موقع النيلين:
2026-07-23@22:11:19 GMT

إبراهيم شقلاوي حكومة إدريس بين الدولة والفوضى

تاريخ النشر: 13th, January 2026 GMT

لم تعد الدولة بعد هذه الحرب، كما تشكّلت وعاشت في وعي المجتمع منذ الاستقلال. فالدولة لم تسقط دفعة واحدة، بل تآكلت ببطء، حتى لحظة الإنفجار التي كشفت هشاشتها البنيوية، وعجزها عن أداء وظيفتها الأساسية: حماية المجتمع وتنظيم الحياة العامة. من هنا، لم يعد السؤال من يحكم السودان، بل أي دولة يمكن أن تُحكم أصلًا، وبأي عقد اجتماعي.

في هذا السياق التاريخي الحرج، تكتسب عودة حكومة الدكتور كامل إدريس إلى مباشرة عملها من العاصمة القومية الخرطوم دلالة تتجاوز الإجراء الإداري أو الأبعاد السياسية. إنها عودة تُقرأ باعتبارها محاولة لإعادة تعريف الدولة من موقع التجربة القاسية، لا من فضاء الخطاب. لذلك العودة للخرطوم ليست إعلانًا للانتصار، بل قبولًا بالمساءلة.

لقد أعادت الحرب المجتمع السوداني، قسرًا، إلى ما وصفه “توماس هوبز” بحالة الطبيعة، حيث يغيب الاحتكار المشروع للعنف، وتنهار الحدود بين السلطة والفوضى، ويصبح الخوف هو القاعدة الناظمة للعلاقات. في تلك اللحظة، تسقط الشرعية تلقائيًا، لأن الدولة التي لا توفر الأمن تفقد مبرر وجودها. غير أن الدرس الأهم الذي أنتجته الحرب لا يكمن في الخوف وحده، بل في التحول العميق في وعي المجتمع، إذ لم يعد المواطن مستعدًا لمنح الطاعة مقابل وعود مؤجلة، ولا لقبول دولة تطلب الولاء دون أن تقدم الخدمات وتبسط الأمن وتشعر الناس بهيبتها ووجودها.

من هنا فإن عودة الحكومة إلى الخرطوم لا تعني استعادة المكان فقط، بل استعادة المعنى السياسي للدولة. إنها انتقال محفوف بالمخاطر من دولة غائبة إلى دولة حاضرة، ومن سلطة تحكم عن بعد إلى سلطة تختبر نفسها في الميدان. فالوجود في العاصمة، في ظل هشاشة أمنية واقتصادية واجتماعية، يضع الحكومة أمام اختبار يومي: إما أن تتحول الدولة إلى جهاز وظيفي يخدم الناس، أو أن تنكشف مرة أخرى عن عجزها .

هنا يبرز التحول المفاهيمي الأهم في مرحلة ما بعد الحرب: الانتقال من شرعية الشعارات إلى شرعية الأداء. فالحكومة لم تعد تُقاس بخطابها، ولا بقدرتها على التعبئة، بل بمدى نجاحها في إعادة تشغيل المستشفيات، وضمان الكهرباء والمياه، وتأمين العمل، وإعادة المدارس والجامعات إلى دورها الطبيعي. إن وعود الحكومة بتحسين الخدمات، وخفض التضخم، ودعم المشروعات الإنتاجية الكبرى، لا تمثل برامج اقتصادية فحسب، بل تشكّل أدوات سياسية لإعادة بناء الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع.

وفي هذا الموضع، نتوقف عند “جان جاك روسو ” كمرجع لفهم لحظة التأسيس. فالعقد الاجتماعي الجديد الذي يتشكّل بعد الحرب لا يقوم على الخوف وحده كما عند هوبز، بل على الإرادة العامة، أي على قبول المجتمع بأن تكون الدولة تعبيرًا عن مصلحته المشتركة، لا جهازًا فوقيًا يفرض نفسه بالقوة. وهذا ما يجعل مرحلة ما بعد الحرب لحظة سياسية بامتياز، حيث تنتقل الدولة من طلب الطاعة إلى للقبول، ومن منطق السيطرة إلى منطق التبادل.

إعلان د. كامل إدريس أن العام 2026 سيكون عامًا للسلام، وربط ذلك ببرامج اقتصادية وتنموية، يكشف أن السلام لم يعد قيمة أخلاقية مجردة، بل شرطًا سياسيًا واقتصاديًا لبقاء الدولة. فالسلام لا يعني نهاية الصراع بقدر ما يعني إدارته بعقلانية، وربطه بسوق العمل، والإنتاج، والعدالة الاجتماعية. وهو تصور واقعي تؤكده تجارب الدول الخارجة من الحروب، حيث لم تستقر الأوضاع إلا حين تَحوّل السلام إلى استقرار الاقتصاد.

غير أن أخطر ما قد يهدد هذا المسار هو إعادة إنتاج مركزية الدولة القديمة. فالدولة التي انهارت كانت دولة مركز بلا أطراف، وسلطة بلا توزيع عادل للموارد. وإذا عادت الحكومة إلى الخرطوم لتعيد إنتاج هذا النموذج، فإن العقد الاجتماعي الجديد سيولد مشوهًا، مهما حسنت النوايا. إن إعادة بناء الدولة تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين المركز والهامش، وتمكين الحكومات المحلية بوصفها شريكًا في العقد، لا مجرد أداة تنفيذية للجبايات.

