خطيب المسجد الحرام: سورة العصر منهج إسلامي متكامل وترسم نظامًا شاملًا للبشر
تاريخ النشر: 16th, January 2026 GMT
أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور عبدالله بن عواد الجهني، المسلمين بتقوى الله -عز وجل- حق تقواه وعبادته كما أمر، وتوحيده مخلصين له الدين.
وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم، بالمسجد الحرام: إن أنفع الكلام وعظًا وأحلاه على التكرار لفظًا كلام من أنزل القرآن تبيانًا، وتولاه حفظًا، ومن ذلكم سورة من سور القرآن الكريم، وهي ثلاث آيات وأربع عشرة كلمة، وثمانية وستون حرفًا، نزلت بعد سورة الشرح، تمثل منهجًا إسلاميًا متكاملًا، وترسم نظامًا شاملًا للبشر، وتنقذ الإنسان من رَدغة الخسران، وتبين وظيفته التي ربّى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا أمته عليها، وهي سورة العصر.
هل صيام الإسراء والمعراج واجبة اليوم؟.. انتبه لـ7 حقائق ليكن لك نصيبا من جبرها
هل فاتك فضل ليلة الإسراء والمعراج بطلوع الشمس؟.. انتبه لـ11 حقيقة
وأضاف قائلًا: "فالعصر هو الدهر، وهو الزمان الذي تقع فيه حركات بني آدم، والمشتمل على الأعاجيب التي تحيط به في زمنه، تقع فيه السراء والضراء، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والعز والذل، والطاعة والمعصية، والنوم واليقظة، والغفلة والصحوة، والاجتماع والافتراق، والعمل والكسل، والربح والخسارة، والحياة والموت، فالزمان مركب الإنسان إلى الآخرة يحمله ويحمل متاعه وبضاعته، وهو مزرعة الأعمال، فكل يوم يمر على الإنسان يقدمه إلى الآخرة، ورأس مال الإنسان عمره، فإذا أضاعه في اللهو واللعب فهو خاسر.
وتساءل: فأي خسارة أعظم من حرمانه من مناجاة ربه، وكل الناس يغدو فمعتق نفسه أو موبقها، فهو مستودع أعمال العباد خيرها وشرها، فحياة الإنسان إما أن يصرفها في المعاصي وذلك أقبح الخسران وأشده، وإما أن يصرفها في المباحات، فإذا صرفها في الطاعات فإن مراتب العبادة والخشوع متفاوتة، فما من طاعة إلا ويمكن الإتيان بها بصورة أفضل وأكمل، فهو وإن كان رابحًا إلا أنه يحس بفوات ربح أكبر فيندم ويحس بالخسران، وعلامة الربح حب الآخرة وإيثارها على الدنيا وعلامة الخسران حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، والوسط فيه النجاة".
وبيّن الشيخ عبدالله بن عواد الجهني أن رأس مال الإنسان في هذه الدنيا هو عمره، واللحظة التي تمر من عمره لن تعود ثانية، فكل واحد منا يذوب رأس ماله، وهو الوقت الذي تحيا فيه قبل أن ينتهي الأجل.
ولفت النظر إلى أن في صخب الحياة وخضمها المتلاطم بموجات الخسران والضلال يظهر عباد الله المخلصون ورجال صالحون وأولياء متقون آمنوا بربهم إيمانًا حملهم على التقوى والهدى، وحبب إليهم الحق، وزينه في قلوبهم ورغبهم في العمل الصالح وحال بينهم وبين اتباع الهوى، فكان هذا الإيمان وقاية لهم من الشر وقائدًا لهم إلى الخير، مؤكدًا أن هؤلاء العباد هم الآمنون إذا فزع الناس، والمطمئنون إذا اضطرب الناس، والمتمسكون بالحق إذا أعرض عنه الناس، والمتواصون بالصبر إذا افتتن الناس.
وأوصى المسلمين بالتواصي بالإيمان بالله عز وجل وبرسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، والصبر على أقدار الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتحلي بصدق الحديث والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وبرحمة اليتيم، وبحفظ الجوارح، وكظم الغيظ، ولين الكلام، وبذل السلام، ولزوم الإمام، والتفقه بالقرآن، وحب الآخرة، والاستعداد للحساب، وقصر الأمل، وحسن العمل.
