بين الاحتجاجات والتهديد الأميركي.. كيف تقرأ العواصم العربية المخاطر في المشهد الإيراني؟
تاريخ النشر: 14th, January 2026 GMT
في وقتٍ تتسارع فيه التطورات داخل إيران، تتابع الدول العربية المشهد بحذر، في ظل مقاربة ترى في التطورات الإيرانية مسألة إقليمية لا داخلية فقط، ما يطرح سؤالًا مباشرًا: ما الذي قد يعنيه سقوط النظام الإيراني على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية للعواصم العربية، ولا سيّما الخليجية منها؟
تُعد التظاهرات الإيرانية، التي انطلقت في طهران في أواخر كانون الأول/ ديسمبر على خلفية تفاقم الأزمة الاقتصادية، ثم امتدت إلى مختلف أنحاء البلاد هذا الشهر، من أكبر التحديات التي يواجهها النظام منذ وصوله إلى السلطة عقب الثورة الإسلامية عام 1979.
اليوم، تبدو هذه الاحتجاجات، وفق تقديرات عديدة، أشد تهديدًا للنظام مما كانت عليه في عام 2022، سواء من حيث اتساع رقعتها أو طبيعة الشعارات المرفوعة فيها. ومع ذلك، جاء رد الفعل في العالم العربي خافتًا على نحو لافت، في وقت صعّد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من لهجته، مهددًا بالتحرك إذا أقدم النظام الإيراني على قتل المتظاهرين، وهو ما حصل بالفعل، إذ قُتل مئات بحسب منظمات حقوقية.
وفي 13 كانون الثاني/يناير، عقد الرئيس الأميركي اجتماعا مع مستشاريه لبحث خيارات تراوحت بين ضربات عسكرية وهجمات سيبرانية وتشديد العقوبات الاقتصادية، بالتزامن مع دعوته الإيرانيين إلى مواصلة الاحتجاج و"السيطرة" على المؤسسات، متعهدا بأن "المساعدة في طريقها إلى طهران". وقد عززت هذه المواقف هواجس التدخل الخارجي، ولا سيما الأميركي، لدى النظام الإيراني، وأثارت في المقابل مخاوف عربية من تداعيات أي تصعيد.
في العلن، سُجّلت ردود فعل علنية محدودة من حلفاء إيران وجيرانها وخصومها في الشرق الأوسط. في الدوحة، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، في مؤتمر صحفي إن قطر تحاول التوسط في التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران.
وقد حذّر من أن أي تصعيد قد يؤدي إلى نتائج كارثية في المنطقة وما وراءها، مؤكدًا أن بلاده تسعى لتجنّب ذلك قدر الإمكان. وأضاف أن دول الخليج تدرك أن أي تصعيد عسكري ضد إيران قد تكون له عواقب خطيرة، ولهذا تعمل على تهدئة الوضع وتخفيف حدة التوتر.
في المقابل، التزمت معظم الدول العربية الصمت مع اتساع رقعة الاحتجاجات في الجمهورية الإسلامية، رغم تقارير حقوقية تحدثت عن مقتل مئات الأشخاص خلال حملة القمع التي ينفذها النظام، ما عكس تفضيل هذه الدول إدارة الموقف بهدوء بدل الانخراط في سجال سياسي علني.
وكان وزير الخارجية القطري السابق، حمد بن جاسم بن جبر، قد حذّر من أن أي عمل عسكري ضد إيران لن يكون في صالح أصدقاء أمريكا في المنطقة ولا في صالح الاستقرار الإقليمي، داعيًا إلى موقف خليجي موحد لمحاولة إقناع واشنطن بالدخول في مباحثات جادة وقصيرة لإنهاء الأزمة. وبرأيه، فإن أي زعزعة للاستقرار داخل إيران قد تفتح الباب أمام فوضى لا يمكن التنبؤ بنتائجها، مؤكدًا أن الحوار يبقى السبيل لمعالجة الخلافات مهما كانت عميقة.
ما وراء الكواليسبعيدًا عن التصريحات العلنية، تكشف الكواليس مقاربة أكثر وضوحًا. فقد نقلت "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين سعوديين أن الرياض طمأنت طهران إلى أنها لن تنخرط في أي صراع محتمل، ولن تسمح للولايات المتحدة باستخدام مجالها الجوي لتنفيذ ضربات، في محاولة واضحة للنأي بالنفس عن أي عمل أمريكي محتمل وردعه.
ويعكس هذا الموقف، بحسب مراقبين، إدراكًا سعوديًا وخليجيًا لحساسية اللحظة وخطورة الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود إيران وتطال استقرار المنطقة بأسرها.
كما أفاد تقرير لشبكة NBC News بأن مسؤولين إسرائيليين وعربًا يحثّون ترامب على التريّث قبل توجيه ضربات إلى إيران، معتبرين أن الجمهورية الإسلامية قد لا تكون ضعيفة بما يكفي لتبرير هجوم عسكري واسع، وأن التوقيت الحالي ليس الأنسب لعمل مباشر.
ونقل التقرير عن أحد المسؤولين العرب قوله إن هناك نقصًا في الحماس من المنطقة تجاه الضربات الأمريكية، فيما عبّر مسؤول آخر عن مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد أمريكي أو إسرائيلي إلى توحيد الإيرانيين حول قيادتهم، في تكرار لتجربة الالتفاف الشعبي التي أعقبت الهجوم الأمريكي والإسرائيلي في حزيران/ يونيو.
من زاوية خليجية، ولا سيما سعودية، لا يُقارب ما يجري في إيران بوصفه احتمال تغيير سياسي فحسب، بل كسلسلة سيناريوهات مفتوحة قد تمتد آثارها مباشرة إلى أمن الخليج واستقراره، فغياب اليقين، وتداخل العوامل الأمنية والاقتصادية والسياسية، يدفع دول الخليج إلى التعامل مع أي انهيار محتمل بمنطق التحوّط لا الترحيب. وفي هذا الإطار، تتوزع المخاوف والاعتبارات الخليجية على مجموعة عوامل أساسية، تفسّر تفضيل الاستقرار على المغامرة، والاحتواء على المواجهة المباشرة.
سيناريو الفوضى الشاملةيُنظر إلى سيناريو انهيار النظام الإيراني بوصفه مدخلًا لفوضى كبرى قد تشمل موجات لجوء جماعي، تفكك الدولة، مخاطر نووية، وصراعات أهلية وعرقية. هذا الاحتمال يفسّر تفضيل السعودية مقاربة تقوم على الاستقرار وإدارة إضعاف إيران عبر الضغط والاحتواء، بدلًا من تدخل عسكري أمريكي قد يفتح باب فوضى أوسع ويقيّد هامش المناورة الاستراتيجي السعودي.
ويشير محللون لـ "وول ستريت جورنال" إلى أن السعودية شديدة الحساسية تجاه هشاشة الوضع الإقليمي المتزايدة. وفي هذا السياق، وجّهت المملكة وسائل الإعلام المحلية إلى الحد من تغطيتها ودعمها للاحتجاجات الإيرانية، تفاديًا لأي رد إيراني محتمل. وإنّ القلق يتركز على البدائل المحتملة في حال الإطاحة بالمرشد الأعلى علي خامنئي، وعلى ما قد يرافق ذلك من اضطرابات داخلية وإقليمية قد تمتد إلى داخل حدودها، وتؤثر على خطتها الطموحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، المعروفة باسم "رؤية 2030".
أشار تقرير نشرته مجلة "الإيكونوميست" إلى أن إيران، رغم الضربات التي تعرضت لها، ما زالت تمتلك قدرات صاروخية تمكّنها من استهداف الخليج. وذكّر بأن طهران ردّت سابقًا، بعد القصف الأمريكي لمنشآتها النووية، بإطلاق صواريخ على قاعدة العديد الجوية في قطر.
كما نقل تحذيرات إيرانية حديثة لدول الخليج من توسيع دائرة الأهداف في حال تعرض إيران لهجوم جديد، مع تلويح بإمكانية استهداف البحرين. هذه المعطيات غذّت مخاوف إقليمية من أن تؤدي أي اضطرابات داخل إيران إلى فوضى أمنية أوسع، تشمل تداعيات مباشرة على أمن الخليج، واحتمال فقدان السيطرة على الترسانة العسكرية الإيرانية.
النفط والاستقرار الاقتصاديبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، أبلغت السعودية وسلطنة عُمان وقطر البيت الأبيض أن أي محاولة للإطاحة بالنظام الإيراني من شأنها إرباك أسواق النفط وإلحاق ضرر بالاقتصاد الأمريكي، فضلًا عن تداعيات مباشرة داخل بلدانهم.
وتخشى الدول العربية أن تؤدي أي ضربات ضد إيران إلى تعطيل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره نحو خُمس شحنات النفط العالمية، ما يضع اقتصادات الخليج أمام اختبار بالغ الحساسية.
Related متظاهرون يحتجون أمام السفارة الإيرانية في لندن وسط اضطرابات في إيرانرويترز نقلًا عن المستشار الألماني: نعتقد أننا نشهد الأيام والأسابيع الأخيرة من حكم النظام الإيرانياحتجاجات طهران: قطر تحذر من "كارثة محتملة" في حال تصعيد أمريكي-إيرانيومن وجهة نظر خليجية أوسع، يتمثل السيناريو الأفضل في انتهاء الاحتجاجات داخل إيران، وانطلاق مفاوضات داخلية تفضي إلى بعض الإصلاحات، بالتوازي مع مفاوضات أمريكية تسهم في تهدئة الأوضاع.
في الخلاصة، تقف المنطقة على أعتاب مرحلة مفصلية، تتقاطع فيها احتجاجات الداخل الإيراني مع حسابات الخارج، في معادلة دقيقة عنوانها الأساسي القلق من المجهول، والسعي إلى تجنّب انفجار إقليمي قد تفرض كلفة سياسية وأمنية واقتصادية باهظة على دول المنطقة.
انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة
المصدر
المصدر: euronews
كلمات دلالية: الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران روسيا الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران روسيا إيران قطر السعودية الولايات المتحدة الأمريكية الخليج مظاهرات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران روسيا مظاهرات في إيران حركة حماس الصين غزة دراسة سوريا النظام الإیرانی داخل إیران أی تصعید
إقرأ أيضاً:
الطريق إلى اليورانيوم الإيراني.. ما هي الخطة X الأمريكية حال فشل المفاوضات مع طهران
ربما للحظة، أو للوهلة الأولى، يبدو ما سيطرح في هذا التقرير أقرب إلى مشاهد درامية أو لقطات من أفلام هوليود، لكنه في الحقيقة يعكس خططا وخيارات وضعتها الولايات المتحدة لإنهاء أزمة لطالما أرقت واشنطن على مدار عقود، ألا وهي الملف النووي الإيراني.
خياران للتعامل مع الملف النووي الإيرانيبات الطريق إلى اليورانيوم الإيراني هدفًا استراتيجيا وضعته واشنطن وتل أبيب على الطاولة حال تعثر المسار الدبلوماسي مع طهران، وذلك عبر مسارين يختلفان جذريا في الأخطار والنتائج؛ الأول يقوم على تدمير المنشآت النووية من الداخل، أما الثاني فيستهدف استخراج اليورانيوم ونقله إلى خارج إيران.
نبدأ بالسيناريو الأول، التدمير في الموقع، فوفقا للخطة الأمريكية، يعتمد هذا الخيار على إرسال قوات برية خاصة لاختراق المنشآت النووية وتفخيخها من الداخل، بما يجعل استعادة مخزون اليورانيوم شبه مستحيلة، ورغم أن هذا السيناريو قد يضمن حرمان إيران من إعادة استخدام المواد النووية، فإنه يحمل في المقابل مخاطر جسيمة، أبرزها احتمال حدوث تلوث إشعاعي وكيميائي واسع النطاق قد يهدد منطقة الشرق الأوسط بأكملها، فضلا عن غياب ضمانات مؤكدة بتدمير جميع الأسطوانات والمخزونات النووية بالكامل.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استخراج اليورانيوم ونقله إلى خارج إيران، وهو الخيار الذي يُنظر إليه باعتباره الأكثر خطورة وتعقيدا، وقد لخص وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو هذا السيناريو بعبارة حاسمة حين قال: سيتعين على بعض الأشخاص الذهاب وإحضاره ! .
مهمة.. الأكثر تعقيدا في تاريخ الجيش الأمريكي
لكن، الطريق أمام القوات الأمريكية لن يكون مفروشا بالورود حال تنفيذ هذا الخيار؛ إذ وصف مسؤول البنتاجون السابق ميك مولروي العملية بأنها قد تكون الأكثر تعقيدا في تاريخ القوات الخاصة الأمريكية، فلماذا تبدو مهمة استخراج اليورانيوم الإيراني ونقله إلى خارج البلاد شديدة الصعوبة؟.
مشاركة نخبة الجيش الأمريكي في العملية
الإجابة تكمن في أن العملية تتطلب تدخلا مشتركا لوحدات النخبة الأمريكية، على غرار دلتا فورس، وسيل تيم، والفرقة الثانية والثمانين المحمولة جوا، إلى جانب فرق متخصصة في التعامل مع أسلحة الدمار الشامل.
استخراج اليورانيوم ونقله عبر طائرات أمريكية
وتشير تقارير أمريكية إلى أن الخطط المحتملة تتضمن قيام الولايات المتحدة بالسيطرة على المطارات القريبة من تلك المنشآت وتأمينها، أو إنشاء مدارج مؤقتة لاستقبال طائرات شحن عملاقة، تحمل معدات حفر ثقيلة جوا لاختراق الأنقاض والخرسانة لاستخراج اليورانيوم من هذه المنشآت، وهو عمل قد يستغرق أياما يبقى خلالها الجنود الأمريكيون مكشوفين أمام نيران القوات الإيرانية واحتمالات المواجهة المباشرة.
"فوردو" و "نطنز" و "أصفهان" رأس حربة المشروع النووي الإيراني
وتبرز المنشآت النووية الإيرانية الثلاث؛ "فوردو"، و"نطنز"، و"أصفهان"، باعتبارها رأس حربة المشروع النووي الإيراني، ووفقا لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمتلك إيران نحو 440 كيلوجراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي كمية تكفي تقنيا لإنتاج نحو 10 قنابل نووية إذا رفع تخصيبها إلى 90%.
يظل الهاجس النووي الإيراني حاضرا في البيت الأبيض، فهل يكرر ترامب ما حدث في كازاخستان عام 1994، أم أن المعادلة الإيرانية ستكون مختلفة ؟
الطريق إلى اليورانيوم الإيراني.