د.حماد عبدالله يكتب: تصدير نظم الإدارة !!
تاريخ النشر: 15th, January 2026 GMT
نظام الإدارة المحلية في مصر – نقلته اليابان حرفيًا في أوائل القرن الثامن عشر ومازالت تعمل به حتي اليوم !!
فقد أرسل إمبراطوار اليابان – بعثه إلي مصر – لنقل نظام الإدارة المحلية عام 1817، حيث ذاع صيت مصر كدولة تتحول إلي الحداثة، وتظهر في المجتمع الدولي – كدولة من الدول الكبرى – بعد تولي "محمد علي" الحكم عام 1805 – وشرع في إرسال البعثات إلي دول العالم وخاصة ( فرنسا )، وقام علي هندسة الري – بإنشاء الترع والسدود والخزانات والقناطر، وأسس اكبر أسطول بحري في المنطقة، ونشط المجتمع هو وأبنائة من بعدة، وشق الخديوي سعيد قناة السويس وإفتتحها الخديوي إسماعيل وأنشأ القاهرة الخديوية – ونقلت مصر نقلة نوعية – وقد كان لوفد (الجايكا) في مصر – وهي مؤسسة يابانية تعمل في مجال التخطيط، حديث بين أعضائها والأعضاء المصريين المشاركين في مصر فى وضع مخطط للقاهرة في الثمانينات من القرن الماضي – حيث صرحوا بأن النظام المتبع في إدارة الأحياء والمدن في اليابان –
منقول من مصر، وأن شيخ الحارة ( المشهور ) في النظام المصري – مازال معمول به في اليابان وشيخ الحارة مسئول عن الحي، وكل مربع سكني له مدير أو إدارة محلية من بعض السكان وبعض موظفي الإدارة المحلية، يقومون علي حل المشاكل الحياتية اليومية للحي ويوجد علي ناصية المربع السكني
( كشك زجاجي ) هو مكتب دائم للمسئول عن المربع السكني ولايسمح لأحد من السكان الجدد في الحي أن ينتقل إلي الحي – دون إثبات حسن سلوكة من الحي المنقول منه ويتطلب ذلك أن يعلم "شيخ الحارة" كل شيء عن السكان سواء المقيمون أو هؤلاء المنقولين إلي الحي من مناطق أخري، وكان نظام "شيخ الحارة" معمول به في أحياء مصر حتي وقت قريب جدًا ولكننا لا نسمع عنه شيء اليوم، ربما لأن "شيخ الحارة" قد إندثر، مع إندثار الإهتمام بالأحياء والحواري والشوارع والميادين، وظهر العبث في كل سلوكيات المجتمع.
إن تصدير مصر لنظم الإدارة المحلية لم يقف فقط عند نقله إلي "اليابان" في القرن الثامن عشر، ولكن نقلنا هذه النظم إلي الدول العربية التي كنا
تقوم علي إرسال بعثاتنا الطبية والعلمية إليها، وكذلك إستعانة تلك الدول بالخبراء في التخطيط والقانون والعدل وأيضًا في تكنولوجيا البناء، لقد صدرنا نظم الإدارة المحلية إلي دول سبقتنا الأن في الحداثة والمدنية – وبخلنا علي أنفسنا بإستخدام هذه النظم، ماذا حدث للمحروسة !!
المصدر
المصدر: بوابة الفجر
إقرأ أيضاً:
د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
لم تكن نظريات الإعلام في يوم من الأيام مجرد بوتقة لإفراغ بعض الآراء في هذا المجال، ولكنها حتمًا كانت ضرورية في تنظيم ما تمر به المعلومة الأولى كسلعة أساسية لهذه المنظومة منذ الكشف عنها وحتى وصولها للجمهور، فنظرية كنظرية الأجندة أو ترتيب الأولويات، وما مرت به من تطور في بعض الأوقات وهجومٍ في وقتٍ آخر، كان وجودها ضرورة في تحديد أولويات الجمهور والوقوف على احتياجاته الأصلية من منطلق واقعه الحقيقي لا من واقع توجهات المؤسسات الإعلامية واهتماماتها الخاصة.
