لم تبدأ علاقة الإنسان بالتوابل كشغفٍ بمذاق الطعام، بل كانت رحلةً روحية وطبية في المقام الأول؛ فقد قدستها الحضارات القديمة واستخدمتها في طقوس التحنيط، وصبغ الأقمشة، وكعلاجات طبيعية قبل أن تقتحم عالم الطهي بقرون. هذا المسار التراكمي جعل من التوابل سلعاً استراتيجية شكلت اقتصاد العالم القديم ورسمت خرائط التجارة الكبرى.

ثنائية الفلفل: صراع الشرق والعالم الجديد

تاريخياً، يجب التمييز بين نوعين من "الفلفل" فرقتهما الجغرافيا وجمعهما المذاق الحار:

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 210 علامات تكشف أن البرغر ليس مصنوعا من لحم بقري صافيlist 2 of 2لوجه بلا شيخوخة.. وهم إكسير الذهب الذي قتل نبلاء أوروباend of list

الفلفل الأسود: "ذهب الهند" الأصيل الذي سيطر على طرق التجارة الآسيوية وكان يُباع بوزنه ذهباً.

الفلفل الأحمر (الحار): المكتشف المذهل في "العالم الجديد" (الأميركتين)، حيث زرعته حضارات المكسيك وبيرو وبوليفيا منذ آلاف السنين كجزء من هويتها الغذائية.

في الثقافة المكسيكية، لم يعد الفلفل الحار مجرد طعام، بل لغة رمزية للتعبير عن القوة والطاقة والهوية الاجتماعية (فريبيك)ثورة "كولومبوس" والانتشار العالمي

شهد أواخر القرن الخامس عشر تحولاً جذرياً حين نقل البحارة الإسبان، عقب رحلات كريستوفر كولومبوس، بذور الفلفل الحار من قلب الأمازون إلى أوروبا، ومنها انطلق ليغزو مطابخ آسيا وأفريقيا. واليوم، يتربع هذا المحصول الذي ينتمي لجنس الفليفلة (Capsicum) على عرش النكهات العالمية، ويُحتفى به سنوياً في 16 يناير/كانون الثاني بوصفه "اليوم العالمي للفلفل الحار"، تقديراً لتنوع أصنافه التي تتدرج من البرودة الحلوة إلى الحرارة الفائقة التي تقاس بمقياس سكوفيل.

الفلفل الحار: من نكهة غذائية إلى رمز حضاري

في كتابها فن الطهو والأنثروبولوجيا، تقدم الكاتبة الفلبينية جوي آداون قراءة تتجاوز البعد الحسي للطعام، معتبرة أن الفلفل الحار في الثقافة المكسيكية ليس مجرد عنصر لإضفاء النكهة، بل أداة اجتماعية تسهم في تشكيل الهوية. فقد ارتبط الفلفل الحار في المخيال الشعبي بمعاني القوة والصلابة وإثبات القدرة لدى الرجال، كما اكتسب دلالات رمزية مرتبطة بالطاقة والنشاط لدى النساء، لتتحول الحرارة إلى لغة ثقافية تعبر عن المكانة والحيوية داخل المجتمع.

التوظيف العلاجي والذاكرة الثقافية

وتتلاقى هذه الرؤية مع ما تطرحه الباحثة في أنثروبولوجيا الطعام رانيا هلال، التي تشير إلى أن علاقة الإنسان بالفلفل الحار تمتد إلى ما يزيد على ستة آلاف عام، منذ أن عرفته شعوب الأميركتين قبل انتقاله إلى بقية العالم. ولم يكن انتشاره الواسع محصورًا في قيمته الغذائية، بل ارتبط بخصائص عملية ووظيفية، من بينها قدرته على المساهمة في حفظ الأطعمة في البيئات الحارة قبل ظهور وسائل التبريد الحديثة.

إعلان

كما دخل الفلفل الحار في ممارسات الطب التقليدي لدى عدد من الثقافات، حيث استخدم، غالبًا عند مزجه بمكونات مثل الثوم والزنجبيل، في وصفات شعبية لمواجهة الالتهابات وتخفيف بعض الآلام كالصداع ومشاكل المفاصل. وتبرز هذه الاستخدامات بوضوح في الفلسفات الطبية التقليدية، خاصة في شبه القارة الهندية، مع التأكيد على أنها ممارسات تراثية لا تعد بديلًا عن العلاج الطبي الحديث.

شكّلت التوابل سلعا استراتيجية رسمت طرق التجارة الكبرى وأسهمت في صناعة النفوذ في العالم القديم (بيكسلز)الفلفل بين المناخ والهوية الشعبية

ولا يقتصر حضور الفلفل الحار على الجسد، بل يمتد إلى تشكيل الوعي الجمعي والهوية الغذائية للشعوب. ففي مصر، على سبيل المثال، أصبحت "الشطة" عنصرًا ملازمًا لطبق الكشري، وتحولت جودتها وتوازنها إلى معيار غير معلن لتفوق المحال الشعبية، ما يعكس حضور الفلفل الحار في الثقافة اليومية بوصفه جزءًا من الذائقة العامة.

