في لحظة تتشابك فيها الجغرافيا مع السياسة، ويتقدم فيها النفط على الشعارات، عادت خريطة الصراع الدولي لتفرض نفسها بقوة على المشهد العالمي، من أقصى شمال الكرة الأرضية في جزيرة جرينلاند، إلى قلب أمريكا اللاتينية حيث تقف فنزويلا على فوهة بركان المصالح المتعارضة. تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل جاءت كاشفة عن عقلية استراتيجية ترى العالم ساحة مفتوحة للتنافس، وتتعامل مع المواقع الاستراتيجية بوصفها أوراق ضغط لا غنى عنها في صراع القوى الكبرى.

جرينلاند.. جزيرة جليدية في قلب الصراع الساخن

أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاصفة من الجدل حين أعلن صراحة أن الولايات المتحدة “بحاجة إلى امتلاك جزيرة جرينلاند”، مبررًا ذلك بمخاوف تتعلق بالأمن القومي الأمريكي ومنع روسيا أو الصين من التمدد في المنطقة مستقبلًا. وخلال حديثه للصحفيين داخل البيت الأبيض، لم يترك ترامب مجالًا للتأويل، مؤكدًا أن واشنطن ستتخذ خطوات تجاه جرينلاند “سواء أعجبهم أم لا”، في إشارة مباشرة إلى سكان الجزيرة والدنمارك التي تتبعها إداريًا.

جرينلاند، الإقليم شبه المستقل التابع لمملكة الدنمارك، ليست مجرد قطعة جغرافية مغطاة بالجليد، بل تمثل موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، خاصة مع ذوبان الجليد وفتح ممرات ملاحية جديدة، فضلًا عن ثرواتها الطبيعية المحتملة. ورغم أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل وجودًا عسكريًا على الجزيرة بموجب اتفاقية دفاعية تعود إلى عام 1951، فإن ترامب يرى أن “عقود الإيجار” لا تكفي، وأن “الملكية” وحدها هي الضمان الحقيقي للدفاع.

استياء أوروبي وتحذيرات دبلوماسية

تصريحات ترامب قوبلت بردود فعل غاضبة في الدنمارك وعموم أوروبا، حيث اعتبرها قادة أوروبيون تجاوزًا للسيادة وتجاهلًا للأعراف الدولية، خاصة أن الولايات المتحدة والدنمارك حليفان داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”. ولم يتأخر الرد الأوروبي، إذ أصدرت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا وبريطانيا والدنمارك بيانًا مشتركًا شدد على أن جرينلاند والدنمارك وحدهما من يملكان حق تقرير مستقبل علاقتهما.

لكن خلف هذا التوتر الدبلوماسي، تكمن حقيقة أعمق: العالم بات يعيش مرحلة إعادة توزيع النفوذ، حيث تتحول المواقع الجغرافية إلى مفاتيح للسيطرة، وتصبح الجزر النائية نقاط ارتكاز في صراع النفوذ بين واشنطن ومنافسيها.

 فنزويلا في قلب المعادلة النفطية

من جانبه، كشف اللواء أركان حرب الدكتور سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، في قراءته لتداعيات التحرك الأمريكي الأخير المتعلق بفنزويلا، والذي تجاوز كونه حادثًا منفردًا ليعكس فصولًا جديدة من المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى.
يوضح اللواء سمير فرج أن فنزويلا تمثل نقطة ارتكاز شديدة الحساسية في الصراع الدولي، نظرًا لارتباطها الوثيق بإمدادات النفط لكل من روسيا والصين. فالدولتان كانتا تعتمدان على النفط الفنزويلي عبر ما يُعرف بـ«أسطول الظل»، وهو شبكة من السفن التي تعمل بعيدًا عن الرقابة الدولية، لتجاوز العقوبات الأمريكية المفروضة على بعض المراكب من الدخول إلي دول مثل فنزويلا وإيران.

ضبط إحدى هذه السفن مؤخرًا لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل خطوة محسوبة تحمل أبعادًا اقتصادية وسياسية، إذ من شأنها أن تؤثر مباشرة على إمدادات الطاقة التي تعتمد عليها موسكو وبكين، ما ينعكس على اقتصادهما في لحظة دقيقة.