إن وجود الحكومة في الخرطوم، كما قال الوالي احمد حمزة، يحمل رسالة سياسية واقتصادية وتنموية مفادها أن العاصمة تهيأت لاستقبال أبنائها، وأن الدولة قررت أن تواجه تحدياتها من قلبها لا من أطرافها. غير أن هذه الرسالة ستظل ناقصة ما لم يشعر المواطن بأن عودة الحكومة مرتبطة بوظيفتها: أن تكون حارسًا للأمن، ومنظمًا للاقتصاد، وخادمًا للناس.

بحسب #وجه_الحقيقة فعودة الحكومة إلى الخرطوم ليست نهاية الأزمة، بل بدايتها الفعلية. إنها امتحان لقدرة الدولة من النجاة من الحرب إلى الاستفادة من دروسها، ومن سلطة تطلب الشرعية إلى مؤسسة تصنعها بالفعل اليومي. وهنا يتبدى معنى العنوان: حكومة إدريس… بين إعادة تأسيس الدولة اوالانزلاق إلى الفوضى. فإما أن تنجح هذه اللحظة في صياغة عقد اجتماعي جديد، أو تُهدر الفرصة، ويُترك السودان مرة أخرى معلقًا بين دولة لم تكتمل، وفوضى قابلة للاستدامة.

إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 13 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/01/13 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة إسحق أحمد فضل الله يكتب: (قل في سرك فقط)2026/01/13 شعبنا العظيم ضرب المثل في التضحية والوقوف إلى جانب جيشه2026/01/12 حكاوي قطع الاتصالات وخروج مقسمات شركة زين من الخدمة2026/01/12 خسر الدعم أم كسب، انهزم أو انحل، لن يؤثر شيء مع إبراهيم الميرغني2026/01/12 سفود كارثي علي الجميع2026/01/12 الجيش السوداني2026/01/12شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات يـُمة القطر 2026/01/11

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

الخرطوم تشدد إجراءات الأمن.. وتحذير صارم بشأن حظر التجوال

متابعات تاق برس – شددت لجنة تنسيق شؤون الأمن بولاية الخرطوم على ضرورة الالتزام الصارم بحظر التجوال الليلي، الذي يبدأ عند الساعة الحادية عشرة مساءً، مؤكدة أن التقيد بالإجراءات الأمنية يسهم في تعزيز الاستقرار وحفظ الأمن العام.

وجاء ذلك خلال الاجتماع الدوري للجنة برئاسة والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، حيث وجهت بتعزيز القوات الأمنية العاملة في معبر شريان الشمال على الحدود بين ولايتي الخرطوم والشمالية، لإحكام الرقابة على حركة العبور ومنع الأنشطة غير القانونية، إلى جانب تكثيف الأطواق الأمنية في أنحاء الولاية للحد من الجريمة.

وكشف التقرير الجنائي عن انخفاض واستقرار معدلات الجريمة خلال الأسبوع الجاري، إذ سجلت أقسام الشرطة 3787 بلاغاً، معظمها يتعلق بجرائم الأموال. كما تمكنت قوة الطوف المشترك من فتح 664 بلاغاً في مواجهة 1324 متهماً، بينهم 25 أجنبياً مخالفاً لقانون الإقامة، وضبط 35 دراجة نارية يُشتبه في استخدامها في أنشطة إجرامية، إضافة إلى أسلحة خفيفة وكميات من المخدرات.

وأشادت اللجنة بجهود الشرطة التي أسفرت عن توقيف متهمين متورطين في 10 بلاغات تتعلق بعمليات السطو على أصحاب عربات الترحال.

وفي الجانب المروري، أشار التقرير إلى انخفاض عدد حوادث السير إلى 75 حادثاً مقارنة بـ81 حادثاً في الأسبوع الماضي، كما أسفرت الحملات الميدانية عن ضبط مركبتين تحملان مستندات مزورة، و7 سيارات مسروقة، و3 مركبات مفككة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

وعلى الصعيد الأمني، نفذت الخلية الأمنية بالولاية 35 عملية أسفرت عن توقيف 46 متهماً بالتعاون مع قوات الدعم السريع، فيما نفذت هيئة أمن الولاية 13 عملية أخرى تمكنت خلالها من تفكيك خلايا نائمة، وضبط أسلحة خفيفة وكميات من النحاس كانت معدة للتهريب.

كما أعلنت مباحث المرور عن تفكيك شبكة متخصصة في تزوير مستندات ملكية المركبات ورخص القيادة، وضبط أجهزة ومعدات متطورة كانت تُستخدم في عمليات التزوير، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين.

حظر التجواللجنة أمن الخرطومولاية الخرطوم

مقالات مشابهة

  • اللواء فؤاد علام: جماعة الإخوان لم تكن تملك قيادات سياسية مؤهلة لإدارة دولة بحجم مصر
  • علي الدين هلال: مكتسبات ثورة 23 يوليو لا تزال حاضرة في المجتمع
  • ‏بتوجيهات ⁧‫رئيس الدولة‬⁩.. الإمارات تستجيب بشكل عاجل لإغاثة المتأثرين من فيضانات ⁧‫غانا‬⁩
  • الخرطوم تشدد إجراءات الأمن.. وتحذير صارم بشأن حظر التجوال
  • حكومة الخرطوم توجه باستخدام الصنادل العائمة لمواجهة انحسار النيل
  • الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
  • مشاريع وملفات هامة على طاولة الحكومة
  • أعضاء الحكومة يقفون دقيقة صمت ترحماً على أرواح ضحايا الحرائق
  •  وزير الدولة للشؤون الخارجية يجتمع مع الأمين العام لرابطة (آسيان)
  • نتمنى الموت.. صرخات سكان غزة تحت الركام في انتظار الإعمار