مناوي يحذر من غموض وغياب الشفافية في التفاوض مع الدعم السريع خلف الأبواب المغلقة .. الهدنة الانفصالية
تاريخ النشر: 16th, January 2026 GMT
متابعات تاق برس- حذر مني أركو مناوي حاكم إقليم دارفور، مما وصفه بغموض وغياب الشفافية حول مسار المفاوضات التي تجريها الحكومة مع أطراف الرباعية والدعم السريع، خلف الأبواب المغلقة،
وقال إن القلق يزداد مع غياب الشفافية التامة حول تفاصيل الهدنة.
وقال حاكم دارفور مني أركو مناوي في مقال مطول على حسابه على فيسبوك اليوم الخميس، الهدنة المطروحة اليوم تأتي في سياق مختلف وخطير، إذ أعقبت ارتكاب قوات الدعم السريع جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي في الفاشر
واضاف ما يثير الريبة هو أن الهدنة طُرحت بعد وقوع الكارثة، لا قبلها
وقال ان التفاوض بين “حكومتين” داخل دولة واحدة لا يمثل سابقة سودانية فحسب، بل يشكّل فخًا سياسيًا خطيرًا، يهدف إلى انتزاع الاعتراف بقوة الأمر الواقع عبر ورقة الهدنة
وحذر قائلا ” مجرد التوقيع المشترك يمنح الطرف المتمرد صفة الندّية والشرعية
وأضاف “يزداد القلق مع غياب الشفافية التامة حول تفاصيل الهدنة؛ لماذا تُدار المفاوضات خلف الأبواب المغلقة؟
بقراءة شاملة لمسار الأحداث، تبدو الهدنة أقرب إلى أن تكون مدخلًا لتفكيك الدولة السودانية، لا جسرًا لإنقاذها
وحذر من ان الهدنة قد تقود إلى ترسيخ واقع التقسيم: مناطق نفوذ، جيوش متعددة، عملات مختلفة، بنوك مركزية متوازية، وزارات خارجية متنازعة، وجوازات سفر متعارضة
مني أركو مناوي
الهدنة الانفصالية :- قراءة سياسية في مستقبل السودان
منذ اندلاع الحرب في السودان ، تحول الحديث عن “ الهدن الإنسانية ” إلى لازمة سياسية متكررة ، تستدعى كلما بلغت المأساة الإنسانية ذروتها ، غير أن الهدنة المطروحة اليوم تأتي في سياق مختلف وخطير ، إذ أعقبت ارتكاب قوات الدعم السريع ( تأسيس ) جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي في مدينة الفاشر ، في واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية التي شهدها تاريخ السودان الحديث والإنسانية كلها ، الفاشر التي كانت يوماً رمزاً للتنوع والتعايش ، تحولت إلى مدينة منكوبة خالية من سكانها وفي أعقاب هذه الجريمة الكبرى ، عاد المجتمع الدولي لطرح “ الهدنة الإنسانية ” كخيار مطروح وهو ما يستدعي قراءة سياسية متأنية لا تكتفي بالشعارات الأخلاقية ، بل تفكك الدوافع والنتائج المحتملة ، لا سيما على وحدة السودان الجغرافية والاجتماعية والسياسية
#الهدنة :- مسار للسلام أم مدخل للتفكيك ….
في الثقافة الشعبية يقال: “ إذا رأيت فقيراً يأكل دجاجاً ، فإما أن الفقير مريض أو أن الدجاجة مريضة ” هذا المثل يلخص جوهر الشك السياسي المشروع تجاه توقيت هذه الهدنة ، فالهدن الإنسانية ، من حيث المبدأ ، تعد أدوات لتخفيف معاناة المدنيين وقد تمهد لإنهاء النزاعات ، غير أن ما يثير الريبة هو أن هذه الهدنة طرحت بعد وقوع الكارثة ، لا قبلها، وبعد أن رفضت قوات الدعم السريع ( تأسيس ) بشكل قاطع أي التزام إنساني ، بما في ذلك حماية المستشفيات وتأمين الممرات الآمنة ، اما الآن ، أن المنظمات الإنسانية تعمل في معظم مناطق السودان، بما فيها دارفور، رغم التعقيدات الأمنية في ظل غياب الهدنة . وعليه، يصبح السؤال مشروعاً :- لماذا الآن؟ ولمصلحة من تُطرح هذه الهدنة في هذا التوقيت تحديداً …؟ إن هذا التناقض يفتح الباب أمام الشك في أن الهدف يتجاوز البعد الإنساني ، ليطال إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي للبلاد ، الهدن في التجارب التاريخية :- دروس لا يجوز تجاهلها التاريخ الحديث زاخر بالأمثلة التي تحولت فيها الهدن الإنسانية من أدوات تهدئة إلى مقدمات للتفكيك والانفصال ، في الصحراء الغربية ( بوليساريو)، ليبيا، الصومال، اليمن وجنوب السودان، لم تكن الهدن دائماً جسوراً للسلام ، بل كانت في كثير من الأحيان محطات انتقالية نحو تقسيم الدول وتآكل سيادتها ، وفي الحالة السودانية تحديداً، تمثل عملية “شريان الحياة” عام 1993 مثالاً صارخاً على كيفية توظيف العمل الإنساني كمدخل سياسي، انتهى لاحقاً بانفصال جنوب السودان عبر استفتاء، سبقه مسار طويل من التطبيع مع واقع الانقسام ، غير أن الوضع الراهن أكثر خطورة وتعقيداً، إذ لا يتعلق الأمر بحكومة تفاوض حركة سياسية ذات مطالب وطنية، بل بحالة غير مسبوقة يجتمع فيها طرفان يدّعيان تمثيل “الحكومة” داخل دولة واحدة: حكومة السودان الشرعية من جهة، وقوات الدعم السريع (تأسيس) التي تسعى لتكريس كيان مواز من جهة أخرى
فخ الاعتراف السياسي المقنع
إن التفاوض بين “حكومتين” داخل دولة واحدة لا يمثل سابقة سودانية فحسب، بل يشكل فخاً سياسياً خطيراً، يهدف إلى انتزاع الاعتراف بقوة الأمر الواقع عبر ورقة الهدنة. فمجرد التوقيع المشترك يمنح الطرف المتمرد صفة الندية والشرعية، وهو ما يتناقض جذرياً مع التضحيات الجسيمة التي قدمها الشعب السوداني دفاعاً عن وحدة الدولة وسيادتها ، هذا المسار يشكل خرقاً مباشراً للمبادئ الأساسية التي سقط من أجلها الشهداء وترملت بسببها النساء، وعلى رأس المبادي
أولاً :- مبدأ وحدة السودان
قوات الدعم السريع (تأسيس) انتهكت هذا المبدأ عبر استقدام عناصر أجنبية ومرتزقة، واستغلال دعم خارجي لفرض تغييرات ديمغرافية قسرية، في محاولة لإعادة تشكيل السودان وفق أجندات لا تمت بصلة للإرادة الوطنية.
ثانياً :- مبدأ وحدة الحكومة والشرعية الدستورية
السعي لتكوين “حكومة موازية” يمثل تقويضاً مباشراً لشرعية الدولة السودانية، وضرباً للأسس التي قامت عليها منذ الاستقلال، وفتحاً لباب الفوضى السياسية والانقسام المؤسسي.
ثالثاً :- وحدة المؤسسة العسكرية
تلقي الدعم السريع تسليحاً ومعدات قتالية من دول أجنبية، واعتماده على النهب والتمويل الذاتي، يتناقض كلياً مع أي حديث عن إصلاح أمني أو بناء جيش وطني موحد، ويؤسس عملياً لتعدد الجيوش داخل الدولة الواحدة.
غموض المفاوضات وغياب الشفافية
يزداد القلق مع غياب الشفافية التامة حول تفاصيل الهدنة. لماذا تُدار المفاوضات خلف الأبواب المغلقة؟ ولماذا يُقصى الشعب السوداني عن معرفة ما يُبرم باسمه؟ وكيف لدول خارجية أن تتفاوض نيابة عن شعب ينزف تحت وطأة الحرب والتهجير؟ ومن يحق له الاطلاع بمهام السلام اكثر ممن ؟ وهل هناك أولويات اكثر من إدارة الحرب القائمة التي يشاركها الجميع ؟
الأخطر من ذلك أن الطرف الذي “يحمل القلم” في العملية السياسية هو ذاته الذي “يحمل المدفع” ويمارس القتل والتطهير، في مفارقة أخلاقية وسياسية لا يمكن القبول بها.
الهدنة كعتبة للتفكك الشامل
بقراءة شاملة لمسار الأحداث، تبدو هذه الهدنة أقرب إلى أن تكون مدخلاً لتفكيك الدولة السودانية، لا جسراً لإنقاذها. فهي قد تقود إلى ترسيخ واقع التقسيم: مناطق نفوذ، جيوش متعددة، عملات مختلفة، بنوك مركزية متوازية، وزارات خارجية متنازعة، وجوازات سفر متعارضة. أي دولة بلا دولة، وسيادة بلا سيادة.
هذا مرض معدي ، عاجلاً او اجلاً سيصيب كل من هو في الساحل والمصب والمنبع .
في الخاتمة:
بين الواجب الإنساني واليقظة الوطنية
لا يختلف اثنان على أولوية تحسين الأوضاع الإنسانية وحماية المدنيين. غير أن الهدنة التي يُراد تمريرها اليوم قد تحمل في طياتها استقراراً مؤقتاً، مقابل ثمن استراتيجي فادح يتمثل في تقويض وحدة السودان ، إن الواجب الوطني يقتضي أعلى درجات اليقظة والحذر، حتى لا تتحول الهدنة إلى فخ سياسي يُستكمل به مشروع تفكيك الدولة. فالتاريخ لا يرحم من فرّط في وطنه، ولا يغفر لمن استبدل السيادة الوطنية بإملاءات الخارج. مع الإقرار الكامل ان الأزمة جذورها تاريخيّة متراكمة .
وسيظل الأمل معقوداً على وعي الشعب السوداني وقدرته على التوحد في مواجهة هذه اللحظة المصيرية، دفاعاً عن وطن واحد، وجيش واحد، ودولة واحدة، لا تقبل القسمة ولا الوصاية. إلا بارادة شعبها في الاطر التقليدية المعروفة بعيدة عن وضع اليد او فرض الحالة بالسلاح .
#مني_أركو_مناوي ١٥ يناير ٢٠٢٦م
المصدر
المصدر: تاق برس
كلمات دلالية: أركو مناوي التفاوض مع الدعم السريع الهدنة خلف الأبواب المغلقة قوات الدعم السریع منی أرکو مناوی غیاب الشفافیة هذه الهدنة دولة واحدة غیر أن
إقرأ أيضاً:
رهاب العلمانية!
رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح
يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.