخوان كوين عن السؤال الأخلاقي، فسؤال: ما معنى الشر" ينتمي لفضاءات الرواية، وعلى السينما أن تستبدله بسؤال آخر هو "كيف نتراجع في عالم تتراجع فيه قيمة المعنى؟"، وهو ما يوضح أحد أهم ملامح السينما باعتبارها الفن الوحيد الذي لم ينشأ من رحم المقدس كالمسرح والشعر والكتابة بشكل عام، والذي تبدو الاختيارات من منظوره جماليات، فالجمال الكامل هو الكمال الأخلاقي.
السينما العربية: خيانة ضرورية هربا من الرقابةتتخذ أزمات الاقتباس من الروايات منحى أكثر حدة في العالم العربي لأسباب تتعلق بالرقابة والسياق السياسي، ولعل المثال الأشهر في ذلك هو أديب نوبل نجيب محفوظ. لم يكتف مخرجون مثل كمال الشيخ وحسين كمال بنقل الحكاية، ولكنهم أعادوا صياغة بعدها الأخلاقي.
في فيلم "اللص والكلاب" (1962)، يصبح عالم سعيد مهران الداخلي عبارة عن جسد مطارد في فضاء حضري معادٍ، ويتغير السؤال من خيانة الفرد لقيمه إلى خيانة مجتمع كامل لأبنائه.
يلعب الصمت والظل دور التأمل الفلسفي لمحفوظ في الرواية، ويتحول العمل إلى صرخة ألم وإدانة لمرحلة ما بعد ثورة يوليو/تموز 1952. ورغم قبول نجيب محفوظ لهذا "التغيير" في جوهر الرواية، إلا أنه أوضح بنضوج وفهم شامل للفارق بين السينما والرواية أن السينما تفسر الرواية ولا تنسخها.
أما فيلم "ثرثرة فوق النيل" (1971)، فيغلق أفق رواية محفوظ تماما حتى يكاد المشاهد نفسه يختنق في ذلك الفضاء السينمائي، الذي يتراجع فيه الحوار، وتنهار فيه الأخلاق بين أجساد ساكنة وقارب يترنح في نهر النيل.
إعلاناعترف حسين كمال، مخرج العمل، أن السينما لا تستطيع الدفع باتهامات مباشرة، ولكنها توحي بما تود أن تقوله، وكأن الفشل الذي كتب عنه محفوظ تحول على يد حسين كمال إلى حالة يمكن أن تشاهد على الشاشة.
وفي فيلم "دعاء الكروان" (1959)، تعد جرأة المخرج هنري بركات مضربا للأمثال، إذ أعاد صياغة رسالة الرواية في الفيلم، وقام بتحويل المنطق الأخلاقي والتأمل إلى دراما عاطفية تصور القمع والرغبة ومعاناة المرأة. ينضح الفيلم بالعاطفة، مثل سائر أفلام بركات، ليؤكد رؤيته أن السينما فن الإحساس قبل الفكرة، وأن ما تشرحه الرواية، تجعله الصورة محسوسا.
لغة السينما شرط النجاحتتجلى "الخيانة الإبداعية" في الغرب بأشكال أخرى، ففي فيلم "الغريب" (1967) (The Stranger)، يستبعد المخرج الإيطالي لوتشيانو فيسكونتي تجريد ألبير كامو الوجودي، ويؤطر البطل "مورسو" في سياق اجتماعي واستعماري، وحين يتبنى البطل سلوكا لامباليا نتيجة ظروف تاريخية، وليس توجها فلسفيا كما أكد كامو في روايته.
وفي فيلم "السطوع" (1980) (The Shining)، عارض الكاتب ستيفن كينغ معالجة ستانلي كوبريك لأنها غيرت الرعب النفسي إلى برود بصري، وهو اعتراض أصبح مثالا نموذجيا للصدام بين الكاتب والمخرج.
الاقتباس، هنا، ليس فعلًا ثانويا، يهدف إلى العثور على "حَدُّوتة" درامية والقبض على اسم كاتب شهير من أجل تسويق الفيلم، وإنما مواجهة فكرية يرفض خلالها المبدع السينمائي الالتزام بالأمانة، ويتجه إلى التركيز، معتبرا أن قراره الوعي بالخيانة ضرورة لنقل الرواية من فضاءات الأدب إلى فضاءات الصورة السينمائية.
وتكاد تكون "الخيانة الإبداعية" للرواية شرطا من شروط الجدية في التعامل مع النص الروائي الأدبي، فلولا اختيار المخرج داوود عبد السيد لشخصية "الشيخ حسني" من بين طيات رواية "مالك الحزين" للروائي الراحل إبراهيم أصلان، ما ظهر فيلم "الكيت كات" الذي تحول إلى واحد من كلاسيكيات السينما العربية، وهي إشارة إلى أن المخرج لا يتخلى عن المصدر أو العمل الروائي، وإنما يحاوره ويجادله ويخرج منه بأفضل ما فيه، وبالتالي فإن الأفلام التي تجرؤ على "خيانة النص" هي وحدها القادرة على البقاء.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات أن السینما فی فیلم
إقرأ أيضاً:
إصابات وقرارات فنية وإخفاقات.. لماذا يغيب نجوم كبار عن مونديال 2026؟
لم تكن غيابات عدد من أبرز نجوم كرة القدم عن كأس العالم 2026 نتيجة سبب واحد، بل جاءت انعكاسا لعوامل متعددة جمعت بين الإصابات والاختيارات الفنية وعدم نجاح بعض المنتخبات في الوصول إلى النهائيات.
وتكشف قائمة الغائبين أن الطريق إلى كأس العالم لا يعتمد فقط على موهبة اللاعب أو نجوميته، بل يرتبط أيضا بظروف جماعية وفنية قد تحرم حتى أكبر الأسماء من الظهور في البطولة الأهم عالميا.
أحد أبرز أسباب الغياب يتمثل في عدم تأهل بعض المنتخبات الوطنية، فالمهاجم النيجيري فيكتور أوسيمين، على سبيل المثال، وجد نفسه خارج المشهد بسبب فشل منتخب بلاده في حجز بطاقة التأهل، رغم المستويات الفردية التي قدمها خلال المواسم الماضية.
الأمر نفسه ينطبق على عدد من اللاعبين الذين يرتبط مصيرهم بمسار منتخباتهم الوطنية أكثر من أدائهم الشخصي، وهو ما يبرز الطبيعة الخاصة لكأس العالم باعتبارها بطولة تعتمد على الإنجاز الجماعي.
في المقابل، لعبت الإصابات دورا حاسما في استبعاد أسماء بارزة، فالمدافع الإسباني داني كارفخال واجه تحديات بدنية أثرت على حضوره، بينما فرضت الظروف الصحية نفسها على ملفات أخرى داخل المنتخبات المختلفة.
كما حضرت القرارات الفنية ضمن أسباب الغياب، وهي من أكثر الملفات إثارة للجدل دائما. فالمدربون يضعون اعتبارات متعددة عند اختيار القوائم، تتعلق بالانسجام التكتيكي والحالة البدنية ومستقبل الفريق وليس فقط بالأسماء اللامعة.
هذا الجدل يبرز خصوصا في حالة الإنجليزي كول بالمر أو ألكسندر أرنولد، حيث تتداخل الاعتبارات الفنية مع المنافسة الشرسة داخل منتخبات تمتلك وفرة كبيرة من المواهب.
ولا تتوقف المسألة عند النجوم أصحاب الخبرة، بل تمتد إلى المواهب الصاعدة مثل الأرجنتيني فرانكو ماستانتونو والفرنسي هوجو إيكيتيكي، وهما اسمان كان كثيرون ينتظرون ظهورهما على المسرح العالمي.
ومن اللافت أن نسخة 2026، رغم توسيعها إلى 48 منتخبا، لم تمنع استمرار ظاهرة غياب النجوم، ما يؤكد أن زيادة عدد المقاعد لا تعني بالضرورة حضور كل الأسماء الكبيرة.
وعلى مر تاريخ البطولة شهدت كأس العالم حالات مشابهة، إذ غابت أسماء أسطورية عن بعض النسخ لأسباب متباينة، ما جعل الغياب جزءا من الحكاية المونديالية وليس مجرد استثناء.
وربما يكمن الجانب الأكثر قسوة في المونديال في أنه لا يمنح فرصا كثيرة، فاللاعب قد ينتظر أربع سنوات كاملة قبل أن يكتشف أن الإصابة أو الإقصاء أو قرارا فنيا حرمه من الحلم الأكبر.
لذلك فإن قصص الغياب لا تقل تأثيرا عن قصص التأهل، بل تتحول أحيانا إلى عناوين رئيسية تسبق انطلاق المنافسات وتشغل الجماهير ووسائل الإعلام حول العالم.
وفي انتظار بداية البطولة، سيبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كانت المنتخبات ستنجح في تعويض هذه الغيابات أم أن أثرها سيظهر بوضوح داخل الملاعب.