المجلات العلمية المحكمة متى ترى النور
تاريخ النشر: 12th, January 2026 GMT
د. صالح بن ناصر القاسمي
منذ ما يقارب نصف قرن، شهدت بلادنا اهتمامًا بالغًا بالجانب التربوي والتعليمي؛ حيث أولى السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- هذا الجانب عناية خاصة، إدراكًا منه بأن نهضة عُمان الحقيقية لن تتحقق إلا بانتشار التعليم في ربوع الوطن. وقد عبّر عن هذه القناعة العميقة بمقولته الخالدة التي ستبقى راسخة في القلوب قبل العقول: "سنعلّم أبناءنا ولو تحت ظل الشجر".
لقد كانت تلك المرحلة معركة إرادة حقيقية، قادها السلطان الراحل، وسانده فيها شعب متعطش للعلم والمعرفة، وتفاعل معها أبناء عُمان الذين تلقّى بعضهم جانبًا من التعليم خارج البلاد آنذاك. وإنني أفخر، بل أعتز، بأنني كنت واحدًا من ذلك الجيل الذي التحق بركب التعليم في بدايات السبعينيات من القرن الماضي، حين كنا نستظل السماء في بداية الرحلة، في ظل غياب الفصول الدراسية المهيأة.
ثم نُصبت الخيام البيضاء، لتبدأ معها مرحلة جديدة من الفرح والبهجة، شعرنا خلالها بأن الدراسة اكتسبت طابعًا لم نألفه من قبل. ولم يمضِ وقت طويل حتى شُيّدت فصول دراسية من سعف النخيل، بالطابع العُماني المعروف بـ«العريش»، وقد أُقيمت على هيئة مستطيلات متقاربة، حتى إننا كنا نسمع شرح المعلم في الفصل المجاور، ومع ذلك كنا نُمعن التركيز مع معلمنا، حبًا في العلم، وربما خوفًا من المعلم، وهو الأرجح.
ولم نكد ننهي دراسة الصف السادس الابتدائي، حتى شُيّدت مدرستنا بالطراز الحديث، ولا أزال أستحضر تلك اللحظة الفارقة حين دخلنا مدرستنا الجديدة "مدرسة بلج بن عقبة الفراهيدي"، ونحن نهتف بحب الوطن مرددين: بلادي بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي. كانت لحظات سعادة خالصة، عشناها بصحبة كوكبة من المعلمين المتميزين من مختلف البلاد العربية، إلى جانب عدد من المعلمين العُمانيين.
ومضت الأيام تواكبنا خطوة بخطوة، وأنا أستحضر هنا حكاية جيل بأكمله، حتى جاءت اللحظة الفارقة في مسيرة التعليم في بلادنا، مع الإعلان عن افتتاح جامعة السلطان قابوس، ذلك الصرح العلمي الرائد. وكنت من المحظوظين حقًا، إذ كنت ضمن الدفعة الأولى التي التحقت بالجامعة، وعايشت لحظة افتتاحها تحت الرعاية السامية للمغفور له بإذن الله السلطان قابوس، -طيب الله ثراه-. وازداد حظي عندما تشرفت باستلام شهادة تخرجي من يده الكريمة، لتبقى تلك الذكريات خالدة في الذاكرة، وكأننا نعيشها اليوم.
وما سردناه من مقتطفات لا يمثل إلا جزءًا من مشهد التعليم في أرض وطننا الغالي، إذ إن ما ذكرناه ينطبق على مختلف أرجاء عُمان؛ حيث تشابهت الظروف، وتسابقت العزائم، وتوحدت الإرادة في سبيل ترسيخ الوعي وبناء الإنسان.
ومع توالي السنوات، انتشرت الكليات التعليمية تباعًا، وتبعها إنشاء عدد من الجامعات الخاصة، مدعومة من الحكومة، تشجيعًا للتعليم العالي، ورفدًا لمختلف القطاعات بكوادر وطنية مؤهلة، قادرة على تحمل مسؤوليات البناء والتعمير والتطوير. وقد لمسنا - ولله الحمد - ثمار هذا التوجه في شتى الميادين، غير أن طموحنا في مجال التعليم لا يزال مفتوحًا على المزيد.