لم يستدعِ طرح هذا النوع من النقاش سوى ما نعيشه من تجاهل إعلاميٍّ تامٍّ لواقع الناس الحقيقي، واللهث الدائم خلف تفاهات لا تستهدف سوى تحقيق أرباح لحظية، وهنا على سبيل المثال لا الحصر، حينما نتحدث عن الأمن القومي للأوطان، تتجه الأذهان غالبًا إلى الحدود والسلاح والاقتصاد، غير أن هناك موردًا لا يقل أهمية عن ذلك كله، بل ربما يتقدم عليها جميعًا، وهو الماء؛ ذلك العنصر الذي جعله الله تعالى أساس الحياة وشرط استمرارها، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
والماء كقضية، هي في حد ذاتها على رأس أولويات الجمهور، بدءًا من فقه التعامل معها، والإحساس بقيمتها وأهميتها، وانتهاءً بالوعي التام بما يحيط بها.
إن المتابع للمشهد الإعلامي يلحظ أن كثيرًا من القضايا تحظى بمساحات واسعة من التغطية والنقاش، بينما لا تزال قضية المياه أقل حضورًا مما تستحق، رغم أنها تمس حياة كل مواطن بصورة مباشرة، وتتصل بالأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والبيئي للدولة، وهنا لا أتحدث فقط عن مخاطر المياه في حد ذاتها، أكثر من سؤال أود طرحه على القائم بالاتصال، وهو: أين دورك في توعية المواطن بقيمة ما لا يمكنه الاستغناء عنه، وبفقه ترشيد استهلاكه؟ وماذا لو استيقظ المواطن على تحديات يُضطر خلالها إلى الالتزام باستخدام قدر لا يمكن أن يزيد عنه في اليوم والليلة من المياه؟
لقد أصبحت المياه في القرن الحادي والعشرين أحد أهم محددات التنمية والاستقرار، ولذا فإن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن العالم يواجه ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية نتيجة النمو السكاني والتغيرات المناخية والتوسع العمراني. وفي ظل هذه التحديات، يصبح الوعي المجتمعي أحد أهم أدوات حماية هذا المورد الحيوي، فماذا قدَّم الإعلام؟!
وإذ كانت أول معلومة تصدر لطلاب الإعلام بأن المهمة الأساسية للإعلام هي التثقيف والتنوير، وأنه دور يفوق المهمة الوحيدة من نقل الخبر والمعلومة دون الإحاطة بأبعادها، فهنا يأتي الدور المحوري للإعلام؛ وهو أن مهمته تمتد إلى بناء الوعي وتشكيل السلوك وصناعة الأولويات المجتمعية، ومن ثمَّ فإن الإعلام مُطالب بأن يجعل قضية المياه قضية يومية حاضرة في أجندته، من خلال البرامج الحوارية والتقارير الميدانية والحملات التوعوية والمحتوى الرقمي الموجَّه لمختلف الفئات العمرية.
إن التوعية بقضايا المياه لا تعني فقط الحديث عن ندرتها أو التحديات المرتبطة بها، بل تشمل أيضًا نشر ثقافة الترشيد، وتصحيح السلوكيات الخاطئة في الاستهلاك، وإبراز الجهود الوطنية في إدارة الموارد المائية، وتعريف المواطنين بالعلاقة الوثيقة بين كل قطرة ماء وبين أمنهم الغذائي ومستقبل أبنائهم، بل وحياتهم أنفسهم.
كما ينبغي الإشارة أيضًا إلى أن المحافظة على المياه ليس مجرد سلوك حضاري، بل هي واجب ديني وأخلاقي، فقد أرست الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة تحثُّ على عدم الإسراف في الموارد كافة، وجعلت الاعتدال منهجًا عامًا للحياة، قال تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقد بلغ من عناية الإسلام بالماء أن النبي ﷺ نهى عن الإسراف فيه حتى في حال الوفرة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار».
وهذا التوجيه النبوي يؤكد أن قيمة الماء لا ترتبط بمدى توفره فقط، وإنما بكونه نعمة يجب صيانتها وحسن الانتفاع بها. ومن هنا فإن ترشيد استهلاك المياه ليس استجابة لاعتبارات اقتصادية أو بيئية فحسب، بل هو التزام ديني يعكس وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه النعمة التي أنعم الله بها عليه.
إن المرحلة الراهنة تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الإعلامية والدينية والتعليمية والمجتمعية من أجل ترسيخ ثقافة الحفاظ على المياه، وتحويلها من مجرد رسائل موسمية إلى ثقافة يومية وسلوك مجتمعي مستدام.
ثم إن خلاصة القول لا بد وأن يعلم القائمون على المنظومة الإعلامية أن المعركة الحقيقية ليست فقط في توفير المياه، وإنما في بناء وعي يحافظ عليها، وأنتم لا شك خط الدفاع الأول في هذه المعركة، بكم تقوم الحياة، وفي غيابكم وتجاهلكم تكثر المخاطر والتحديات.