لسنوات، ظل أهالي واحات مصر يتخذون المناطق المرتفعة التي توفر لهم الحماية من المغيرين واللصوص وقطاع الطرق مكانًا لبناء منازلهم في أزقة ضيقة، تتجاور بيوت العائلة الواحدة في هذه الأزقة، التي قد تطول أو تقصر حسب عدد أفراد العائلة، ويحيطون البلدة بأسوار وبوابات وحراس عليها بالليل، وتُبنى المنازل بالكرشيف والطوب اللبن والأحجار، وتُغطى سقوفها بجذوع الأشجار وجريد النخيل، وتُصنع الأبواب والنوافذ من أفلاق جذوع النخيل أو جريد النخيل.

واحات مصر

ومنذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي بدأ أهل واحات مصر التطلع لبناء منازلهم على النمط الحديث في الشكل والمساحة والمواد المستخدمة في البناء، بعد ارتفاع المستوى الاقتصادي لأهلها، والانفتاح على العالم، وخروجهم من عزلة السنين، ودخولهم عصر العولمة من خلال وسائل الاتصالات الحديثة، مثل شبكات التليفون الأرضية، ووصول الإرسال التلفزيوني، والتعليم في الجامعات، والوافدين إليها للعمل والسياحة.

ومع بداية الألفية الجديدة، والثورة في عالم الاتصالات، وارتفاع متوسط دخل الفرد لأهل الواحات، انطلقت الواحات إلى مرحلة جديدة أكثر تطورًا في البناء، كالمنازل متعددة الطوابق، أو المنزل ذو الدور الواحد، أو الدورين «الفيلات».

مدينة سيوة القديمة

وفي واحة الفرافرة، وحتى أوائل ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن بمنخفض الفرافرة سوى قرية وحيدة يُطلق عليها قصر الفرافرة، فوق تل يرتفع عما حوله بعشرة أمتار، وعدد سكانها 1500 نسمة. وقد بنى الأهالي مساكنهم بالأحجار والطوب النيء حول قصر الفرافرة، وهو قلعة أثرية يُطلق عليها الحصن، يرجع للعصر الروماني، مشيدة بالطوب اللبن. وكان الغرض من إنشائها حماية طرق القوافل التي تمر بصحراء المنطقة، وكان يلجأ إليه أهل الفرافرة عند الشعور بالخطر، وفي أعلاها فتحات تُستخدم لإطلاق النار، وبالحصن حجرات تُستخدم في تخزين الفائض من كل أسرة من القمح والبلح والزيتون والمشمش. وبسبب تساقط الأمطار، وبداية من عام 1945، انهار الحصن وصار أطلالًا بعد الأمطار الغزيرة التي انهمرت على الواحة عام 1958.

مدينة سيوة القديمة

ومنذ عام 1978، وعقب زيارة الرئيس محمد أنور السادات للواحة، بدأ عصر جديد في التنمية العمرانية، وبناء القرى الريفية الحديثة التي بها وحدات سكنية، ومدارس، ووحدات صحية، ومكاتب للبريد.

ونزل كثير من أهل الفرافرة من التل المرتفع إلى أسفله لبناء منازل جديدة، يستخدمون فيها تصميمات جديدة، ومواد حديثة في البناء، وبعد أن كانت واحة الفرافرة قرية وحيدة، دفع انتشار العمران في شتى ربوعها محافظة الوادي الجديد، التي تتبعها الواحة إداريًا، إلى تحويلها عام 1992 إلى مركز، ضم مدينة الفرافرة ووحدات محلية قروية، بلغ عددها قبل 2018 ست وحدات رئيسية و28 تابعًا لها.

وكانت واحة سيوة تتكون من ناحيتين: الناحية الأولى مدينة سيوة القديمة، والناحية الثانية مدينة الأغورمي.

مدينة سيوة القديمة

ويرجع تاريخ تأسيس مدينة سيوة، كما ورد في التاريخ المحلي للواحة، إلى عام 600 هجرية، أي 1203 ميلادية، وأُطلق عليها اسم (شالي) بمعنى المدينة في اللغة السيوية. وكانت الواحة تنقسم إلى سيوة شرق وسيوة غرب، ويجاورهما بعض النواحي القريبة والمتفرعة، كناحية الزيتون، وقريشات، وخميسة، وما يُطلق عليه بلد الرومي والمراغي.

وقد بنيت المدينة الأصلية فوق رابيه عالية، تظهر للرائي من بعيد كأنها بناء واحد أو قلعة حصينة، وليس لها فتحات أو ممرات مطلقًا إلا ممر واحد حصين جدًا. ومنازلها مشيدة طبقة فوق طبقة، ويبلغ مجموع طبقات البلدة ثماني طبقات. ويدخل النور منازلها من منافذ صغيرة على شكل مثلثات: نافذتين في الأسفل ونافذة في الأعلى. ويبلغ ارتفاع المنازل أحيانًا ما بين 40 إلى 60 مترًا، وهي سميكة من أسفل، وتأخذ في النقصان من سمك حوائطها تدريجيًا، لدرجة أن مآذن الجوامع القديمة تظهر على هيئة الشموع. وجميع مبانيها استُخدمت فيها مادة الكرشيف في البناء.

مدينة سيوة القديمة

والكرشيف عبارة عن ترسيبات طميية ورملية وملحية، متجمعة مع بعضها البعض على سطح التربة في الأراضي السبخية، حيث تم تكسيرها بأطوال تتراوح من 30 إلى 50 سم، وعرض من 15 إلى 25 سم، والسمك من 10 إلى 15 سم. ويصعب تحديد شكل وحجم تلك الأجزاء، لأن تفتيتها من الأجزاء الضعيفة، ومادة ترابط أحجار الكرشيف تتكون من الطفلة والكرشيف نفسه، بعد وضع الماء عليهما لمدة ثلاثة أيام.

ومن أساطير سيوة أن البلدة القديمة لها بوابة تُقفل وقت الحصار، وشوارعها ضيقة، ولكل شارع منفذ أُقيمت عليه بوابة حصينة مصنوعة من جريد النخيل، وخلفها السلاسل والمثاليث لإغلاقها عند الحاجة. والشوارع مظلمة، وليس بها دكان أو فسحة متسعة إلا في أماكن معينة بالقرب من بئر أحمد.

ويجاور بلدة سيوة القديمة بلدة الأغورمي، وهي مدينة سيوة القديمة في أيام الفراعنة والرومان، حيث نجد بقايا المعبدين الرئيسيين في الواحة، وهما: معبد النبوءة أو الوحي، ومعبد أم عبيدة، والذي يقع على مسافة كيلومتر واحد إلى الشرق من الأغورمي. لكن في العصور الوسطى تعرضت تلك المدينة القديمة للتخريب، الذي سببته اعتداءات البدو من البربر والعرب.

مدينة سيوة القديمة

وتماثل مدينة الأغورمي في البنيان مدينة سيوة، وتُستخدم مادة الكرشيف أيضًا في بناء منازلها. وهي مبنية على صخرة عالية على هيئة قلعة، تبدو لأهلها مطلة وحاكمة على جميع الجهات المجاورة. وأسفل الصخر عدد كبير من العيون المتفجرة، بعضها ساخن والبعض الآخر بارد.وتحوط البلدة أشجار النخيل.

أما شوارع الأغورمي فهي أكثر اتساعًا من شوارع مدينة سيوة. والبلدة لها مدخل واحد صعب المرتقى، ولهذا المدخل بوابة حصينة، وبداخلها بوابة أخرى يُقال إنها كانت تُحرس بأربعين حارسًا ليلًا، ومثلهم نهارًا. وبعد أن يمر الداخل من البوابة يمر بسراديب عميقة، وممرات عديدة، لا يمكن للغريب عنها أن يمر منها بسهولة، وخاصة أن بها مخازن للمؤونة، وبئرًا للشرب، ومعصرة للزيت، حتى إنه ليُقال: كان يمكنهم الصبر على الحصار نحو ثلاثة شهور. ويقع بئر الشرب أمام الجامع القديم، وبعد معصرة الزيت الجامع العتيق الذي يصل إلى فسحة من الأرض.

ويجد الزائر نفسه أمام بقايا معبدين أثريين من معابد قدماء المصريين، قد تهدم أكثرهما، ولم يبقَ منهما إلا بوابة المدخل وبعض كتابات هيروغليفية. وهذا الممر يؤدي إلى داخل المعبد، وبداخله حجرة الاجتماع المشهورة في التاريخ، التي تمت فيها المقابلة بين الإمبراطور العظيم الإسكندر المقدوني ورئيس كهنة آمون، يلتمس منه البركة، وينال منه اللقب العظيم ابنًا لآمون.

وفي عام 1820، أخضع محمد علي واحة سيوة للسلطة المصرية، وعندها شعر أهل سيوة بالأمن، فسمح مجلس الأجواد بالبناء خارج شالي «مدينة سيوة».