فبعد أن قطعنا شوطًا كبيرًا في مسيرة التعليم، نشعر بأن هناك لبنة مفقودة نحتاجها بشدة، ويحتاجها الوطن بإلحاح، لما لها من أهمية بالغة، ألا وهي المجلات العلمية المحكمة. لا شك أن هناك بعض المجلات القائمة فعليًا - حسب ما نعلم - إلا أنها محدودة، وغالبًا ما تقتصر على خدمة الترقيات الأكاديمية فحسب. بينما نتطلع إلى مجلات علمية ذات طابع عالمي، يكون هدفها الأول خدمة الوطن والبحث العلمي.
ففي وطننا مئات الكفاءات العُمانية الحاصلة على الشهادات العليا، وقد آن الأوان لأن تُجمع طاقاتهم في إطار يخدم البحث العلمي بمختلف مجالاته، بل إن الطموح يمتد إلى إنشاء مراكز دراسات متخصصة تلبي الاحتياجات العلمية والفكرية.
إن الدول الطموحة تسعى جاهدة إلى إنشاء المراكز البحثية، إيمانًا منها بأن التطور والتقدم لا يمكن أن يتحققا بمعزل عن هذه المؤسسات. فالتخطيط الاستراتيجي لا يُجيد صناعته أفراد أو لجان مؤقتة، بل يحتاج إلى مراكز أبحاث متخصصة، تقدم إنتاجها بأسلوب علمي رصين، وتُمدّ أصحاب القرار برؤى مستقبلية شاملة، لتصبح مرجعًا وطنيًا يخدم أهدافًا طويلة الأمد.
ولقد اعتدنا في هذا الوطن العزيز أن ترافق كل مرحلة من مراحل البناء أدواتٌ تتناسب مع متطلباتها وتسهم في تحقيق أهدافها. وفي هذه المرحلة تحديدًا، نرى أن الحاجة باتت ملحّة إلى إنشاء مراكز دراسات علمية تواكب المستجدات، وتقدم كل ما هو جديد على الساحة العلمية. ونأمل أن يحظى هذا التوجه باهتمام أصحاب القرار في القريب العاجل، بعون الله وتوفيقه.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
زيارات الجبهات.. رسالة تلاحم وصمود في مواجهة الأعداء
فمنذ بدء العدوان بقيادة أمريكا والسعودية والإمارات في مارس 2015م، شكلت الجبهة الاجتماعية واحدة من الوسائل لرفع معنويات رجال الرجال في الجبهات، وزادتهم عزيمة وإصراراً على مواصلة أداء واجبهم الوطني، وهو ما يشاهده العالم في صمود الشعب اليمني وثباته في مواجهة الطغاة والمستكبرين وعلى رأسهم أمريكا وإسرائيل وأدواتهما في المنطقة، رغم فارق العدة والعتاد.
أبناء محافظة صنعاء السباقون في تعزيز الجبهة العسكرية لمواجهة العدوان يعتبرون زيارات المرابطين واجبًا وطنيًا وعملًا جهاديًا وإنسانيًا يكتسب أهمية كبرى وأبعادًا استراتيجية عميقة في ترسيخ الجبهة الداخلية ورفع الروح المعنوية، وتعزز الروابط المجتمعية والتلاحم الشعبي مع القوات المسلحة.
فلا يمر عيد أو مناسبة إلا وكان في مقدمة برنامجها زيارات الجبهات وتفقد أحوال المرابطين وتقديم الهدايا والقوافل، ومشاركتهم الأفراح العيدية، بهدف توثيق العلاقة بين رجال الجبهات وإشعارهم بأنهم ليسوا وحدهم في الميدان، وأن الشعب يقف خلفهم ويثمن تضحياتهم.
وتعكس الزيارات واللقاءات المباشرة للقيادات والشخصيات الاجتماعية مستوى العرفان بالجميل لأبطال يتركون أسرهم وبيوتهم لحماية الوطن، مما يعزز لديهم العزيمة والثبات، والأثر الكبير في شحذ الهمم واستلهام معاني الصبر.
