من جليد جرينلاند إلى نفط فنزويلا| كيف ترسم واشنطن خرائط النفوذ في صراعها مع روسيا والصين؟
تاريخ النشر: 16th, January 2026 GMT
في لحظة تتشابك فيها الجغرافيا مع السياسة، ويتقدم فيها النفط على الشعارات، عادت خريطة الصراع الدولي لتفرض نفسها بقوة على المشهد العالمي، من أقصى شمال الكرة الأرضية في جزيرة جرينلاند، إلى قلب أمريكا اللاتينية حيث تقف فنزويلا على فوهة بركان المصالح المتعارضة. تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل جاءت كاشفة عن عقلية استراتيجية ترى العالم ساحة مفتوحة للتنافس، وتتعامل مع المواقع الاستراتيجية بوصفها أوراق ضغط لا غنى عنها في صراع القوى الكبرى.
أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاصفة من الجدل حين أعلن صراحة أن الولايات المتحدة “بحاجة إلى امتلاك جزيرة جرينلاند”، مبررًا ذلك بمخاوف تتعلق بالأمن القومي الأمريكي ومنع روسيا أو الصين من التمدد في المنطقة مستقبلًا. وخلال حديثه للصحفيين داخل البيت الأبيض، لم يترك ترامب مجالًا للتأويل، مؤكدًا أن واشنطن ستتخذ خطوات تجاه جرينلاند “سواء أعجبهم أم لا”، في إشارة مباشرة إلى سكان الجزيرة والدنمارك التي تتبعها إداريًا.
جرينلاند، الإقليم شبه المستقل التابع لمملكة الدنمارك، ليست مجرد قطعة جغرافية مغطاة بالجليد، بل تمثل موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، خاصة مع ذوبان الجليد وفتح ممرات ملاحية جديدة، فضلًا عن ثرواتها الطبيعية المحتملة. ورغم أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل وجودًا عسكريًا على الجزيرة بموجب اتفاقية دفاعية تعود إلى عام 1951، فإن ترامب يرى أن “عقود الإيجار” لا تكفي، وأن “الملكية” وحدها هي الضمان الحقيقي للدفاع.
استياء أوروبي وتحذيرات دبلوماسيةتصريحات ترامب قوبلت بردود فعل غاضبة في الدنمارك وعموم أوروبا، حيث اعتبرها قادة أوروبيون تجاوزًا للسيادة وتجاهلًا للأعراف الدولية، خاصة أن الولايات المتحدة والدنمارك حليفان داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”. ولم يتأخر الرد الأوروبي، إذ أصدرت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا وبريطانيا والدنمارك بيانًا مشتركًا شدد على أن جرينلاند والدنمارك وحدهما من يملكان حق تقرير مستقبل علاقتهما.
لكن خلف هذا التوتر الدبلوماسي، تكمن حقيقة أعمق: العالم بات يعيش مرحلة إعادة توزيع النفوذ، حيث تتحول المواقع الجغرافية إلى مفاتيح للسيطرة، وتصبح الجزر النائية نقاط ارتكاز في صراع النفوذ بين واشنطن ومنافسيها.
فنزويلا في قلب المعادلة النفطيةمن جانبه، كشف اللواء أركان حرب الدكتور سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، في قراءته لتداعيات التحرك الأمريكي الأخير المتعلق بفنزويلا، والذي تجاوز كونه حادثًا منفردًا ليعكس فصولًا جديدة من المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى.
يوضح اللواء سمير فرج أن فنزويلا تمثل نقطة ارتكاز شديدة الحساسية في الصراع الدولي، نظرًا لارتباطها الوثيق بإمدادات النفط لكل من روسيا والصين. فالدولتان كانتا تعتمدان على النفط الفنزويلي عبر ما يُعرف بـ«أسطول الظل»، وهو شبكة من السفن التي تعمل بعيدًا عن الرقابة الدولية، لتجاوز العقوبات الأمريكية المفروضة على بعض المراكب من الدخول إلي دول مثل فنزويلا وإيران.
ضبط إحدى هذه السفن مؤخرًا لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل خطوة محسوبة تحمل أبعادًا اقتصادية وسياسية، إذ من شأنها أن تؤثر مباشرة على إمدادات الطاقة التي تعتمد عليها موسكو وبكين، ما ينعكس على اقتصادهما في لحظة دقيقة.
