خطيب الجامع الأزهر: علينا استلهام دروس الإسراء والمعراج في توحيد الصف وبناء الوعي
تاريخ النشر: 16th, January 2026 GMT
ألقى خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر الدكتور عبد الفتاح العواري، عضو مجمع البحوث الإسلامية، والتي دار موضوعها حول: "معجزة الإسراء والمعراج.. دروس وعبر"، موضحًا أن المولى -سبحانه وتعالى- أكرم الله تعالى سيدنا محمد ﷺ برحلتي الإسراء والمعراج، بعد ما لقيه من عناء ومشقة، من أجل تسليته بعد ما اشتد به البلاء ﷺ، وقد جاء ذلك بعدما فقد النبي ﷺ ركنين عظيمين، كان يأوي إليها: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
وأضاف «العواري»، خلال خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر: فكان النبي ﷺ عندما يشتد به البلاء يأوي ويلجأ إلى عمه أبي طالب الذي كان في كفالته بعد موت جده عبد المطلب، كما كان يأوي إلى زوجه خديجة، رضى الله عنها، ولما فقد النبي ﷺ الركنين العظيمين في عام واحد وتراكم الحزن عليه ﷺ حتي سمي هذا العام بعام الحزن، فكانت معجزة الإسراء والمعراج جبرًا لخاطر للنبي ﷺ، ودلالة على عظيم مكانته عند ربه، وتأكيدا على أن بعد العسر يسرًا، وبعد البلاء تكريمًا ورفعة.
وأوضح خطيب الجامع الأزهر، أن معجزة الإسراء هي معجزة طوي فيها الزمن، لا على وفق ناموس البشر ولا قانون الحياة، لأن الذي أسرى به هو من خلق الزمان والمكان وخلق الأسباب وسببها، إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون، فقد أسرى برسوله ﷺ من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بفلسطين، تلك هي الرحلة الأرضية الإلهية التي استخدمت "البراق" في نقل النبي ﷺ، والناظر الى اشتقاقها اللغوي، يدرك أن في تسميتها بالبراق دلالة على السرعة والقوة.
وبين خطيب الجامع الأزهر، أنه عندما وصل النبي ﷺ إلى بيت المقدس وجد إخوانه الأنبياء والمرسلين في انتظاره، فربط الدابة "البراق" في حلق من باب المسجد الأقصى، ثم قدمه جبريل عليه السلام - إماما ليصلي بهم، وفي تقديمه على جميع الأنبياء إيذان وإعلان بأن الميراث الإلهي والقيادة الروحية انتقلت بأمر الله، وبقضائه وحكمه من ولد اسحاق إلى ولد إسماعيل، فأصبحت أمة الإسلام مؤتمنة على المقدسات، تنفيذًا للعهد والميثاق الذي أخذه الله على الأنبياء والمرسلين كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
وأكد خطيب الجامع الأزهر أن الأمة الإسلامية هي المسؤولة عن دين الله وشرعه، وعن وسائر المقدسات التي جعلها الله أمانة في أعناقها، ثم كان بعد ذلك العروج إلى السماوات العلا وصولا إلى سدرة المنتهى، وقد وعد الله رب العالمين نبيه ﷺ في الرحلة الأرضية بما جاء في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، الضمير يعود على النبي ﷺ فهو السميع لأوامر الله والمنفذ لها، وهو البصير الذي أطلعه الله على ما في أسرار الملكوت.
خطيب المسجد الحرام: سورة العصر منهج إسلامي متكامل وترسم نظامًا شاملًا للبشر
خطيب المسجد النبوي: المعراج آية أكبر من الإسراء أكرم الله به خليله محمدًا
وأضاف أنه لما ارتقى النبي ﷺ إلى السماوات العلا في رحلة المعراج، رأي في عالم الغيب وأسراره مالم يطلع عليه نبي قبله ولام ملك من الملائكة المقربين، فرأي الجنة وما فيها، ورأي النار وما فيها، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾، مشيرًا إلى أن معجزة الإسراء والمعراج معجزه ن تبعث في الأمة الإسلام أمل كبير في نصر الله لها وتفريج كروبها، فهي معجزة جاءت بعد معاناة شديدة، لتؤكد أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا، فإذا صدقت الأمة ربها صدقها الله، وإذا نصرته نصرها، قال تعالى﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾.
وفي ختام الخطبة أوصى الدكتور عبد الفتاح العواري، الأمة الإسلامية بأن تستلهم الدروس والعبر من ذكرى الإسراء والمعراج، وفي مقدمتها تحقيق وحدة المسلمين، وبناء الوعي الرشيد واليقظة التامة لما يحاك للأمة من مؤتمرات، فالأمة الإسلامية أمة سلام وتحيتها سلام، وجنتها دار السلام، لا تعادي غيرها ولا تعتدي على أحد، بل أمة تكفل شريعتها كرامة الإنسان وحفظ الدماء، مالم يكن ذلك ردا لعدوان عليها.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: خطيب الجامع الأزهر الجامع الأزهر الأزهر الإسراء والمعراج توحيد الصف خطبة الجمعة معجزة الإسراء والمعراج معجزة الإسراء والمعراج خطیب الجامع الأزهر قال تعالى النبی ﷺ
إقرأ أيضاً:
الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: حفظ المال مقصد شرعي عظيم
عقد الجامع الأزهر، مساء أمس الاثنين، الملتقى الفقهي، لمناقشة موضوع: «الضمانة والكفالة"رؤية فقهية"»، وذلك بمشاركة الدكتور عبد الله النجار، أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة وعضو مجمع البحوث الإسلامية، والدكتور علي مهدي، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر وعضو لجنة الفتوى الرئيسة بالجامع الأزهر، وأدار اللقاء الإعلامي سمير شهاب، بالتلفزيون المصري، وذلك تحت رعاية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف.
قال الدكتور عبد الله النجار إن الله سبحانه وتعالى أنزل الشرائع لتحقيق مصالح العباد واستقامة أحوالهم في الدنيا والآخرة، لأن صلاح الدنيا طريق إلى صلاح الآخرة، وأن المسلم مطالب بأن يستقيم على طاعة الله تعالى في جميع شؤون حياته، ومن الخطأ الاعتقاد بأن امتلاك المال أو السعي إليه يتعارض مع مقصود الشرع أو مع التطلع إلى نعيم الآخرة، فالإسلام لا يذم المال في ذاته، وإنما يوجه الإنسان إلى حسن اكتسابه وإنفاقه فيما يرضي الله تعالى، كما أن العبد لا ينال رضوان الله إلا إذا التزم بما أراده الشرع وأدى الحقوق التي افترضها الله عليه، موضحا أن الفقهاء عند حديثهم عن مقاصد الشريعة الإسلامية ذكروا الكليات الخمس التي تقوم عليها حياة الناس، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل أو العرض، وحفظ المال، وهذه المقاصد تتكامل فيما بينها، ولا تستقيم حياة الأفراد والمجتمعات إلا بتحقيقها جميعا على الوجه الذي أراده الله سبحانه وتعالى، إذ يؤدي كل مقصد منها دورا أساسيا في بناء الإنسان وصيانة المجتمع وتحقيق العمران.
وأضاف الدكتور النجار أن الدين بعد انقطاع الوحي لا ينقل إلى الأجيال بالكلام المجرد فحسب، وإنما ينتقل من خلال السلوك العملي والتعاملات التي تجسد أخلاق الإسلام وأحكامه، فحين يلتزم المسلم بما أمرت به الشريعة يصبح نموذجا يقتدى به، وبذلك يستمر أثر الدين في الناس جيلاًبعد جيل، لذلك فإن حفظ المال يعد من المقاصد الشرعية المهمة؛ لأنه وسيلة إلى عزة النفس وصيانة الكرامة وتحقيق الكفاية، فالإسلام يريد أمة منتجة قوية، "اليد العليا خير من اليد السفلى"، قادرة على العمل والعطاء وتحقيق الاكتفاء والنهوض الحضاري.
نظام الكفالة والضمانوأكد الدكتور عبد الله النجار أن من الوسائل التي شرعتها الشريعة لتحقيق حفظ المال وصيانة الحقوق نظام الكفالة والضمان، لما لهما من دور كبير في توثيق المعاملات وبث الطمأنينة بين المتعاملين وتحقيق المصالح العامة، قال تعالى على لسان إخوة يوسف عليه السلام: "قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ" وهذه الآية تعد من أبرز الأدلة على مشروعية الضمان والكفالة، والفقهاء اشترطوا في الضامن أو الكفيل القدرة على الوفاء بما التزم به.
ومن جانبه، قال فضيلة الدكتور علي مهدي إن الشريعة الإسلامية أولت عناية كبيرة بحفظ الأموال وصيانة الحقوق، وجعلت لذلك وسائل متعددة من أبرزها عقد الضمان، الذي يعد من العقود المهمة في الفقه الإسلامي، لأن الأصل في الدين حسن المعاملة، وأن مظاهر التدين الحقيقية تتجلى في التزام الإنسان بحقوق الآخرين وأدائه لما عليه من واجبات، والفقهاء قسموا العقود إلى ثلاثة أقسام رئيسة: عقود المعاوضات كالبيع والإجارة، وعقود التبرعات كالهبة والوقف، وعقود التوثيقات كالضمان والرهن والكفالة.
وأضاف الدكتور علي مهدي أن الغاية من عقود التوثيق هي حفظ الحقوق ومنع النزاع بين الناس، ولذلك جاءت الكفالة والضمان باعتبارهما من أهم الوسائل التي تحقق الاستقرار في المعاملات المالية، مبينا أن الضمان يكثر استعماله في الأموال والالتزامات المالية، بينما تكون الكفالة غالبا في الأنفس وإحضار الأشخاص، أما الحمالة فترد في بعض صور الديات، لذلك فإن الضمان ليس مجرد وعد أو كلمة تقال، بل يترتب عليه التزام شرعي وقانوني معتبر، وقد وردت في السنة النبوية الشريفة شواهد عديدة تؤكد مشروعيته وأهميته في حفظ الحقوق ومنع ضياع الأموال.
وأشار الدكتور علي مهدي إلى أن الضمان ينقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسة؛ أولها ضمان العقد، وهو الذي ينشأ بإرادة المتعاقدين ورضاهما، كما في عقود البيع ونحوها، ومن صوره المعاصرة ما تقدمه بعض الشركات من ضمان لمنتجاتها لمدة محددة، وثانيها ضمان اليد، ويكون فيما يوضع تحت يد الإنسان على سبيل الأمانة أو الحفظ أو الانتفاع وفق الضوابط الشرعية، أما النوع الثالث فهو ضمان الإتلاف، ويقصد به التزام من أتلف مالا للغير أو تسبب في إتلافه بضمان ما أتلفه وتعويض صاحبه عنه، تحقيقا للعدل وصيانة للحقوق التي جاءت الشريعة بحفظها ورعايتها.