العراق المخطوف إيرانياً..والتغيير ليس صعباً
تاريخ النشر: 13th, January 2026 GMT
آخر تحديث: 13 يناير 2026 - 10:01 صبقلم: سعد الكناني لم يعد خافياً على أي متابع جاد للشأن العراقي أن النظام الإيراني هو الحاكم الفعلي للعراق، ليس عبر احتلال عسكري مباشر، بل من خلال منظومة نفوذ مركّبة نجحت في اختطاف الدولة من الداخل. فالعراق اليوم لا يُدار كدولة ذات سيادة، بل كساحة نفوذ، وكمخزن أزمات، وكرصيد استراتيجي يُستثمر لخدمة بقاء النظام الإيراني وتوسعه الإقليمي.
البرلمان العراقي الحالي، الذي يُفترض أن يكون تجسيداً للإرادة الشعبية، تحوّل إلى مؤسسة شكلية تعمل في الغالب ضمن السقف الذي ترسمه طهران. تركيبته، وقوانينه، وتحالفاته، وحتى أزماته المفتعلة، تعكس بوضوح أنه برلمان مُفصّل على قياس المشروع الإيراني، لا على قياس الدولة العراقية. ومن هنا فإن الحديث عن إصلاح أو تغيير من داخل هذه المنظومة ليس سوى وهم سياسي يُعاد تدويره لتخدير الرأي العام. لقد أثبتت التجربة منذ(2003) أن النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والإثنية ليس خللاً عارضاً، بل هو أداة حكم متعمَّدة تضمن تعطيل الدولة ومنع نشوء هوية وطنية جامعة. هذا النظام لا ينتج كفاءات، ولا يسمح بقيام مؤسسات مستقلة، ولا يحتمل سيادة القانون، لأنه صُمم ليكون هشّاً، قابلاً للاختراق، وخاضعاً لقوة الأمر الواقع المتمثلة بالميليشيات. إن أي أمل بالتغيير الحقيقي في العراق يظل وهماً ما لم يقترن بـ تغيير جذري للنظام السياسي نفسه، لا تبديل الوجوه داخله. التغيير المطلوب ليس انتخابياً فقط، بل بنيوي، يبدأ من: إنهاء نظام المحاصصة تفكيك منظومة السلاح خارج الدولة فصل الدين عن السياسة تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة تمتلك قرارها السيادي وتستند إلى شرعية داخلية حقيقية في هذا السياق، يبرز تشبيه العراق بفنزويلا بوصفه تحذيراً لا مجازاً. فكلا البلدين يمتلك ثروات هائلة، وكلاهما جرى تدميره اقتصادياً رغم موارده، وكلا الشعبين خضع لسلطة تحالف فاسد بين السياسة والسلاح والأيديولوجيا. غير أن خصوصية العراق تكمن في أن أزمته ليست محلية بالكامل، بل مرتبطة عضوياً بمشروع إقليمي تقوده إيران. العراق بالنسبة لطهران ليس مجرد جار ضعيف، بل: عمقاً استراتيجياً ممراً اقتصادياً بديلاً عن العقوبات خط دفاع أول عن النظام الإيراني نفسه ولهذا السبب تحديداً، فإن أي تحول وطني حقيقي في العراق يُنظر إليه في طهران كتهديد وجودي، وليس كتغيير سياسي طبيعي. ومن هنا نفهم شراسة المقاومة التي يواجهها كل صوت وطني مستقل، وكل محاولة لبناء دولة خارج الوصاية. إن السؤال الجوهري: هل يمكن إنقاذ العراق؟ ومتى يدرك المجتمع الدولي أن بقاء العراق رهينة لإيران لا يهدد العراقيين وحدهم، بل يزعزع توازن الإقليم بأسره؟.العراق، إن تُرك على هذا المسار، قد لا يكون مجرد “فنزويلا جديدة”، بل نموذجاً أخطر لدولة مخطوفة في قلب الشرق الأوسط، ما لم يُفتح أفق حقيقي لتغيير النظام السياسي وبناء دولة المواطنة والسيادة.
المصدر
المصدر: شبكة اخبار العراق
إقرأ أيضاً:
الحوكمة: خيار إداري أم ضرورة وطنية؟
د. سلطان العيسائي
أصبحت الحوكمة أحد المفاهيم المحورية في بناء المؤسسات الحديثة، لما تُمثله من إطارٍ يعزز كفاءة الأداء، ويرسّخ مبادئ الشفافية والمساءلة، ويدعم الاستخدام الأمثل للموارد والإمكانات بما يحقق الاستدامة المؤسسية والتنموية. وفي ضوء التحولات الإدارية والاقتصادية المتسارعة، برز الاهتمام بالحوكمة بوصفها أداةً استراتيجية لرفع كفاءة الدول وتعزيز قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة وبناء الثقة المؤسسية. ومن هذا التوجه، جاء إدراج الحوكمة ضمن المحاور الرئيسة في رؤية "عُمان 2040"، بما يعكس التوجه نحو ترسيخ الإدارة القائمة على الكفاءة والاستدامة والفاعلية المؤسسية.
