تحت سقفٍ مائل..30روحًا من عاىلة الخاج في وجه المطر والحصار
تاريخ النشر: 15th, January 2026 GMT
في شمال غزة، بين الحطام وصرخات الشتاء، يقف بيت عائلة الحاج كهيكل يتلوى تحت وطأة الزمن والرياح، كأنه جثة قديمة تُحاول البقاء على قيد الحياة. ثلاثون نفسًا تتقاذفها أمواج البرد والمطر، كل زاوية في المنزل تئن من ثقل الركام، وكل شق في الجدران يهمس بالخطر الداهم. هذا البيت لم يعد مأوى، بل صار عالَمًا صغيرًا من الخوف، حيث كل خطوة يمكن أن تكون الأخيرة، وكل سقف متصدع يضعف تحت ضغط السحب السوداء.
الشتاء هنا يختلف عن أي مكان آخر. الرياح تزمجر في الشقوق، والمطر يقتحم الغرف كما لو كان ينوي غسل كل شيء، ليس فقط الجدران، بل ذكريات عائلة بأكملها. الهواء داخل المنزل يختلط برائحة الغبار والرطوبة، ويجعل كل تنفس كأنه نغمة حزن، وكل حركة داخل الغرف تجربة على حافة الانهيار.
وسط الأنقاض
الجدران المتصدعة والأسقف المعلقة بخيوط حديد صدئ، تبدو وكأنها رسمت خطوط الموت على وجوه السكان. رغم ذلك، تحاول العائلة التمسك بفتات الحياة. الملابس معلقة على الحبال وسط الركام، الأواني متراصة على الأرض المائلة، وطاولة صغيرة وسط الغبار تذكّرهم بأن الحياة ما زالت موجودة، رغم أن أصوات الصرير والخراب تحيط بهم من كل جانب.
رب الأسرة المسن، خالد الحاج، الذي تجاوز السبعين، يرفع صوته بصعوبة: «نحاول البقاء، لكننا نعيش في خوف دائم. في أي لحظة قد ينهار علينا، كما حدث لجيراننا. صوت الحجر المتساقط، وكأن كل ثانية تحمل الموت معنا».
ويضيف لـ«عُمان» «لم أعد أستطيع النوم بدون أن أشعر أن هذا السقف المائل فوق رأسي يتحرك». يلمس الحديد المعلق فوق رأسه، فتشعر الأصابع ببرودة الصدأ وكأنها لمست أطراف الموت.
زوجته فاطمة الحاج، بخطوط وجهها التي رسمتها السنين والمعاناة، تقول بصوت يختنق بين الشفاه: «ثلاثون فردًا في هذا الهيكل، أطفالنا ينامون حيث يتساقط المطر، ونحن كبار السن نحاول حمايتهم. أحيانًا أفكر: هل سيأتي الموت من السقف أولًا، أم من البرد الذي يخترق أجسادهم الصغيرة؟». دموعها تتساقط على الركام، وكأنها تسكب خيبة العائلة كلها على الأرض، وتخلطها بماء المطر الذي يدخل من كل فجوة.
توضح خلال حديثها لـ«عُمان» بعد أن تمالكت نفسها بعض الشيء: «أنا وزوجي كبيران في السن. ومن الظلم أن يقيم الرجل المسن في خيمة؛ فهو مصاب بالسكري وارتفاع ضغط الدم ويعاني من أمراض مزمنة. وأطفالنا الصغار معرضون للأمراض وهم في الخيمة. هذا أمر لا يرضي الله».
قسوة الأمطار
المطر هنا ليس مجرد ماء، بل رسالة قاسية من السماء، يُعيد كل يوم التأكيد على عجز البشر. يتسرب من الشقوق، يجتاح الأرضيات الإسمنتية الباردة، يغمر المفروشات، ويتسلل إلى كل زاوية، حتى تصير الحركة داخل المنزل مغامرة محفوفة بالخطر.