وقال إمام وخطيب المسجد الحرام "اتقوا الله أيها المسلمون لعلكم تفلحون، وأيقظوا نفوسكم من غفلاتها وخذوا بها إلى طريق نجاتها، واعلموا أنكم في دور الاختبار وستظهر النتائج عن قريب، فقووا صلتكم بالله تعالى وشدوا عزائمكم وشمروا عن سواعدكم، وتحصنوا بكتاب الله عز وجل وبسنة نبيه عليه الصلاة والسلام من محدثات الأمور، واعبدوا الله تعالى على علم وبصيرة واتقوه وراقبوه فإنه يراكم ويسمعكم، وأكثروا من قول لا إله إلا الله فإنها مفتاح الجنة، وارغبوا إلى مولاكم أن يثبتكم على هذه الكلمة المباركة الخفيفة في اللسان، الثقيلة في الميزان، المزينة للديوان بما يرضي الملك الرحمن، وبها يسخط اللعين الشيطان، وبها ينجو العبد المذنب من النيران، وبها يصل العبد إلى نعيم الخلد والأمان".
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: خطيب المسجد الحرام المسجد الحرام خطبة الجمعة سورة العصر
إقرأ أيضاً:
من خلف الشاشات.. خارطة أدوات الحرب الناعمة ومخططات الهيمنة الصامتة في العصر الرقمي
تتنوع الأدوات التي تستخدمها القوى الشيطانية المهيمنة لتنفيذ أجندات الحرب الناعمة، حيث تبرز الأدوات الإعلامية والسينمائية كأخطر هذه الوسائل وأكثرها تأثيراً؛ فهي “اللسان الناطق” الذي يصوغ توجهات الرأي العام عبر القنوات الفضائية والدراما والسينما، وتستهدف هذه الوسائل مختلف الفئات العمرية، لا سيما الأطفال عبر الرسوم المتحركة التي قد تحمل محتويات تروج للعنف أو سلوكيات خادشة للحياء، بهدف إبقاء الشعوب في حالة من التغييب وصرف أنظارهم عن القضايا الجوهرية.
يمانيون |محسن علي
منظومة التأثير الناعم
تُعد الحرب الناعمة استراتيجية متكاملة تهدف إلى إحداث اختراق تدريجي للبنية الثقافية والمعرفية للمجتمعات، وتعتمد فاعليتها على تنوع أدواتها وقدرتها على التغلغل في مختلف مجالات الحياة اليومية، محولةً التغيير القيمي إلى عملية تبدو “طبيعية” وغير مفروضة، حيث تعمل هذه المنظومة عبر قنوات متعددة تستهدف الإنسان في فكره وسلوكه وقراره.
أدوات الحرب الناعمة (وسائط التنفيذ)
في عصرنا الراهن لم تعد فيه المدافع هي الوسيلة الوحيدة لحسم الصراعات، حيث تبرز “الحرب الناعمة” كقوة تدميرية صامتة تتسلل إلى عمق الوعي الإنساني، مستهدفةً إعادة تشكيل القيم والسلوكيات دون إطلاق رصاصة واحدة، ومن خطورتها وصل إلى حد أن يصفها البعض بأنها “تعادل القنبلة الذرية” في قدرتها على التغيير، حيث تتحول الشاشات والمنصات الرقمية إلى ميادين قتال، ويصبح الوعي الجمعي هو الجائزة الكبرى في هذا الصراع الوجودي.
وفي سياق متصل، تلعب الأدوات الرقمية والتقنية دوراً محورياً في الهيمنة المعاصرة، حيث تحول الفضاء السيبراني إلى ساحة للرصد والتجسس وتوجيه المعرفة، وتُستخدم مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث كمنصات مركزية للتأثير في العلاقات والاتجاهات عبر خوارزميات موجهة تستهدف الشباب والنخب، وتعمل على نشر الأنماط الاستهلاكية والانحلال الأخلاقي لإضعاف روح المسؤولية لدى الأجيال الناشئة.