العقوبات الأمريكية وأساطيل الظلتفرض الولايات المتحدة حظرًا صارمًا على عدد من السفن التي يُشتبه في استخدامها لنقل النفط بشكل غير قانوني. ومع ذلك، تلجأ بعض الدول إلى ما يسمى بـ«أسطول الظل»، حيث يتم تفريغ النفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، في عملية معقدة تهدف إلى إخفاء المصدر الحقيقي للشحنات.
ويرى فرج أن هذه الممارسات باتت معروفة لواشنطن، التي قررت توجيه ضربة مباشرة لإرسال رسالة ردع واضحة.. العقوبات ليست حبرًا على ورق، ومن يحاول الالتفاف عليها سيدفع الثمن.
روسيا بين العقلانية وضغوط الحربفي تحليله للموقف الروسي، يشير اللواء سمير فرج إلى أن موسكو تعاملت مع الواقعة بقدر كبير من العقلانية. فروسيا منشغلة بالكامل بحربها في أوكرانيا، ولا ترغب في فتح جبهة جديدة مع الولايات المتحدة. كما أن السفينة المضبوطة لم تكن ترفع العلم الروسي إلا منذ فترة قصيرة، مما يمنح موسكو مخرجًا دبلوماسيًا لتجاوز الأزمة دون تصعيد.
من منظور عسكري، يشبه فرج الموقف بمبدأ معروف.. عندما يكون لديك أكثر من اتجاه مشتعل، عليك تثبيت جبهة والتركيز على الأخرى. وروسيا اختارت تثبيت هذا الاتجاه، وتفادي الاشتباك.
الصين.. الاقتصاد أولًاأما الصين، فيرى الخبير الاستراتيجي أنها تتحرك بمنطق مختلف، قوامه التركيز على النمو الاقتصادي. فبكين تسير بخطى ثابتة لتصبح، بحلول عام 2030، أقوى اقتصاد في العالم. لهذا السبب، تحاول الولايات المتحدة بحسب فرج استدراج الصين إلى صراعات جانبية، سواء عبر ملف تايوان أو غيره، بهدف إبطاء هذا الصعود.
لكن الصين، كما يؤكد، ليست ساذجة للدخول في حرب تستنزف مكاسبها الاقتصادية. ورغم أنها أصبحت بالفعل القوة البحرية الأكبر عالميًا متجاوزة الولايات المتحدة، فإنها تفضل استثمار هذا التفوق كورقة ردع، لا كأداة صدام مباشر.
رسائل واشنطن إلى الإقليمالتحرك الأمريكي الأخير لا يقتصر على روسيا والصين فحسب، بل يحمل رسالة واضحة إلى دول أخرى مثل كوبا وإيران، وحتى بعض دول أمريكا الجنوبية. فواشنطن، وفق تعبير فرج، «تضرب المربوط ليخاف السايب»، في إشارة إلى سياسة الردع غير المباشر التي تهدف إلى منع أي توسع في دعم خصومها أو تجاوز خطوطها الحمراء.
في الختام، يكشف هذا المشهد المتشابك عن عالم تحكمه المصالح قبل المبادئ، وتُدار فيه الصراعات بأدوات ذكية لا تعتمد دائمًا على السلاح المباشر. من جرينلاند إلى فنزويلا، تتقاطع حسابات الجغرافيا مع معادلات الطاقة، وتتصادم طموحات القوى الكبرى في صمت محسوب. وبينما تواصل الولايات المتحدة تثبيت نفوذها، وتختار روسيا التريث، وتمضي الصين في صعودها الهادئ، يبقى النفط هو الوقود الحقيقي لهذا الصراع، ليس فقط في محركات السفن، بل في حسابات السياسة العالمية بأسرها.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: فنزويلا الولايات المتحدة روسيا الصين أوكرانيا الولایات المتحدة روسیا والصین
إقرأ أيضاً:
673 سفينة و94 بنكا تحت العقوبات.. الاتحاد الأوروبي يصعد ضغوطه على روسيا
اعتمد الاتحاد الأوروبي، الجمعة، الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات المفروضة على روسيا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، واصفا إياها بأنها الأوسع نطاقا خلال السنوات الأربع الماضية، إذ تستهدف مئات الأشخاص والكيانات، إلى جانب القطاعين المالي والعسكري وشبكات نقل النفط والطاقة.