تقول فاطمة وهي مستندة على عكازها وخلفها هيكل الركام: «ننام في الداخل، وكل شيء يبتل ويغرق. المفروشات تسبح في الماء، أقدامنا تتجمد. طلبنا شادرًا من لجنة الطوارئ، لكنهم رفضوا، يقولون لنا: لا يوجد لكم».
كل قطرة مطر هي صدى لصوت الخوف الذي يملأ البيت. الرياح تعزف ألحان الحزن على الجدران المتصدعة، وكل صوت صرير حديد يقطع الصمت كأنه صيحة استغاثة. الأطفال لا يفهمون سبب الهلع المستمر، لكن أعينهم الصغيرة تعرف أن كل ضربة مطر تحمل معها احتمال موت محتمل.
وجوه محطمة
في أركان المنزل، تتجمع وجوه الأطفال المتعبة، تحمل صور القلق والحرمان منذ زمن بعيد. العيون الصغيرة تبحث عن الأمان في العدم، عن حضن يحميها من المطر، عن سقف يحميها من الانهيار. تصرخ فاطمة: «انظروا إلينا! لا أحد ينظر إلينا، لا أحد يسمعنا...». كلماتها تتناثر بين الحطام مثل أوراق شجر ميتة، والهواء الرطب يحمل صداها في كل أرجاء المنزل.
البيت كله يبدو وكأنه صرخة حية. كل حركة، كل ضحكة طفل صغيرة، كأنها نادرة جدًا، وكأنها محاولة لاحتواء الألم. السقف المنحني يحكي كل لحظة خوف عاشتها العائلة، والركام المكسور يصفعهم بواقعهم اليومي القاسي.
حصار بلا رحمة
الحصار الإسرائيلي يزيد الطين بلّة، بل هو الوحل نفسه، المساعدات الأساسية لا تصل، والكرفانات التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار محجوبة عن العائلات. تقول فاطمة: «نريد كرفانًا لنقيم فيه، لكنهم لا يسمحون بدخول المساعدات بالشكل الذي يلبي احتياجاتنا. 6 أسر في بيت متهالك، لا مأوى آمن، لا حماية للأطفال، لا شيء».
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة يؤكد أن المأساة تتفاقم بشكل خطير: 21 شخصًا استشهدوا جراء انهيار المباني، 13 طفلاً ماتوا بسبب البرد، 47 منزلًا انهارت وخرجت 125 ألف خيمة عن الخدمة، وأكثر من مليون ونصف نازح بلا مأوى آمن. كل رقم هنا ليس مجرد إحصاء، بل حياة تزهق كل يوم، ووجوه مكلومة تبحث عن الأمان في عالم حرمها من أبسط مقومات الحياة.
صرخة بلا من يسمع
في لحظات الصمت، ترفع فاطمة صوتها: «انظروا إلينا! انظروا إلى وجوهنا، إلى أطفالنا! لا أحد يسمعنا... لا أحد يرانا». كلماتها تتردد في الهواء كأنها تتحدى السقف المنهار، وتترك أثرًا من الألم على كل زاوية من زوايا البيت.
البيت، بكل ما فيه من خوف وبرد ورعب، أصبح شهادة حية على القهر اليومي في غزة. العائلة تحاول البقاء على قيد الحياة، ومع كل انهيار محتمل، ومع كل موجة مطر، تتجدد التساؤلات: هل ستصل المساعدات يومًا؟ هل سيكون هناك مأوى آمن؟ أم أن الشتاء سيحصد أرواحًا أخرى قبل أن يترك لهم فرصة للحياة؟
بين الركام والمطر والحصار، بين خوف الإنسان وفقدان الأمان، تقف هذه العائلة لتروي قصتها التي لا يسمعها إلا أولئك الذين يجرؤون على النظر خلف الستار، إلى قلب مأساة غزة الحقيقية.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: لا أحد
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.