تفكيك الأونروا- استكمال لحرب الإبادة
تاريخ النشر: 16th, January 2026 GMT
من يستحق جائزة نوبل للسلام لعام 2025 أكثر من وكالة إغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين (أونروا)؟ إنها المنظمة الدولية الأكثر حضورا في قطاع غزة أثناء حرب الإبادة. لقد عملت تحت وابل المدافع والصواريخ والقذائف والمسيرات، وقدمت نحو 380 شهيدا في غزة، إضافة إلى تدمير أكثر من 300 من مبانيها، بالإضافة إلى اعتقال عدد كبير من موظفيها وتعرضهم للتعذيب.
وقد أثار هذا الموقف إعجاب الملايين من البشر حول العالم، وانطلقت حملات شعبية لجمع التبرعات للوكالة، ساهمت بسد بعض الثغرات في عجز موازنتها الخطير. لقد برز اسم المفوض العام للوكالة فيليب لازاريني، عالميا وأصبح نموذجا للموظف الدولي الصلب، الذي لم يفقد بوصلته خلال حرب الإبادة، وظل يردد «إن الأونروا مستهدفة لأسباب سياسية تتعلق بحق الفلسطينيين في العودة». وقد أثمرت تلك الجهود المضنية اعتماد قرار في الجمعية العامة يوم 5 ديسمبر، جدّد ولاية الأونروا لمدة ثلاث سنوات بتأييد 151 دولة ومعارضة 10 دول وامتناع 14 دولة عن التصويت.
عشية حرب الإبادة كان عدد موظفي الوكالة نحو 30 ألف موظف، غالبيتهم الساحقة من الفلسطينيين، من بينهم نحو 20 ألف معلم. كما يعمل الآلاف في مراكز الرعاية الصحية الأساسية والتدريب المهني وغير ذلك من الخدمات الحيوية. الأونروا هي أكبر مزود للرعاية الصحية الأولية في غزة، حيث تجري ما يقرب من 17000 استشارة طبية يومياً. والأونروا ثاني أكبر مزود للرعاية الصحية في الضفة الغربية، وتقدم خدمات تعليمية في غزة لنحو 650 ألف فتى وفتاة يعيشون الآن بين الركام والأنقاض. وفي غياب دولة مكتملة الأركان، فإن الأونروا وحدها هي القادرة على إعادتهم، أو على الأقل بعضهم إلى مقاعد الدروس. ووحدها الأونروا القادرة على تقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا نتيجة الظروف الصعبة للبلدين أساسا.
لكن الغريب أن لازاريني المفوض العام للوكالة، وفي الأشهر الثلاثة الأخيرة لولايته، أخذ مجموعة قرارات غريبة وخطيرة وغير مسبوقة. فقد قرر إنهاء خدمات نحو 650 موظفا فلسطينيا في يوم واحد. معظم هؤلاء الموظفين من أبناء قطاع غزة، وموجودون خارج القطاع، خاصة في مصر، بسبب طبيعة أعمالهم، أو اضطرارهم للخروج من القطاع أثناء حرب الإبادة. كما أن القرار تزامن مع وقف عمل حراس الأمن في مقر الأونرورا بعمّان، وتخفيض رواتب موظفي الأونروا في غزة والضفة بنسبة 20%، ووقف دفع بدل مخاطرة التي تدفع لمن يعمل في مناطق خطرة.
كما تم إلغاء نظام التثبيت الوظيفي، بعد عدد محدد من سنوات الخدمة. واعتبارا من فبراير سيتم تقليص ساعات الدوام الأسبوعي من 37.5 ساعة إلى 30 ساعة. ومن جهة أخرى بدأت الوكالة عمليا بتغيير مناهج الدراسة، انطلاقا من لبنان وبشطب استخدام كلمة فلسطين من على الخريطة. وهناك حملة شعبية بين فلسطينيي لبنان لفضح هذه الخطوة الخطيرة، التي سيتم تدويرها في مناطق عمليات الوكالة الخمس. فهل كانت الضائقة المالية وراء هذا القرار، علما أن ميزانية الوكالة، وعلى مدى اثني عشر عاما متتالية، شهدت عجزا ماليا سنويا يتراوح بين 100 و120 مليون دولار أمريكي؟ لم يحدث في أي وقت خلال تلك السنوات الاثنتي عشرة طرح فكرة إنهاء خدمات عدد كبير من الموظفين الفلسطينيين، كإجراء تصحيحي، ليس لأنها غير واعية بالعجز، بل لأن إنهاء خدمات الموظفين بطريقة جماعية لم يكن خيارا مشروعا على الإطلاق. نحن نقر بأن العجز في الميزانية هذه المرة، كبير بعد انجرار عدد من الدول الأوروبية وراء قرار ترامب بوقف تمويل الوكالة مثل، سويسرا وهولندا وإيطاليا. لكن هذه الإجراءات، كما نراها تتجاوز ذلك، وتتجه نحو هدم الوكالة لا إخراجها من أزمتها.
