تضمن نص نُشر في الثالث من يناير/كانون الثاني الجاري سطورًا قليلة وغامضة، تتحدث عن اختطاف رئيس دولة وزوجته. بدا الخبر صادمًا إلى حد يصعب تصديقه، مما يثير تساؤلًا أساسيًا: كيف تسمح وكالات أنباء كبرى بتمرير خبر كاذب من هذا النوع؟

غير أن الأيام التالية حملت تأكيدات متتالية من منابر إعلامية حول العالم، شملت وكالات دولية كبرى، وقنوات فضائية، ومواقع إخبارية، مدعومة بصور ومقاطع فيديو، مما منح الرواية زخمًا ومصداقية ظاهرية.

بدا المشهد برمته وكأنه لقطة عبثية مقتطعة من فيلم من نوع "المقاولات"، أُنتج بلا رؤية سياسية واضحة، لكنه متقن من حيث الإخراج السينمائي.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الفيلم التونسي"صوت هند رجب" ينضم إلى القائمة الطويلة لجوائز بافتا 2026list 2 of 2دي كابريو في الطريق للأوسكار وعميل برازيلي يكتسح جوائز "غولدن غلوب"end of list

الصدمة هنا لا تنبع فقط من غرابة الفعل سياسيًا أو قانونيًا، بل من كونه سلوكًا مألوفًا في المخيال الغربي، مشبعًا بانتهاكات واضحة لمفهوم السيادة. فالمشهد لم يهبط من فراغ، ولم يكن نتاج فوضى عابرة، بل خرج من أرشيف الخيال السياسي الغربي الذي غذّته السينما الأميركية لعقود، ودربت عليه جمهورها، ثم أعادت تقديمه باعتباره فعلًا مبررًا أخلاقيًا وقانونيًا.

هل سبق أن شاهدنا هذا المشهد؟ وهل مهّدت الولايات المتحدة سينمائيًا لإسقاط رئيس فنزويلا قبل محاولة إسقاطه سياسيًا وعسكريًا؟ الإجابة نعم.

إن مشهد الثالث من يناير/كانون الثاني الجاري ليس وهمًا ولا خيالًا محضًا، بل هو تجسيد عملي لسيناريو جرى اختباره سابقًا على الشاشة. إعادة إنتاج لفيلم قديم بوسائل جديدة. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: ما السيناريو الذي اتبعته الولايات المتحدة في "فيلم فنزويلا"، وكيف أعادت توظيفه في الواقع السياسي؟

ذروة درامية وسيناريو مسبق

في الموسم الثاني من مسلسل "جاك رايان" (Jack Ryan)، تنتقل فنزويلا من هامش السرد إلى مركزه، لتصبح مسرحا لتدخل أميركي مباشر، يصل حد المساس بشخص الرئيس نفسه. المسلسل، الذي عرض عام 2019، يبني حبكته الأساسية على صورة رئيس فنزويلي منزوع الشرعية، متهم بالفساد الأخلاقي والسياسي، ومتاح دراميا لكل أشكال الإقصاء، من العزل إلى المطاردة، وصولا إلى السجن.

الموسم الثاني من مسلسل جاك رايان حيث اختطف رئيس فنزويلا فنيا (آي ام دي بي)

في هذا البناء السردي، لا تقدم فنزويلا كدولة ذات سيادة، بل كمساحة فوضى تبرر الاستثناء. شخصية الرئيس مرسومة بملامح نمطية واضحة: قائد متشبث بالسلطة، فاقد للشرعية الانتخابية، ومصدر تهديد مباشر لشعبه. وضمن هذا الإطار، لا يحتاج السرد إلى براهين قانونية أو مسارات مؤسسية، إذ يعمل وفق منطق "البحث عن المنقذ" الذي لا بد أن يصل في مهمة خاصة تتجاوز القواعد.

إعلان

هذا الطرح الدرامي يجد صداه في الواقع، إذ يبرز تشابه لافت بين ما قدمه المسلسل وما شهدته كراكاس لاحقا؛ ففي الحالتين، انتقل مركز الصراع من الدولة إلى الشخص، ومن مفهوم السيادة إلى جسد الرئيس نفسه، الذي جرى التعامل معه كهدف مشروع، لا كرمز دستوري لدولة ذات سيادة.

يعمد المسلسل إلى تهيئة المشاهد لتقبل هذا المنطق عبر الإيقاع السريع ومشاهد الأكشن، حيث تقدم المطاردات بوصفها أدوات ضرورية لـ«استعادة النظام»، بينما يهمش تماما أي نقاش قانوني أو أخلاقي حول التدخل. فالجمهور مدفوع إلى التماهي مع البطل، الذي يتحرك خارج القانون بزعم «إعادة إنتاج العدالة».