وتمثل الزيارات أبعادًا استراتيجية تحمل في مضمونها رسالة قوية للخصوم والمتربصين بأن الجبهة الداخلية متماسكة وأن الشعب بكافة فئاته ملتف حول قضيته ومساند لخياراته، فضلا عن اسهامها في حالة الدعم النفسي والاجتماعي وزيادة تماسك القوات واستمرار الجاهزية العالية في مواقع الشرف والبطولة.
واستشعارًا للمسؤولية يواصل كافة أبناء الشعب اليمني صمودهم وثباتهم لإفشال كل المؤامرات والمخططات التي تستهدف الوطن، حيث أثبتوا أن الإرادة اليمنية قادرة على تجاوز التحديات وصناعة النصر مهما بلغت التحديات والتضحيات.
وأكد محافظ صنعاء عبد الباسط الهادي أن الأعياد الحقيقية تصنعها بنادق الأبطال في ثغور العزة والكرامة، ومن مشاركة هؤلاء الرجال العظماء مرابطتهم واستبسالهم يكتسب العيد معناه الأسمى.
وقال: "نزور الجبهات لننحني إجلالًا أمام هؤلاء الأبطال الأشاوس الذين يذودون عن حياض الوطن وعزته وسكينته في وقت يقضي فيه الجميع العيد بين أهليهم وذويهم، إنهم الصخرة الصماء التي تتحطم عليها كل المؤامرات".
وعبر المحافظ الهادي عن فخره واعتزازه بما لمسه من معنويات وجهوزية قتالية عالية لدى المرابطين، مشيرًا إلى أن هذه الروح الوثابة تطمئن أبناء الشعب بأن وطنهم في أيدٍ أمينة.
وأشار إلى أن هذه الزيارات في ظل مرحلة استثنائية يخوض فيها اليمن معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس، مؤكدًا أن موقف الشعب اليمني لن يتزحزح عن موقفه المبدأي في نصرة الشعب الفلسطيني وغزة، ومواجهة أي تصعيد من قبل أمريكا، وبريطانيا، وإسرائيل.
فيما أكد وكيل أول المحافظة حميد عاصم أن الواجب الوطني والمجتمعي في تقديم القوافل الغذائية والهدايا العيدية ليس مَكرمة، بل هو أقل الواجب وأدنى ما يمكن تقديمه لمن يقدمون أرواحهم رخيصة في سبيل الله والوطن، مشيرًا إلى أنها تمثل رسالة واضحة بأن القيادة والمجتمع يقفون صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص خلف أبطالهم المرابطين في الجبهات.
وأشاد بالوعي الكبير والسخاء اللا محدود لأبناء المحافظة، الذين لم يبخلوا يومًا بتقديم الغالي والنفيس، مؤكدًا أن هذا التلاحم بين الجبهة الشعبية والجبهة العسكرية هو السر الحقيقي وراء كل الانتصارات المحققة.
بدوره أكد مسؤول التعبئة العامة بالمحافظة فايز الحنمي أن صمود المرابطين في الجبهات هو الركيزة الأساسية للأمن والاستقرار الداخلي الذي يعيشه المجتمع، لافتاً إلى أن إدارة التعبئة العامة بالمحافظة، إلى جانب المرابطين سندًا شعبيًا وقبليًا لا يلين، وأن مسارات التدريب والتحشيد مستمرة دون توقف، وخريجو دورات طوفان الأقصى يتسابقون لرفد الجبهات والمشاركة في شرف الدفاع عن الوطن والأمة.
وطمأن المرابطين بأن الحاضنة الشعبية والقبلية في طوق صنعاء مستمرة في رفد الجبهات بالرجال والعتاد وقوافل العطاء.
ودعا الحنمي كافة الوجهاء، وأبناء القبائل الأوفياء في محافظة صنعاء، إلى استمرار اليقظة العالية، والدفع بالشباب إلى مراكز التدريب والتأهيل العسكري، فالعدو يتربص بالجميع، والقوة هي الضمانة الوحيدة لحماية سيادة واستقلال الوطن.