الغريب أن هذه القرارات الخطيرة المتعلقة بأونروا، تأتي بعد تجديد ولايتها وبعد صدور رأي قانوني من محكمة العدل الدولية يوم 22 أكتوبر 2025 بضرورة حماية الأونروا وعدم تعطيل عملها، والتأكيد على ولايتها. وفي 12 ديسمبر 2025 ، وبأغلبية 139 صوتا مقابل 12 صوتا مع امتناع 19 دولة عن التصويت، اعتمدت الجمعية العامة قرارا يرحب بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، بشأن التزامات إسرائيل فيما يتعلق بوجود وأنشطة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، والدول الثالثة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فكيف نفسر قرارات المفوض العام في الشهور الثلاثة الأخيرة من ولايته؟
لقد ظل يدافع عن الوكالة بشراسة، ويدعو لدعمها فكيف انقلب على مواقفه السابقة، أم أن هناك ضغوطات وتهديدات تصله يوميا، مثله مثل قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومقررة حقوق الإنسان فرانشيسكا ألبانيزي؟ لا نستطيع أن نرى هذا القرار إلا ضمن منظومة الضغوط الأمروإسرائيلية على الوكالة بهدف تفكيكها، لأنها الشاهد الذي يبقي سردية النكبة حية تتناقلها أجيال اللاجئين على مرّ السنين من جهة، والجهة الدولية الرسمية التي تمثل اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة «إلى ديارهم الأصلية»، كما جاء في نص قرار حق العودة 194 (1948) وقرار 302 (1949) الذي أنشأ الوكالة.
إن المحاولات المستمرة لتدمير أو تفكيك الوكالة ما هي في جوهرها إلا محاولات إلغاء حق العودة، وإنهاء الوجود الفعلي للاجئين الفلسطينيين، الذين ظلوا أمناء على حقهم في العودة وقادوا مسيرة النضال الفلسطيني منذ أكثر من 60 عاما أو يزيد، وقدموا عشرات الآلاف من الشهداء على طريق التحرير والعودة.
كما أن هذا القرار الذي يتخذ في الوقت الذي يبدأ وسطاء وقف إطلاق النار الاستعداد لدخول المرحلة الثانية القائمة على إنشاء «مجلس سلام» لحكم غزة وتوفير قوات استقرار تضمن الهدوء، وتمهد الطريق لإنهاء خدمات الوكالة في القطاع واستبدلاها بمنظمات أمريكية ـ إسرائيلية تعمل الولايات المتحدة على إنشائها، لضمان أن المساعدات الإنسانية لا تذهب للأيدي الخاطئة، كما يقولون.
هذه الخطوة في رأيي تكمل خطوات استهداف وجود الشعب الفلسطيني في قطاع غزة عبر القتل والتهجير، وسد نوافذ الأمل وقتل أي إمكانية لعيش كريم. إنها استمرار لحرب الإبادة بوسائل أخرى.
الخوف الآن أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي يخضع هو الآخر لضغوط شديدة في سنته الأخيرة في المنصب، أن يختار مفوضا عاما جديدا لا وزن له أو متساوقا مع المطالب الأمروصهيونية، وينهي ما بدأه لازاريني في تفكيك الوكالة.
أتمنى على الدول العربية المستقبلة للاجئين الفلسطينيين، والمجموعة العربية في الأمم المتحدة والجامعة العربية أن تعمل بمنتهى الجدية لمراقبة عملية اختيار المفوض العام ، وإلا سينتهي الأمر باختيار شخص مهمته الإطاحة بالوكالة مرة وإلى الأبد.
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه غزة الأونروا ترامب غزة الاحتلال الأونروا ترامب مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة سياسة مقالات سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة المفوض العام حرب الإبادة فی غزة
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.