وفي البيئات الباردة، اكتسب الفلفل الحار أهمية إضافية، إذ تسهم مادة الكابسيسين الفعالة فيه في تحفيز الدورة الدموية ومنح إحساس بالدفء عبر رفع معدل التمثيل الغذائي، وهو ما جعله خيارًا شائعًا في مطابخ تلك المناطق، أحيانًا أكثر تأثيرًا من الأطعمة الدسمة عالية السعرات.

التدرج في الحدة: مقياس للتحمل

وتشير الدراسات الأنثروبولوجية والغذائية إلى أن التنوع الكبير في أصناف الفلفل الحار يعكس تنوعًا في التجربة الإنسانية مع الألم واللذة. فبينما يعد فلفل الهالبينو متوسط الحدة وفق مقياس سكوفيل، كشفت الأبحاث الحديثة عن سلالات شديدة الحرارة مثل "كارولاينا ريبر"، التي تفوقه بمئات المرات من حيث إحساس بالحدة، ما يعيد طرح أسئلة حول حدود التحمل الجسدي ودلالات اختيار الطعام في الثقافات المختلفة.

الفلفل الحار والشوكولاتة: نقيضان في "كيمياء اللذة"

يمنح الفلفل الحار محبيه إحساساً بالمتعة يشبه إلى حد كبير الشعور الذي تختبره أدمغة عشاق الشوكولاتة. فبعد تناول "الشطة"، يصف كثيرون حالة من النشوة العابرة، واليقظة، وقوة التركيز؛ وهي استجابة بيولوجية معقدة يفسرها العلم لا الذوق وحده.

توضح منصة "هيليكس" (Helix) العلمية أن الإحساس بالحرارة الناتج عن الفلفل ليس "طعماً" بالمعنى الحسي التقليدي، بل هو تنبيه عصبي تثيره مادة "الكابسيسين". تقوم هذه المادة بتنشيط مستقبلات الألم والحرارة (TRPV1) في الجهاز العصبي، فيخدع الدماغ ويظن أن الجسم يتعرض لحريق حقيقي. وكرد فعل دفاعي لتهدئة هذا الألم المفترض، يفرز الدماغ "ترسانة" من هرمونات السعادة "الإندورفين"، وهو المسكن الطبيعي للألم في الجسم. و"الدوبامين"، الناقل العصبي المرتبط بنظام المكافأة والمتعة.

هذه الآلية تفسر سبب تشابه الشعور الناتج عن تناول الفلفل الحار مع المتعة التي تمنحها الشوكولاتة، المعروفة أيضاً بقدرتها على تحفيز إفراز الدوبامين. كما تؤثر مادة الكابسيسين في الناقل العصبي (Substance P)، المسؤول عن نقل إشارات الألم، مما يؤدي في النهاية إلى سلسلة من التفاعلات تنتهي بشعور عميق بالاسترخاء والمتعة بعد تجاوز الإحساس الأولي بالحرقة.

تحوّل الإحساس بالألم الناتج عن الفلفل إلى مكافأة عصبية تفسر تعلق البشر به عبر الثقافات (فريبيك)هوس الفلفل الحار.. صراع الأرقام القياسية

في الولايات المتحدة، تطور هذا التفاعل البيولوجي إلى ما يشبه الهوس الجماعي، تمثل في تحديات ومسابقات عالمية. ويعد "إد كاري"، الأب الروحي لهذه الظاهرة؛ حيث استطاع عبر التهجين الزراعي المتقدم تطوير سلالة "كارولاينا ريبر" (Carolina Reaper)، التي حطمت الأرقام القياسية في موسوعة غينيس لسنوات، قبل أن يطور سلالة "فلفل إكس" (Pepper X) الأشد حرارة في العالم.

إعلان

ومع انتشار هذه التحديات، برزت أسماء مثل "جيرالد فاولر" وشركات مثل "بيبر بالاس" (Pepper Palace) التي ساهمت في نشر ثقافة الصلصات الحارقة. إلا أن هذا التنافس لم يخلُ من المخاطر؛ فقد انتهت بعض التحديات بنتائج صحية خطيرة استدعت تدخلاً طبياً عاجلاً، ما أعاد فتح النقاش حول الحدود الفاصلة بين "المتعة الكيميائية" وبين المخاطرة بالسلامة الجسدية في ثقافة الطعام المعاصر.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الفلفل الحار فی

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • لو منعته هتتعب .. فوائد غير متوقعة لتناول الملح
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • جنبلاط اتّصل بشيخ العقل مهنئًا إياه بنجاح القمة الروحية
  • الأرصاد: سحب وأمطار رعدية مع استمرار الطقس الحار على أغلب الأنحاء
  • من الكاريبي إلى المونديال.. مشروع هولندي يقود كوراساو إلى الحلم العالمي
  • أوقعته في شباكها ليسقط ضحية بين شركائها.. حكاية عشيقة رجل مهم
  • التوابل ليست مجرد نكهات وفوائدها لصحة الجسم كبيرة
  • انطلاق القمة الروحية في دار طائفة الموحدين الدروز.. أبي المنى: لن ننقل السياسة إلى الطاولة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • بعد تناول الوجبات الدسمة.. مشروبات تحارب الانتفاخ وتعزز صحة الجهاز الهضمي