هل يصح وصف النبي بأنه بشر مثلنا ؟ علي جمعة يجيب
تاريخ النشر: 15th, January 2026 GMT
قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف، إن المحظور هو نفي البشرية عن النبي؛ لأن هذا مخالف لصحيح القرآن فقد قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ }.
وأضاف علي جمعة، في منشور له، أن السلامة في ذلك أن تثبت كل ما أثبت الله لنبيه، فتثبت أن النبي كان نورًا ومنيرًا ولا يزال، وأنه بشر مثلنا، دون تفصيل وتنظير، وإثبات النور الحسي له لا يتعارض مع كونه بشرًا، فالقمر طبيعته صخرية، ومع ذلك هو ضياء وله ضوء حسي، والنبي خير من القمر، وخير من خلق الله كلهم.
وتابع: وليس هناك ما يتعارض مع أن النبي كان نورا ومنيرًا، وأن النبي له نور حسي مع أصل العقيدة، كما أنه لا يعارض طبيعته البشرية التي أخبر بها القرآن.
وذكر علي جمعة، أنه ينبغي أن نذكر فائدة هنا وهي حديث «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر» فقد حكم المحدثون بأنه حديث منكر وذهبوا إلى وضعه. قال العلامة عبد الله بن الصديق الغماري : «وعزْوه إلى رواية عبد الرزاق خطأ لأنه لا يوجد في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره، وقال الحافظ السيوطي في الحاوي في الفتاوى : «ليس له إسناد يعتمد عليه» اهـ، وهو حديث موضوع جزمًا، إلى أن قال : وبالجملة فالحديث منكر موضوع لا أصل له في شىء من كتب السُّنّة [مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر، للسيد عبد الله بن الصديق الغماري].
ولقد حكم بوضعه أكثر المحدثين كالحافظ الصغاني ذكر ذلك في كتابه الموضوعات، وأقره الحافظ العجلوني على ذلك في كتابه كشف الخفاء.
والحكم بوضع الحديث وعدم صحة نسبته إلى النبي ليس دليلا على فساد معناه من كل وجه، فمعنى الحديث يمكن أن يكون صحيحًا إذا كانت الأولية في الأنوار فإن ذلك لا يبعد، وعلى أن الأولية مطلقة، فهي ثابتة للقلم وللعرش على الخلاف المشهور، وقد ذكر العجلوني ذلك فقال : «وقيل الأولية في كل شيء بالإضافة إلى جنسه، أي أول ما خلق الله من الأنوار نوري وكذا باقيها، وفي أحكام ابن القطان فيما ذكره ابن مرزوق عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبي، قال : كنت نورًا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام. انتهى ما في المواهب [كشف الخفاء].
وذكر العلامة الدردير المالكي إقراره لمعنى الحديث فقال : (ونوره) (أصل الأنوار) والأجسام كما قال النبي لجابر رضي الله عنه : «أول ما خلق الله نور نبيك من نوره» الحديث فهو الواسطة في جميع المخلوقات [الشرح الصغير].
وقال علي جمعة، إن عوالم الله سبحانه وتعالى متعددة، فهناك عالم الملك وهو عالم الشهادة، وهناك عالم الملكوت وهو عالم الغيب، ومنه عالم الروح، وعالم الجن، وعالم الملائكة، وهناك أنوار خلقها الله سبحانه وتعالى، فليس هناك ما يمنع أن يكون النبي ﷺ أول الأنوار التي خلقها الله سبحانه وتعالى وفاضت منه الأنوار إلى البشرية في عالم الروح، فالحديث موضوع ولا يصح نسبته إلى النبي، ومعناه يمكن أن يكون صحيحًا كما بيناه.
وأوضح، أننا بهذا العرض قد فهمنا معنى نورانية النبي، وأن وصفه بالنور لا يتعارض مع وصفه بالبشرية، وكون أن بعض أصحابه رأوه نورا حسيا، أو رأوا منه نورا حسيا ولم يره البعض لا يوجد ما يمنع ذلك عقلا ولا شرعا كما بينا.
وذكر أن رسول الله نور بحاله، وبقاله، وأفعاله، وبذاته، ومنير لمن حوله ومن بعده، فهو الرحمة المهداة، والنعمة المزجاة نفعنا الله به في الدنيا والآخرة.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: سيدنا محمد الصلاة على النبي أن النبی علی جمعة خلق الله له نور
إقرأ أيضاً:
خرائط عالمنا الجديد
طالما تحدثت عن الحاجة إلى نظام عالمي جديد، وهو نظام بدأ يلوح في الأفق مع التنامي المتصاعد لقوتين عظميين في عصرنا الراهن: روسيا والصين. وبوسعنا القول إن لقاء القمة الأخير الذي انعقد في بكين بين بوتين وتشي بينج، كان بمثابة تدشين لنشأة هذا النظام العالمي الجديد، كما يتبين ذلك من البيان الصادر عن القمة نفسها، الذي أعلن أن العالم الآن هو نظام متعدد الأقطاب، ينبغي أن تحكمه توازنات القوى والمصالح، والالتزام بقرارات الأمم المتحدة.
تشكيل عالمنا الجديد ليس بدعة تميز عصرنا؛ لأن العالم يتغير بعد كل حقبة من الزمن قد تطول أو تقصر، ولكنها لا بد من أن تنتهي لينشأ عالم جديد، وذلك بفعل متغيرات جوهرية عديدة تتعلق بموازين القوة على سائر الأصعدة. ذلك أن تاريخ العالم هو - في واقع الأمر- تاريخ من صراعات الشعوب في مقاومة هيمنة قوة استعمارية عظمى في عصر ما، ومن ذلك على سبيل المثال: هيمنة الإمبراطورية الرومانية على العالم، وغيرها من الإمبراطوريات التي هيمنت من بعدها.
ولعل الإمبراطورية البريطانية تعد أشهر الإمبراطوريات التي هيمنت على العالم في العصر الحديث. توارى نفوذ هذه الإمبراطورية تدريجيا، وسعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن ترث نفوذها فيما بعد مرحلة الحرب العالمية الثانية، إلى أن أصبحت بالفعل القوة المهيمنة على العالم.
ولكن السياسة الأمريكية عملت على تكريس السياسات الاستعمارية القديمة في قالب جديد، ولكنه يُبقي على مبدأ هيمنة القطب الواحد على العالم. ولذلك فإن سياستها البديلة إزاء الشرق الأوسط، ليست سوى سياسة استعمارية جديدة، وهي ما أسميته في مقال سابق بهذه الجريدة الرصينة «سايكس بيكو 2»، فليرجع إلى ذلك من يشاء. الشاهد هنا أن السياسة الأمريكية لم تدرك أن مشروع سايكس بيكو الجديد لم يعد قابلا للتطبيق في عصرنا الراهن؛ ببساطة لأن الحقبة الاستعمارية قد انتهت من عالمنا باعتباره عالم ما بعد الاستعمار، حتى إن اتخذ هذا الاستعمار مظاهر جديدة.
وعلى هذا، يمكننا القول إن ما يميز تشكيل عالمنا الراهن حقا هو أن هذا التشكيل للعالم يقوم أساسا لا باعتباره عالم ما بعد الاستعمار فحسب، بل أيضا باعتباره عالم ما بعد الهيمنة، أعني: هيمنة قوة بعينها على العالم.
في ضوء هذا يمكننا أن نفهم دلالة اللقاء الأخير بين بوتين وتشي بينج، وأن نقرأ ما هو ضمني وغير معلن في مجمل الحدث وسياقه العام، باعتباره تدشينا لميلاد عالم جديد متعدد الأقطاب بعد مخاض طويل. لنحاول أولا قراءة بعض المظاهر المصاحبة للحدث: المظاهر الاحتفالية في الاستقبال تشبه كثيرا نظائرها في الاستقبال الرسمي لترامب، ولكننا مع ذلك نجد حالة من الود والحميمية في استقبال تشي بينج وشعبه لبوتين، ليس في لغة الخطاب وحسب، بل أيضا في لغة السلوك والتعبير الجسدي.
ولكن الأهم من ذلك أن نتأمل دلالة توقيت الحدث: يأتي لقاء هذه القمة مباشرة بعد لقاء القمة بين الرئيس الصيني مع ترامب في بكين. والواقع أننا لا يمكننا تجاهل دلالة هذا التوقيت؛ إذ إنه بمثابة رسالة سياسية قوية للإدارة الأمريكية بأن العالم قد تغير الآن بالفعل، وأن الصين وروسيا وحلفاءهما سوف يسهمون بقوة في تشكيل الخرائط السياسية لهذا العالم.
تأتي هذه الرسالة بعد أن غادر ترامب الصين خالي الوفاض، اللهم إلا من بضع اتفاقات تجارية مع الصين؛ فلم يستطع أن يحصل على أي دعم من الصين لسياسته العدوانية في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك الحرب على إيران؛ بل إنه قد تلقى تحذيرا من تدخله في قضية تايوان التي تراها الصين مسألة تتعلق بشؤونها الداخلية، وهو ما جعل ترامب يصرح فور عودته من الصين إلى القول بأن الولايات المتحدة الأمريكية ليست في حاجة إلى الانخراط في صراع يقع على بعد آلاف الأميال منها! وهو تصريح يبدو كما لو كان حفظا لماء الوجه، ولكنه في الوقت ذاته يبدو اعترافا ضمنيا اضطراريا بأن هناك قوى عظمى أخرى (مثل الصين وروسيا) لا يمكن مناوأتها في سعيها لضم أراضي تعتبرها جزءا من حدودها الجغرافية. غير أنه من الضروري التأكيد هنا على أنني لا أعني بمفهوم «الخرائط السياسية» في هذا المقال مجرد «الحدود الجغرافية» التي يمكن ضمها أو إزاحتها أو تعديلها؛ لأن هذه الحدود نفسها تكون نتاجا لموازين القوى المتعددة الجديدة. وعلى هذا، فأنا أعني «بالخرائط السياسية» تلك الخرائط التي تحدد موازين القوى السياسية في عالمنا الجديد، وإن شئنا أن نتخيل تشكيلا لهذه الخرائط، فإنها يمكن أن تشتمل على ثلاث كتل رئيسة: كتلة الدب الروسي والمارد الصيني (مع حلفائهما في كوريا الشمالية وباكستان وإيران، وغيرها)؛ وكتلة الغرب الأوروبي، وكتلة الغرب الأمريكي ممثلا في الولايات المتحدة الأمريكية.
ذلك أن الغرب لم يعد الآن يمثل كتلة واحدة، بل كتلتين رئيستين، وإن كانت أواصر الصلة بينهما غير قابلة للانفصام، رغم مسلك إدارة ترامب الذي يبدو متنصلا من الانخراط في سياسات الكتلة الأوروبية؛ لأن إرث الحضارة الأوروبية في القارة العجوز سيظل ممتدا داخل منجزات الغرب الأمريكي.
ولا شك في أن تحقق عالم متعدد الأقطاب في عصرنا هذا، سوف يصب في النهاية في مصلحة الدول الضعيفة والمهمشة التي لم تعد تملك قرارها في ظل عالم القطب الواحد المهيمن، وهي على الأقل تصبح قادرة على مواجهة محاولات التوسع الاستعماري لقوة ما تهدد وجوده؛ لأنها تدرك أن هناك قوى أخرى يمكن أن تدعمها.