وأعلن مجلس الاتحاد الأوروبي أن الحزمة الجديدة أُقرت بعد أسابيع من المفاوضات بين الدول الأعضاء، وتتضمن إدراج 218 شخصا وكيانا على قائمة العقوبات، في خطوة تهدف إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على موسكو وتقليص قدرتها على تمويل عملياتها العسكرية في أوكرانيا.
وبحسب بيان مجلس الاتحاد الأوروبي، شملت العقوبات الجديدة تجميد أصول 94 بنكا ومؤسسة مالية روسية كبرى، إلى جانب فرض حظر على التعاملات مع 33 مؤسسة مالية روسية إضافية.
كما استهدفت الإجراءات أربعة بنوك و14 منصة لتداول العملات المشفرة خارج روسيا، بعد اتهامها بالمساعدة في الالتفاف على العقوبات الأوروبية، فيما أقر الاتحاد آلية جديدة تسمح بفرض حظر شامل على التعاملات مع جهات في دول ثالثة تستضيف خدمات تشفير تستخدمها موسكو.
توسيع العقوبات على "أسطول الظل"
وفي قطاع الطاقة، أعلن المجلس إدراج 41 سفينة جديدة مرتبطة بما يعرف بـ"أسطول الظل" الروسي، الذي تتهمه بروكسل بالمساهمة في تصدير النفط الروسي بعيدا عن القيود الغربية، ليرتفع عدد السفن الخاضعة للعقوبات إلى 673 سفينة.
كما شملت العقوبات 19 شخصا وكيانا في قطاع النفط، من بينها ثلاث مصاف نفط داخل روسيا ومصفاة كبيرة في بيلاروسيا، إضافة إلى 56 شخصا وكيانا مرتبطين بالصناعات الدفاعية الروسية.
وأشار البيان إلى أن الاتحاد الأوروبي قرر أيضا تثبيت سقف سعر النفط الروسي لمدة عام إضافي، بهدف الحد من عائدات موسكو النفطية مع تقليل تأثير القرار في أسواق الطاقة العالمية.
وقالت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، إن الحزمة الجديدة "تتضمن إجراءات شاملة تستهدف النظام المالي والمجمع الصناعي العسكري وقطاع الطاقة الذي يمول اقتصاد الحرب الروسي".
وأضافت، وفق بيان مجلس الاتحاد الأوروبي، أن العقوبات "تضرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أكثر النقاط تأثيرا، عبر تقليص مصادر التمويل التي تحتاجها روسيا لمواصلة الحرب".
وأكدت كالاس أن الحزمة تعد "الأكبر منذ أربع سنوات"، موضحة أنها تستهدف أكثر من 100 بنك ومقدم خدمات للعملات المشفرة، إضافة إلى أكثر من 40 سفينة من أسطول الظل، وعدد من مصافي النفط في روسيا وبيلاروسيا، فضلا عن أكثر من 50 كيانا يعمل في الصناعات العسكرية، من بينها شركات تشارك في إنتاج الطائرات المسيرة بعيدة المدى.
اعتراض يوناني وانفراج في اللحظات الأخيرة
وكشفت وسائل إعلام أوروبية أن اليونان كانت أبرز المعترضين على بعض بنود الحزمة الجديدة، لا سيما ما يتعلق بحظر نقل الغاز الطبيعي المسال الروسي.
وطالبت أثينا، التي تهيمن شركاتها على جانب كبير من سوق نقل الغاز الطبيعي المسال في أوروبا، بالحصول على إعفاء يسمح لها بمواصلة نقل الغاز الروسي إلى أسواق خارج الاتحاد الأوروبي، رغم دخول الحظر المرتقب حيز التنفيذ مطلع كانون الثاني/ يناير 2027.
وبحسب ما أوردته المصادر الأوروبية، كادت الخلافات أن تعطل اعتماد الحزمة بالكامل، قبل أن تتوصل الدول الأعضاء إلى تسوية تمنح اليونان إعفاء لمدة عام واحد، ما مهد الطريق لإقرار الحزمة رسميا.