لا يتعامل جاك رايان مع فكرة إخضاع رئيس دولة كذروة مأساوية أو انتهاك خطير، بل كحل سردي طبيعي للأزمة. تغيب الصدمة الأخلاقية، ويختفي القلق من خرق السيادة، ليبدو المشهد – بأثر رجعي – أقرب إلى "بروفة" درامية لفكرة اختطاف رئيس فنزويلا، قبل أن تغادر الشاشة إلى المجال السياسي.

استبدال السيادة بسردية الفوضى

استبدال السيادة بسردية الفوضى

تصنع الدراما في فيلم "اختطاف سريع" (Secuestro Express) (2005) للمخرج الفنزويلي جوناثان جاكوبوفيتش (Jonathan Jakubowicz) وهي سردية تقوم على نقل مركز الشرعية من الدولة إلى المجتمع. لا يهاجم الفيلم الرئيس مباشرة، ولا ينخرط في خطاب سياسي صريح، بل يبني صورة لواقع اجتماعي يجعل اختراق السيادة نتيجة تبدو منطقية ومحتومة.

صُوّر الفيلم في كراكاس وسط مناخ أمني مضطرب، ويروي قصة زوجين شابين يتعرضان للاختطاف أثناء تنقلهما ليلا في المدينة. السرد بسيط وشبه مباشر، لكنه يعتمد على إيقاع خانق، ومطاردات قصيرة، وحوارات مقتضبة، تجعل العنف فعلا يوميا معتادا. تظهر كراكاس كساحة تحكمها العصابات في غياب شبه كامل للدولة.

تكمن أهمية "اختطاف سريع" في وظيفته السردية؛ فهو لا يقول إن النظام السياسي فاسد، بل يوحي بأن المجتمع نفسه فقد القدرة على تنظيم حياته. وحين تختزل الدولة في شارع خطر، وتختزل السياسة في تهديد دائم، يصبح سؤال «السيادة» ترفا لا ضرورة له، ليندفع المشاهد — وفقا لمنطق الحكي ذاته — إلى السؤال الأهم: إذا كان المجتمع نفسه ضحية، فمن يحميه؟

عُرض الفيلم في مهرجانات كبرى، وقدم في النقاشات النقدية الغربية بوصفه شهادة على فشل الدولة في فنزويلا. واكتسب «اختطاف سريع» دلالة إضافية لاحقا مع حادثة خطف مادورو؛ فقبل أن يصبح الرئيس هدفا سرديا، جرى تصوير المجتمع كله بوصفه رهينة، وقبل المساس برأس الدولة، جرى تفريغ فكرة الدولة ذاتها من معناها.

هكذا جاء "اختطاف سريع" بمثابة خطوة ثانية في مسار سردي أوسع، لا يشن معركته على الرئيس مباشرة، بل على فكرة الدولة نفسها. وعندما تُهزم الفكرة، يصبح الجسد السياسي — أي الرئيس — مكشوفا، ومتاحا سرديا، وقابلا للاختطاف.

حين يستعاد الزعيم من داخل صورته

يأتي فيلم "جنوب الحدود" (South of the Border، 2009) بوصفه حلقة متقدمة في مسار التمهيد السردي للتدخل، أو ما يمكن اعتباره دليلا غير معلن لـ"حرب الصورة". لا ينشغل الفيلم بالحدث السياسي المباشر، بل يفكك آليات التمثيل نفسها، ناقلا الصراع من مستوى الوقائع إلى مستوى الصورة، ومن الشخص إلى الطريقة التي يُعاد بها إنتاجه إعلاميا.

ملصق فيلم "جنوب الحدود" الذي كشف طريقة عمل الدراما في التمهيد للتدخل الأجنبي(ىي ام دي بي)

يقدم المخرج الأميركي أوليفر ستون قراءة نقدية لكيفية صناعة صورة "الزعيم اللاتيني" في الإعلام الأميركي، عبر مقابلات مطولة مع قادة في أميركا اللاتينية، في مقدمتهم هوغو تشافيز، يضعهم خلالها في مواجهة مباشرة مع مقاطع من التغطيات الإعلامية التي تصفهم بالمارقين أو الخارجين عن النظام الدولي.