العقوبات الأمريكية وأساطيل الظل

تفرض الولايات المتحدة حظرًا صارمًا على عدد من السفن التي يُشتبه في استخدامها لنقل النفط بشكل غير قانوني. ومع ذلك، تلجأ بعض الدول إلى ما يسمى بـ«أسطول الظل»، حيث يتم تفريغ النفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، في عملية معقدة تهدف إلى إخفاء المصدر الحقيقي للشحنات.

ويرى فرج أن هذه الممارسات باتت معروفة لواشنطن، التي قررت توجيه ضربة مباشرة لإرسال رسالة ردع واضحة.. العقوبات ليست حبرًا على ورق، ومن يحاول الالتفاف عليها سيدفع الثمن.

روسيا بين العقلانية وضغوط الحرب

في تحليله للموقف الروسي، يشير اللواء سمير فرج إلى أن موسكو تعاملت مع الواقعة بقدر كبير من العقلانية. فروسيا منشغلة بالكامل بحربها في أوكرانيا، ولا ترغب في فتح جبهة جديدة مع الولايات المتحدة. كما أن السفينة المضبوطة لم تكن ترفع العلم الروسي إلا منذ فترة قصيرة، مما يمنح موسكو مخرجًا دبلوماسيًا لتجاوز الأزمة دون تصعيد.

من منظور عسكري، يشبه فرج الموقف بمبدأ معروف.. عندما يكون لديك أكثر من اتجاه مشتعل، عليك تثبيت جبهة والتركيز على الأخرى. وروسيا اختارت تثبيت هذا الاتجاه، وتفادي الاشتباك.

الصين.. الاقتصاد أولًا

أما الصين، فيرى الخبير الاستراتيجي أنها تتحرك بمنطق مختلف، قوامه التركيز على النمو الاقتصادي. فبكين تسير بخطى ثابتة لتصبح، بحلول عام 2030، أقوى اقتصاد في العالم. لهذا السبب، تحاول الولايات المتحدة بحسب فرج استدراج الصين إلى صراعات جانبية، سواء عبر ملف تايوان أو غيره، بهدف إبطاء هذا الصعود.

لكن الصين، كما يؤكد، ليست ساذجة للدخول في حرب تستنزف مكاسبها الاقتصادية. ورغم أنها أصبحت بالفعل القوة البحرية الأكبر عالميًا متجاوزة الولايات المتحدة، فإنها تفضل استثمار هذا التفوق كورقة ردع، لا كأداة صدام مباشر.

رسائل واشنطن إلى الإقليم

التحرك الأمريكي الأخير لا يقتصر على روسيا والصين فحسب، بل يحمل رسالة واضحة إلى دول أخرى مثل كوبا وإيران، وحتى بعض دول أمريكا الجنوبية. فواشنطن، وفق تعبير فرج، «تضرب المربوط ليخاف السايب»، في إشارة إلى سياسة الردع غير المباشر التي تهدف إلى منع أي توسع في دعم خصومها أو تجاوز خطوطها الحمراء.

في الختام، يكشف هذا المشهد المتشابك عن عالم تحكمه المصالح قبل المبادئ، وتُدار فيه الصراعات بأدوات ذكية لا تعتمد دائمًا على السلاح المباشر. من جرينلاند إلى فنزويلا، تتقاطع حسابات الجغرافيا مع معادلات الطاقة، وتتصادم طموحات القوى الكبرى في صمت محسوب. وبينما تواصل الولايات المتحدة تثبيت نفوذها، وتختار روسيا التريث، وتمضي الصين في صعودها الهادئ، يبقى النفط هو الوقود الحقيقي لهذا الصراع، ليس فقط في محركات السفن، بل في حسابات السياسة العالمية بأسرها.