أما الأدوات التعليمية والأكاديمية، فهي تمثل استثماراً طويل الأمد في تشكيل العقول؛ إذ يتم التحكم في مصادر المعرفة عبر المؤسسات التعليمية الأجنبية والبعثات الدراسية، مما يسهم في بناء نخب ذات توجهات فكرية مرتبطة بالمرجعيات الخارجية، يترافق ذلك مع محاولات مستمرة لتغيير المناهج الدراسية وحذف المضامين القيمية الأصيلة، لضمان استدامة التأثير عبر الأجيال.
وعلى المستوى المؤسسي، تُوظف الأدوات الاقتصادية والمنظمات الدولية كوسائط ضغط لإعادة تشكيل السياسات الوطنية. وتُستخدم المؤسسات المالية لفرض سياسات تضعف السيادة الاقتصادية، بينما تعمل المنظمات غير الحكومية تحت عناوين إنسانية لتمرير مخططات تستهدف الهوية الثقافية ونشر قيم مغايرة، وأخيراً، تأتي الأدوات الثقافية والاجتماعية مثل الموضة والرياضة العالمية وصناعة القدوات الفنية، لتعيد تشكيل الذوق العام وتكريس التقليد الأعمى على حساب الهوية الثقافية الأصيلة.
مجالات الاستهداف (مواضع الاختراق)
لا تقتصر الحرب الناعمة على وسيلة واحدة، بل تعمل وفق منظومة متكاملة تستهدف البنية العميقة للمجتمع في عدة مجالات حيوية:
المجال العقائدي والفكري: يمثل قلب الصراع وأساسه، حيث يتم التشكيك في المرتكزات الإيمانية والرموز الدينية تحت غطاء “حرية التعبير”، مع دعم التيارات المنحرفة لإحداث تشويه داخلي ومسخ الهوية الجامعة.
المجال الأخلاقي والاجتماعي: يركز على تفكيك “جهاز المناعة الأخلاقي” عبر استهداف الأسرة والمرأة، وتصوير الحشمة كرجعية والابتذال كتطور، مما يؤدي إلى فقدان المجتمع لمعاييره الضابطة.
المجال السياسي والسيادي: يتم فيه توظيف المفاهيم العالمية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان كأدوات ضغط سياسي لمصادرة ثروات الأمم واستقلالها، وإضفاء الشرعية على التدخلات الخارجية عبر المنظمات الدولية.
المجال الاقتصادي: يتخذ طابع “حرب التبعية” عبر إضعاف الاستقلال الاقتصادي وتحويل المجتمعات إلى أسواق استهلاكية محضة، واستخدام الضغط المعيشي كوسيلة للابتزاز في المواقف السيادية والدينية.
المجال الإعلامي والتقني: يعمل كمحرك تنفيذي لبقية المجالات عبر تزييف الوعي ونشر الشائعات، واستخدام الهيمنة السيبرانية لرصد السلوك وتوجيهه بما يخدم أهداف القوى المهيمنة.
المجال التعليمي: يستهدف بناء الأجيال القادمة وفق تصورات معرفية محددة تضعف القيم الأصيلة وتستبدلها بمفاهيم غريبة عن ثقافة المجتمع ومبادئه.
تكامل الأدوار والمواجهة المطلوبة
إن الحرب الناعمة ليست مجرد أنشطة متفرقة، بل هي بنية تشغيلية شاملة يتحقق تأثيرها بالتراكم والتكامل؛ فالاختراق في أحد المجالات يسهل النفاذ إلى بقية الميادين، كما إن إدراك هذه البنية التكاملية يُعد شرطاً أساسياً لبناء استراتيجيات مواجهة قادرة على تفكيك أدوات التأثير والحد من تداعياتها، وحماية مستقبل الأجيال من التبعية والضياع القيمي.”
ختاما
بناءً على ما سبق، تظل اليقظة الفكرية والتمسك بالهوية الأصيلة هما خط الدفاع الأول في وجه هذه الهجمة المنظمة التي تسعى لتفريغ الإنسان من كرامته وتحويله إلى أداة في يد القوى المهيمنة والاستكبار العالمي.