إعلان

يكشف الفيلم أن الهجوم على الرئيس لا يبدأ لحظة التدخل، بل قبل ذلك بكثير، منذ لحظة التمثيل الإعلامي. فقبل أن يُنتزع الرئيس من قصره، تُدمَّر صورته الرمزية بوصفه قائدا شرعيا، ويُعاد تشكيله كـ"استثناء دائم" لا تنطبق عليه القواعد. وقد عكست ردود الفعل على الفيلم هذا التوتر؛ إذ قوبل بترحيب في دوائر نقدية أوروبية وأميركية بديلة، مقابل هجوم أو تجاهل من مؤسسات إعلامية كبرى رأت فيه عملا منحازا.

انقلاب الكاميرا على السيناريو

وصور فيلم "الثورة لن تبث" (The Revolution Will Not Be Televised، 2003)، للإيرلنديين كيم بارتلي ودوناشا أو بريان، داخل القصر الرئاسي في كاراكاس خلال محاولة الانقلاب على الرئيس هوغو تشافيز في أبريل/نيسان 2002. لم يذهب صناعه لتوثيق محاولة الانقلاب، ولكن لرسم ملامح الرئيس الفنزويلي -حينها- هوغو تشافيز، ليجدا أنهما محاصرَين داخل حدث تاريخي يتشكل أمام عيون الكاميرا، فتمنح الصدفة الإنتاجية الفيلم قوة استثنائية، وتجعل منه وثيقة لا ترصد الحدث فقط، بل تكشف بنيته الإعلامية.

لم يكن الفيلم مرافعة للدفاع عن تشافيز، الذي أطلق عليه الإعلام الغربي حينها "المجنون" و"المتطرف" وغيرها من الألقاب الجاهزة لأي مخالف. كان العمل عبارة عن تحليل لطريقة صناعة الحقائق البديلة عبر الشاشة، أو صناعة "واقع بديل". في الفيلم، نرى كيف تخرج اللقطات من سياقها، ويعاد ترتيب الصور، بـ"المونتاج"، لتصوير رئيس بلا شرعية، وكيف تفقد وسائل الإعلام حيادها ومصداقيتها بعد تحولها إلى داعم قوي لانقلاب، وليست ناقلة له. كانت رسالة الفيلم هي أن الشرعية ليست حقيقة سياسية ثابتة، بل نتيجة سرد بصري يمكن التحكم فيه. أثار "الثورة لن تبث" ردود فعل هائلة، وقوبل بترحيب كبير في مهرجانات أوروبا، بينما واجه نقدًا حادًا وعدوانية من قبل الإعلام الغربي، وجاء اتهامه بالانحياز ليكشف عن قدرته على زعزعة السردية الغربية.

الملصق الدعائي لفيلم "الثورة لن تبث" (اي ام دي بي)

وبعد عام واحد، جاء فيلم "بوينتي لاغونو: مفاتيح المذبحة" (Puente Llaguno: Claves de una Masacre، 2004)، للمخرجين الفنزويليين أنخل بالاسيوس وكارلوس أزوري، ليغوص بعمق في تفكيك الآلية نفسها ولأنه تشكل في سياق محلي يلمس الانقسام السياسي الحاد داخل فنزويلا. ركز العمل على أحداث جسر بوينتي لاغونو، واستخدام لقطات مصورة منها، لإدانة أنصار تشافيز وتصويرهم على أنهم قتلة، قبل أن يعاد فحص هذه اللقطات زمنيا وبصريا، لنكتشف أنه جرى اقتطاعها من سياقها أو تغيير دلالتها.

لم تكن الأعمال السينمائية والدرامية المرتبطة بفنزويلا مجرد تقاطع عابر بين الخيال والواقع، بل مسار سردي متكامل انتقل فيه التدخل من كونه فكرة مستحيلة إلى كونه حلا مقبولا، ولم يكن ما قدمته الأعمال الدرامية المختلفة نبوءة، ولم يكن قرارا بالاعتداء، وإنما قدمت تعريفا الأخلاق في ظل ما يحدث من ممارسات وتركت الواقع يتفاعل في درجة الغليان، فكانت النتيجة "اختطاف رئيس".

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات لم یکن قبل أن

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • روبيو: الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا
  • ستة وثلاثون عامًا من الحلم والصمود
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • الفشل يلاحق دولة الاحتلال.. اعتراف إسرائيلي بعدم تحقق أهداف الحرب على إيران
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • القائم بالأعمال الأمريكي: ناقش مع الرئيس العراقي اتخاذ إجراءات لصون السيادة
  • الرئيس الصربي يستقبل رئيس المجلس الوطني الاتحادي
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • من الكاريبي إلى المونديال.. مشروع هولندي يقود كوراساو إلى الحلم العالمي
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