طباعة شارك فنزويلا الولايات المتحدة روسيا الصين أوكرانيا

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: فنزويلا الولايات المتحدة روسيا الصين أوكرانيا الولایات المتحدة روسیا والصین

إقرأ أيضاً:

نقص حاد.. روسيا تتجه لتمديد حظر تصدير الديزل والبنزين

ذكرت وكالة "إنترفاكس" أن روسيا تدرس تمديد حظر تصدير الديزل لشهر آخر مع تصعيد أوكرانيا للهجمات على صناعة النفط في البلاد. وتُضيف هذه الخطوة مزيداً من الضغط على أسواق الوقود المُثقلة أصلاً باضطرابات الإمداد بسبب الظروف الميدانية في مضيق هرمز، ومضيق باب المندب.

وتُعدّ روسيا مُورّداً عالمياً رئيسياً للديزل. وذكرت الوكالة، نقلاً عن مصادر مطلعة لم تُفصح عن هويتها، أن السلطات في موسكو تُناقش أيضاً تمديد حظر تصدير البنزين لستة أشهر أخرى.
ما تأثير الهجمات الأوكرانية على إنتاج النفط في روسيا؟ - موقع 24شنت أوكرانيا، اليوم الخميس، أكبر هجوم بطائرات مسيرة على موسكو منذ عامين، وفقاً لوكالة الأنباء الروسية الرسمية "تاس"، في هجوم ألحق أضراراً بالبنية التحتية، وتسبب في تعطل إنتاج النفط في روسيا.

وقالت إنترفاكس إنه "تم بالفعل إعداد مسودة القرار ذي الصلة، لكن القرار النهائي سيتخذه نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك".

وتكثف أوكرانيا ضرباتها الجوية بعيدة المدى باستخدام مئات الطائرات المسيرة مستهدفةً بشكل مباشر مصافي النفط، ومحطات الضخ، وناقلات الإمداد الاستراتيجية في عمق الأراضي الروسية.

وأدى القصف المستمر والممنهج لأهداف الطاقة في روسيا إلى نقص حاد في الوقود في بعض المناطق، ما تسبب في انقطاعات واسعة النطاق للتيار الكهربائي.

وتشير بيانات رسمية ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي وحسابات أجرتها "رويترز" إلى أن عدد الهجمات بالطائرات المسيرة على المصافي الروسية تضاعف منذ بداية عام 2026، ما أدى إلى توقف كامل أو جزئي لعمليات معالجة النفط، وتراجع إنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات.

وبحسب بيانات نشرتها "بلومبرغ" استناداً إلى التقرير الشهري لمنظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك"، انخفض متوسط إنتاج روسيا من النفط الخام في مايو (أيار) إلى 9.009 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى خلال عام.

ودعت السلطات في مناطق روسية عدة، أصحاب العمل بشكل عاجل إلى تحويل الموظفين لنظام العمل عن بُعد، بعد أن أثرت أزمة وقود حادة على أكثر من 90% من مناطق البلاد، خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي.

ومن أبرز المناطق التي دعت للعمل عن بعد، سلطات منطقة نوفوسيبيرسك التي يقطنها نحو ثلاثة ملايين نسمة، وتعد من أكبر مناطق سيبيريا تعداداً للسكان، فضلاً عن أنها تشكل مركزاً اقتصادياً وصناعياً رئيساً.

مقالات مشابهة

  • 673 سفينة و94 بنكا تحت العقوبات.. الاتحاد الأوروبي يصعد ضغوطه على روسيا
  • الولايات المتحدة تفرض رسومًا جمركية جديدة بنسبة 12.5% على واردات روسيا
  • بوتين: روسيا من الدول القليلة التي تصنع مستلزمات الإنتاج التسلسلي للأسلحة
  • ‏ترامب: سداد قيمة أي أضرار تلحق بالسفن باستخدام الأموال الإيرانية التي تحوزها الولايات المتحدة
  • وزير الخارجية الألماني ينتقد قرار الولايات المتحدة عدم دعوة جنوب إفريقيا إلى اجتماعات مجموعة العشرين
  • نقص حاد.. روسيا تتجه لتمديد حظر تصدير الديزل والبنزين
  • إيران تستعد.. هل أوشكت الولايات المتحدة على الدخول البري؟
  • حالة من القلق في واشنطن إزاء الهجمات الحوثية على ناقلات نفط سعودية
  • أمريكا تتوعد إيران والحوثيين بعد ضرب ناقلات النفط
  • الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