وفي البيئة العمانية، لا يمكن النظر إلى الحوكمة بوصفها خيارًا إداريًا يمكن الأخذ به أو تجاوزه، بل باتت ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة القادمة، وما تتطلبه من رفع كفاءة الأداء الحكومي، وتعزيز جودة الخدمات، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، فالدول الحديثة لم تعد تُقاس فقط بحجم مواردها، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الموارد بكفاءة وفاعلية واستدامة.
وقد أكدت رؤية "عُمان 2040" هذا التوجه من خلال التركيز على مبادئ الحوكمة المؤسسية، والشفافية، والمساءلة، ورفع كفاءة الجهاز الإداري للدولة، وتحسين جودة الأداء المؤسسي، كما ارتبطت الحوكمة في الرؤية بمستهدفات تتعلق بتحسين التنافسية العالمية، وجذب الاستثمار، ورفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز النزاهة المؤسسية.
وتشير العديد من المؤشرات الدولية إلى وجود علاقة مباشرة بين تطبيق الحوكمة وتحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار المؤسسي، فوفقًا لتقارير البنك الدولي المتعلقة بمؤشرات الحوكمة العالمية، فإن الدول التي تحقق مستويات مرتفعة في الشفافية والمساءلة وسيادة القانون غالبًا ما تتمتع بمعدلات أعلى في جودة الخدمات العامة، والاستقرار الاقتصادي، وجاذبية الاستثمار. إلى جانب ذلك، فإن تقارير التنافسية العالمية تُظهر أن كفاءة المؤسسات تُعد من أهم العوامل المؤثرة في تقدم الدول اقتصاديًا وتنمويًا.
وعلى المستوى المحلي، شهدت سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية خطوات متقدمة في تطوير منظومة الحوكمة، سواء من خلال تحديث التشريعات، أو إعادة هيكلة بعض المؤسسات، أو التوسع في التحول الرقمي، أو تعزيز الرقابة المالية والإدارية، كما برز الاهتمام بتحسين كفاءة الأداء الحكومي، وتسريع الإجراءات، وتطوير الخدمات الإلكترونية، بما يعكس توجّهًا واضحًا نحو بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستدامة.
وفي قطاع التعليم العالي، تبرز الحوكمة الجامعية بوصفها أحد المرتكزات الرئيسة لتطوير الأداء الأكاديمي والإداري، من خلال تعزيز كفاءة اتخاذ القرار، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتحقيق التوازن بين الاستقلالية المؤسسية والمسؤولية التنظيمية، فضلًا عن ذلك، فإن جودة الجامعات لم تعد تُقاس بمخرجاتها التعليمية فحسب، وإنما بقدرتها على بناء منظومات إدارية فاعلة تستند إلى أسس الحوكمة الرشيدة، بما يسهم في رفع الكفاءة المؤسسية وتحقيق الاستدامة والتنافسية.
وتسهم الحوكمة بصورة مباشرة في بناء الثقة بين المؤسسة والمجتمع، وهي قضية جوهرية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، فكلما ارتفعت مستويات الوضوح والمساءلة والعدالة في اتخاذ القرار، زادت ثقة الأفراد بالمؤسسات، وارتفعت مستويات الرضا والاستقرار المؤسسي.
ومن جانب آخر، فإن غياب الحوكمة أو ضعف تطبيقها يؤدي غالبًا إلى تضارب الصلاحيات، وضعف الكفاءة، وهدر الموارد، وبطء اتخاذ القرار، وهي تحديات قد تؤثر بصورة مباشرة على جودة الأداء والتنمية، ومن هذا المنطلق؛ تُشكّل الحوكمة إطارًا تنظيميًا يهدف إلى ضبط العلاقة بين الصلاحيات والمسؤوليات؛ لتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي ورفع مستوى الفاعلية والشفافية في بيئة العمل.
إن التحولات الوطنية الكبرى التي تشهدها سلطنة عُمان تجعل من الحوكمة ضرورة استراتيجية لضمان استدامة التنمية وتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، فنجاح الرؤى الوطنية لا يعتمد فقط على وضوح الخطط، بل على وجود مؤسسات قادرة على التنفيذ بكفاءة، واتخاذ القرار بفاعلية، وإدارة الموارد وفق مبادئ الشفافية والمساءلة.
وعليه، فإن السؤال اليوم لم يعد: هل نحتاج إلى الحوكمة؟ بل كيف يمكن تعميق ثقافة الحوكمة وتحويلها إلى ممارسة مؤسسية يومية تُسهم في بناء جهاز إداري أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر قدرة على التكيف والاستدامة، ودولة أكثر جاهزية للمستقبل.