قد توحي لنا كلمة «الدين» بالعجز بوصفه عبئا يقيد الخيارات الاقتصادية أو يؤجل من الأزمات بدلًا حلها، غير أن القراءة والبحث المتعمق في هذه الأداة تكشف أن هذا التصور -رغم شيوعه- ليس حتميا ولا دقيقا في جميع السياقات.

خلال محطات مفصلية من التاريخ الاقتصادي لم يكن الدين العام نقيض الاستقرار، بل أحد أدواته ففي القرن التاسع عشر وخاصة في فرنسا وبريطانيا شكل الدين العام وسيلة لتنظيم المالية العامة ومصدر دخل مستقر لشرائح اجتماعية واسعة، بل ومكن هذه الدول من تمويل التحولات الكبرى دون اللجوء إلى صدمات ضريبية أو اضطرابات اجتماعية حادة، ولم يكن السؤال آنذاك عن حجم الدين بقدر ما كان عن غايته وشروطه وقدرته على خدمة النمو والاستقرار معا.

والمفارقة التي تكشفها التجربة التاريخية لنا هنا أن الدين العام في تلك المرحلة لم يُنظر إليه كحل طارئ للأزمات بل كجزء من النظام المالي نفسه، فقد كانت السندات الحكومية في ذلك الوقت أقرب إلى عقود ثقة بين الدولة والمجتمع، تستخدم لتدوير المدخرات وتمويل التحولات بهدوء دون أن تتحول إلى عبء سياسي، وهو ما يطرح سؤالا مفاده «متى يصبح الدين أداة بناء ومتى يتحول إلى عبء؟»

ويعود النقاش اليوم في سياق مختلف تماما؛ حيث تتجه مستويات الدين العام العالمي إلى الارتفاع بوتيرة متسارعة، مرشحة لتجاوز 95% من إجمالي الناتج المحلي هذا العام، والاقتراب من 100% مع نهاية العقد وفق التقديرات المرجعية الحديثة. غير أن ارتفاع الدين بحد ذاته ليس القصة كاملة، فالتحدي الحقيقي يكمن في المفاضلات الصعبة التي تواجهها الاقتصادات بين خفض الدين وبناء الاحتياطيات الوقائية، وبين تلبية احتياجات إنفاق ملحة تفرضها اعتبارات الدفاع، والحماية الاجتماعية، ودعم النمو في بيئة تتراجع فيها آفاق التوسع الاقتصادي وترتفع فيها تكلفة التمويل.

وتشير التجارب التاريخية والقراءات المعاصرة على السواء إلى أن الدين العام يصبح عبئا حين يستخدم لتأجيل الإصلاح أو تمويل استهلاك غير منتج، لكنه قد يتحول إلى محرك إيجابي إذا أحسن توظيفه ضمن أطر مالية واضحة، وهو ما يركز عليه العدد.. من ملحق جريدة عمان الاقتصادي، كما يفتح ملفات أخرى لتقييم أداء الاقتصاد خلال عام 2025، في ضوء تطورات أسواق الطاقة وتقلبات أسعار النفط والمتغيرات الاقتصادية الإقليمية والعالمية، ويرصد رؤى الخبراء وتوقعاتهم لعام 2026 بشأن مسارات النمو والقطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الطاقة والاستثمار والقطاعات المرتبطة بالتنويع الاقتصادي.

رحمة الكلبانية محررة الملحق

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الدین العام

إقرأ أيضاً:

ألمانيا تبدي قلقها "البالغ" من تصعيد محتمل بالشرق الأوسط.. غوتيريش: الوضع خارج السيطرة!

أعرب وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، اليوم الخميس، عن قلق بلاده "البالغ" بعد استهداف المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران ناقلة نفط سعودية في البحر، محذرًا من "تصعيد محتمل" للنزاع في الشرق الأوسط.

وقال بيستوريوس خلال جولة في جنوب غرب ألمانيا: "من الواضح أن (الوضع) يتطور في الاتجاه الخاطئ"، مضيفًا: "حاليًا، ليس ثمة ما يدل على إمكان التوصل الى وقف لإطلاق النار".

ومن جانبه، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الخميس، خلال اجتماع لمجلس الأمن من أن الوضع في الشرق الأوسط بات "خارج السيطرة".

اقرأ أيضا/ ترامب يلوّح بهجوم واسع على إيران ويؤكد أن إسرائيل قد تشارك فيه

وقال غوتيريش: "الوضع خارج السيطرة. إنه على شفير حال لا يمكن تصورها. المنطقة غارقة في دوامة من المواجهات لا تنفك تتوسع"، مضيفًا أن "أزمة تغذي أزمة أخرى وتصعيدًا يؤدي إلى تصعيد آخر".

وفي ذات السياق، أفاد موقع أكسيوس الإخباري بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قال في مقابلة أجريت اليوم الخميس إنه يدرس بجدية استئناف العمليات القتالية الموسعة ضد إيران، بما قد يشمل توجيه ضربات أكبر من تلك التي نفذت خلال عملية "ملحمة الغضب".

ونقل الموقع عن ترمب قوله: "لم يتألموا بالقدر الكافي بعد". وذكر الموقع، في الوقت ذاته، أن ترمب لم يتخذ قرارًا نهائيًا بهذا الشأن حتى الآن.

المصدر : التلفزيون العربي اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من الأخبار العربية والدولية ترامب يلوّح بهجوم واسع على إيران ويؤكد أن إسرائيل قد تشارك فيه محدث: ترامب: الاتفاق النووي مع السعودية مشروط بالتطبيع مع إسرائيل! روبيو: إيران ليست مستعدة لصفقة وستدفع ثمناً باهظاً الأكثر قراءة فرنسا تبحث إمكانية شراء تطبيق "بيغاسوس" التجسسي الإسرائيلي زعيم الحوثيين يهدد السعودية باستهداف منشآتها النفطية ردا على أي هجمات تقرير: علاقات إسرائيل والديمقراطيين ستتراجع أكثر بعد انتخابات الكونغرس مستشفى القدس يحقق إنجازًا جديدًا بتجاوز 1000 عملية قسطرة قلبية عاجل

جميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2026

مقالات مشابهة

  • المنافذ الحدودية في البصرة: إغلاق سفوان باقٍ لحين زوال الخطر
  • ثروت : أنا أول واحد قلت إن الفيفا فيها نيفة
  • خارج حسابات ميلان.. بن ناصر على أعتاب تجربة مختلفة!
  • تصعيد مرتقب.. واشنطن تدعو الأمريكيين للاستعداد لإلغاء الرحلات وإغلاق الأجواء بالشرق الأوسط
  • الخارجية الأمريكية تدعو رعاياها في الشرق الأوسط إلى الاستعداد لإغلاق المجالات الجوية
  • السودان يطلق مبادرة لتوسيع المظلة الضريبية.. و60% من النشاط الاقتصادي خارجها
  • ألمانيا تبدي قلقها "البالغ" من تصعيد محتمل بالشرق الأوسط.. غوتيريش: الوضع خارج السيطرة!
  • انتخاب السفير بن جامع رئيسًا للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة
  • غوتيريش: الوضع في الشرق الأوسط خارج السيطرة
  • المركزي التركي: ضغوط التضخم ومخاوف الركود تلقي بظلالها على توقعات النمو