مدينة سيوة القديمة

وفي عام 1826، هطلت أمطار غزيرة استمرت لثلاثة أيام متتالية، وأدت إلى انهيار بعض المنازل وتصدع الباقي، لأن الكرشيف مادة لا تتحمل الأمطار، ومع غزارتها تتحول المنازل إلى أكوام من الطين. وهو ما أدى إلى قيام أصحاب المنازل بتركها خوفًا على حياتهم، والإقامة بالمباني الجديدة أسفل السفح، وقد أخذوا معهم أفلاق النخيل المستخدمة في الأسطح، والأبواب، والشبابيك الصالحة إلى منازلهم الجديدة.

وفي الواحات البحرية، ارتفع عدد المساكن في كل بلدة من بلدات الواحة إلى ما يقرب من 30 ضعفًا في عام 2023 عما كانت عليه منذ 40 عامًا، وهو نفس معدل الزيادة في مساحة العمران في بلدات الواحة. ولم يعد هناك ارتباط بإقامة المنازل فوق المرتفعات، بعد نهاية عصر قطاع الطرق واللصوص والمغيرين منذ سنوات طويلة.

وكان منزل العريس في كل واحات مصر لا يزيد عن حجرة واحدة في منزل أسرته، مثل بقية أشقائه الأكبر سنًا، الذين تزوج كل منهم في حجرة من نفس المنزل. وكانت حجرة العريس تُبنى بالطوب اللبن، أو الكرشيف، أو الحجر الرملي، وسقفها من جذوع وجريد النخيل، وتُبيض بالجير. وأساس الحجرة حصيرة، ومخدة، وبطانية أو لحاف للنوم.

وتوضع ملابس العروس والعريس على سباطة النخيل، يُعلق طرفاها في ركن الحجرة. ومع تبدل الأحوال، وتغير الظروف، وما حدث من تطور في شتى مناحي الحياة بالواحات، أصبح منزل العريس مستقلًا عن أسرته، ويحتوي على بعض أو كل الكماليات. والعريس أو المقبل على الزواج يقوم ببناء منزل تتراوح تكلفته ما بين مليون جنيه واثنين مليون جنيه، ويقوم بتصميمه مهندس، أو يأخذ تصميمه من شبكات التواصل الاجتماعي.

واحات مصر

وعلى الرغم مما حدث من تطور هائل لواحات مصر في البناء والتشييد للمنازل، والمدارس، والمستشفيات، والفنادق، فإن من تجاوز عمره الأربعين عامًا، وعاش في المنازل البسيطة التي بُنيت بالطوب اللبن أو الكرشيف في طفولته وصباه وصدر شبابه، يحمل ذكريات جميلة مع الأهل والأصحاب والجيران، خاصة في المناسبات السعيدة: الأعياد والأفراح. ورغم أنها صارت أطلالًا، وأن الكثير منهم رحل إلى المنازل الجديدة، فإن هذه الذكريات بقيت محفورة في الذاكرة والوجدان، تعود بين الحين والآخر.

اقرأ أيضاًواحات مصر.. من بيئة طاردة إلى جاذبة للسكان

من المدارس الأولية إلى الجامعة.. 100 عام على رحلة التنوير في واحات مصر

الصحراء البيضاء تشارك زوارها احتفالات أعياد رأس السنة

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: وحدات سكنية الفرافرة مدينة سيوة واحات مصر واحات مصر فی البناء

إقرأ أيضاً:

انخفاض ملحوظ بإجازات البناء والترميم خلال 2025

انخفاض ملحوظ بإجازات البناء والترميم خلال 2025

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • بروتين مصل اللبن في أزمة عالمية.. وتحذيرات من غشه
  • فعالية ثقافية وتحضيرية في صنعاء القديمة إحياءً لذكرى يوم الولاية
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • دون تسجيل إصابات.. انهيار منزل مبنى بالطوب اللبن بقرية طوخ بقنا
  • الحديدة .. بدء توريد وتركيب 190 منظومة طاقة شمسية لمزارعي النخيل المتضررين بالدريهمي
  • انخفاض ملحوظ بإجازات البناء والترميم خلال 2025
  • بكفالة مالية.. إخلاء سبيل متهم بتعريض حياة المواطنين للخطر علي الطريق بمصر القديمة
  • الحوار بين حضارات المدن القديمة (القاهرة - هانغتشو).. من أصول الحضارات إلى تصورات المستقبل
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش