تحكي الطرفة أن أحد المسافرين في دولةٍ ما، أراد حجز تذكرة سفر، فقيل له إن الحجز لن يتم ما لم يدفع شيئًا “إضافيًا” لموظف المطار. وبعد أن دفع وتم الحجز، فوجئ عند فتح باب الصالة بأن المسافرين يركضون نحو الطائرة! وحين وصل، وجد المقاعد قد امتلأت عن آخرها. عاد غاضبًا إلى الموظف محتجًا، فما كان من الأخير إلا أن ردّ عليه ببرود قائلاً: “مهمتي انتهت بالحجز… أنت من كان عليه أن يركض!”

هذه الحكاية ليست مجرد طرفة عابرة، بل تحمل بين سطورها درساً عميقاً في المسؤولية والاعتماد على الذات.

ومع الفارق، فهي تُشبه إلى حدٍّ كبير واقعنا خلال هذه الحرب، حين نُعلّق آمالًا كبيرة على الآخرين، ونتذمّر من أن أقوالهم لا تُقترن بأفعال على المستوى الذي نرجوه.

كثيرون بيننا ينتظرون من الدول الصديقة والشقيقة أن تفعل ما نراه واجبًا عليها، متناسين أن العلاقات الدولية لا تُدار بالعشم ولا بالمشاعر، بل بالمصالح والتوازنات الدقيقة، وأن لكل دولة حساباتها التي تحكمها ظروفها السياسية والاقتصادية والأمنية.

نحن – كسودانيين – نحمل في داخلنا عشمًا نبيلًا، لكنه في كثير من الأحيان يتجاوز حدود الواقعية. نخلط بين حرارة المواقف الإنسانية في التعاملات الشخصية، وبرودة الحسابات في التعاملات الدولية. ننتظر من الآخرين أن يقاتلوا معنا بالنيابة، أو أن يتحركوا وفق ما نرى نحن عدلًا وإنصافًا، دون أن نُدرك أن الدول لا تتصرف بدافع العاطفة، بل وفق معادلات دقيقة تحكمها المصالح والمخاطر.

في تقديري، أي دولة لم تدعم المليشيا المتمردة فهي في صفنا، وأي دولة أعلنت صراحةً أنها تقف مع السودان ووحدته، فهي أيضًا في صفنا، حتى وإن لم تُترجم موقفها إلى أفعال مباشرة على الأرض. فالتصريح في حد ذاته موقف سياسي له وزنه وتأثيره، لا سيما في عالمٍ تحكمه الاصطفافات الحساسة.

ومن خلال متابعتي، أجد أن مؤسسات الدولة السودانية — السياسية والعسكرية والدبلوماسية — واعية ومتفهمة بشكل جيد لهذه التوازنات، وتتعامل معها بعقلانية واتزان، مدركة لتعقيدات المشهد الدولي، ومُثمنة تمامًا لمواقف الدول الصديقة التي وقفت إلى جانب السودان في هذه المرحلة الصعبة، سواء كان دعمها ماديًا أو سياسيًا أو حتى معنويًا. وهذا الوعي المؤسسي يمنح الثقة بأن القرار السوداني أصبح أكثر نضجًا وصلابة في مواجهة تقاطعات المصالح الإقليمية والدولية.

وأيضًا علينا ألا ننسى أن الحرب مكرٌ وخديعة، ولا يُقال فيها كل شيء. فليست كل المواقف تُعلن، ولا كل التحركات تُكشف. ومن تراه يتحدث بإيجابية ودافع صداقة، ربما لا تدري عن أفعاله شيئًا، وقد يكون يسهم في الخفاء بما هو أنفع وأعظم مما يُقال في العلن. فالحرب ليست ميدان الشعارات، بل ميدان الحقائق التي لا تتكشف إلا مع مرور الوقت.

لكن يبقى الجوهر في النهاية: لا يمكن لأي دولة أن تنتصر دون أن تركض بنفسها. لا يكفي أن نحصل على “الحجز” السياسي والدعم اللفظي، فالمعركة تُحسم بخطواتنا نحن، وبما نبذله من جهد وصمود وتخطيط. إن من ينتظر أن يقاتل الآخرون نيابةً عنه، سيجد المقاعد قد امتلأت والطائرة قد أقلعت.

السودان اليوم يقف في مرحلة دقيقة من تاريخه، يواجه فيها حربًا فُرضت عليه، لكنه في الوقت ذاته يملك مقومات النهوض والانتصار. الدعم الخارجي مهم، لا شك، لكنه ليس بديلاً عن العمل الوطني والإرادة الداخلية.

لقد آن الأوان أن ندرك أن الطريق إلى النصر لا يُعبّد بالعشم، بل بالعمل والركض نحو الهدف. فالعشم جميل ما دام محفزًا، لكنه يصبح عبئًا حين يحجب عنا حقيقة أن المعارك تُكسب في الميدان لا في المكاتب، وبالجهد لا بالانتظار.

وكما قال موظف المطار في الطرفة: “مهمتي انتهت بالحجز، أما الركض فعليك أنت” — ونحن نقول اليوم: قد يعلن البعض دعمهم لنا، وقد يتمنون لنا النصر، لكن الركض نحو النصر… واجبنا نحن وحدنا.

عميد شرطة (م)

عمر محمد عثمان

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/01/16 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة اليوم أسلم علي ديدان الروح إلى باريها2026/01/16 ليس كل المدردم ليمون وخلف كل كذبة تموت أكذوبة جديدة2026/01/16 مستشارو ولايفاتية الجنجا يدخلوا في غيبوبة النهاية وعبدالمنعم الربيع يركب سفينة الجنون2026/01/15 مبرووك جيشنا الذى جعل كلَّ هذا ممكناً2026/01/15 زيارة المفوض السامي2026/01/15 إبراهيم شقلاوي يكتب: السودان بين المشروع الوطني والعقد الاجتماعي2026/01/15شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات إسحق أحمد فضل الله يكتب: (نوبة رمضان) 2026/01/15

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف

 

قال تقرير دوري لمجلس الأمن الدولي إن الحرب في السودان دخلت مرحلة أقرب إلى “حرب استنزاف” طويلة الأمد، مع استمرار تدفق الأسلحة والدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، وترسخ ما وصفه بانقسام فعلي لمناطق السيطرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

التغيير ــ وكالات

وأوضح التقرير الشهري الصادر في أول يونيو الجاري أن النزاع، الذي دخل عامه الرابع، يشهد تصعيداً في عدة جبهات، لا سيما في إقليمي دارفور وكردفان، بالتزامن مع توسع استخدام الطائرات المسيرة والأسلحة المتطورة، الأمر الذي يزيد من مخاطر امتداد تداعيات الحرب إلى دول الجوار.

وأضاف أن استمرار القتال أدى إلى مزيد من تفكك مؤسسات الدولة وإضعاف هياكل الحكم الهشة أصلا، في وقت لم تنجح فيه حتى الآن الجهود الإقليمية والدولية في تحقيق تقدم ملموس نحو تسوية تفاوضية أو وقف مستدام لإطلاق النار.

وأشار التقرير إلى أن الخلافات بين أعضاء مجلس الأمن لا تزال تعرقل التوصل إلى مواقف موحدة بشأن عدد من القضايا المرتبطة بالنزاع، بما في ذلك حماية المدنيين وآليات المساءلة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني، رغم توافقهم على ضرورة وقف الأعمال القتالية وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

وحذر التقرير من استمرار التدهور الإنساني، مشيراً إلى أن 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 135 ألفاً في ظروف كارثية.
كما لفت التقرير إلى أن الوصول الإنساني لا يزال يواجه قيوداً كبيرة بسبب انعدام الأمن والعقبات اللوجستية والإدارية، فيما تظل عدة مناطق في دارفور وكردفان معرضة لخطر المجاعة.

وفي الجانب الحقوقي، أشار التقرير إلى تصاعد المخاوف بشأن تأثير الطائرات المسيّرة على المدنيين والبنية التحتية المدنية، في ظل تقارير أممية تفيد بارتفاع أعداد الضحايا المدنيين المرتبطين بهذه الهجمات خلال الأشهر الأخيرة.

ومن المتوقع أن يتلقى مجلس الأمن خلال شهر يونيو الإحاطة الدورية الخاصة بالوضع في السودان، والتي تُقدَّم كل 120 يوماً.

كما يُنتظر أن يتلقى المجلس خلال الشهر إحاطة بشأن أعمال لجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 1591 الخاصة بالسودان. إلا أنه حتى وقت إعداد التقرير لم يكن قد تم تعيين رئيس اللجنة، نظراً لعدم توصل أعضاء المجلس بعد إلى اتفاق بشأن توزيع رئاسة الهيئات الفرعية التابعة للمجلس خلال العام الحالي.

ويشهد السودان منذ أبريل 2023 حرباً بين الجيش وقوات الدعم السريع أودت بحياة عشرات الآلاف، وأدت إلى نزوح ولجوء ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، في أزمة تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم.

الوسوماستنزاف انقسام داخلي حرب السودان مجلس الأمن الدولي

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • هند الضاوي: ترامب ينتقد الإدارات السابقة لكنه يسير على نهجها في الشرق الأوسط
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • رهاب العلمانية!
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • سامي الشيشيني: أحمد فتوح من أفضل اللاعبين لكنه “مزاجنجي”
  • رئيس الوزراء السوداني يصدر قرارات وتوجيهات للجمارك والجوازات وشركات الطيران بشأن مطار بورتسودان
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش