"البالة"..من ملاذ الغلابة إلى بيزنس الأغنياء
تاريخ النشر: 16th, January 2026 GMT
الدولة تحصل على 2% فقط ضرائب عليها.. والملابس الجاهزة تتحمل 40% الصناعة المحلية الخاسر الأكبر.. وصحة المواطنين فى خطر تجار الوكالة: «نبيع ملابس نظيفة.. وماركات على قد الأيد»عضو مجلس إدارة شعبة الملابس تكشف ألاعيب التجار للتهرب من الضرائب القانون يفرض غرامة 50 ألف جنيه على المتلاعبين
فى ظل موجة الغلاء التى اجتاحت أسواق الملابس، تظهر ملابس البالة على الساحة كخيار بديل فرض نفسه بقوة على الشارع المصرى، ولم يعد البحث عن السعر الأقل مجرد رغبة اقتصادية، بل أصبح حاجة يومية تلجأ إليها أسر عديدة، ومع توسع رقعة انتشارها من الأسواق الشعبية الضيقة إلى بعض المتاجر المنظمة، لم تعد تجارة البالة مجرد ظاهرة هامشية، بل تحولت إلى ملف شائك يثير جدلًا واسعًا بين مؤيد ومعارض.
بين الشارع والمصانع، تتقاطع وجهات النظر. هناك من يرى فى هذه التجارة متنفسًا اجتماعيًا واقتصاديًا فى زمن الأزمات، إذ توفر بديلاً للملابس الجديدة التى ارتفعت أسعارها بشكل صاروخى، وهناك من يحذر من تداعياتها الخطيرة على الصناعة الوطنية، متخوفًا من أن تصبح مصانع الملابس الجاهزة ضحية المنافسة غير العادلة وتتعرض آلاف فرص العمل للتهديد.
الجدل لا يقتصر على السعر أو الذوق، بل يمتد إلى أسئلة أكثر حساسية: هل هذه الملابس مستعملة فعلاً كما هو شائع، أم أن جزءًا منها جديد يُدخل البلاد بطرق ملتوية تحت مسمى «البالة»؟، وبين اتهامات بالتهريب، والتحايل على قرارات حظر الاستيراد، وخسائر تتكبدها المصانع المحلية، تتصاعد التحذيرات من تأثيرات طويلة المدى قد تهدد الاقتصاد الرسمى.
وفى المقابل، يظل تجار البالة يبررون نشاطهم باعتباره استجابة طبيعية لاحتياجات سوق يعانى من اختلالات حادة، يؤكدون أن تجارتهم تخضع لقواعد معينة وتقدم بدائل حقيقية للمستهلك محدود الدخل، فى وقت عجزت فيه المنتجات المحلية عن مواكبة القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين. بالنسبة لهم، ليست تجارة البالة مجرد بيع وشراء، بل محاولة لتوفير متنفس واقعى فى ظل واقع اقتصادى صعب، حيث يكون السعر المنخفض فى كثير من الأحيان الخيار الوحيد.
مخالفة للقانون
فى إطار متابعة شعبة الملابس الجاهزة باتحاد الصناعات لحركة الأسواق والالتزام بالقرارات القانونية المنظمة لتجارة الملابس، تم التأكيد على أن تجارة «ملابس البالة» تشكل مخالفة صريحة للقوانين والقرارات الوزارية القائمة، والتى تمنع استيراد الملابس المستعملة نظرًا لما تحمله من مخاطر اقتصادية وصحية محتملة، وتستند الشعبة فى موقفها إلى أن هذه التجارة تعتمد بشكل رئيسى على أساليب تهريب وتجاوز للأنظمة الجمركية، ما يضر بالاقتصاد الوطنى ويؤثر على الصناعة المحلية.
وتبين أن بعض التجار يقومون بإدخال شحنات كبيرة من الملابس إلى البلاد تحت مسمى الأغراض الشخصية، مستغلين البند القانونى الذى يسمح باستيراد أغراض محدودة للمصريين العاملين بالخارج، وتتراوح هذه الشحنات أحيانًا إلى مئات الكيلوجرامات، ويتم تمريرها بجمارك منخفضة لا تتجاوز 2%، فى حين أن الملابس الجاهزة المستوردة تخضع لجمارك تصل إلى 40%، مع العلم أن الكثير من هذه الملابس جديدة وليست مستعملة كما يُعلن عنها.
وفى ضوء التوسع الملحوظ فى حجم السوق غير الرسمى، قامت شعبة الملابس الجاهزة باتحاد الصناعات بمخاطبة الجهات المعنية، ما أسفر عن إصدار قرار حكومى بخفض الحد الأقصى للأغراض الشخصية المستوردة سنويًا من 500 كيلو جرام إلى 150 كيلو جرام، بهدف الحد من عمليات التحايل وتعزيز الرقابة على الشحنات.
أضرار اقتصادية
وتشير التقديرات إلى أن تجارة البالة تمثل نحو 25% من حجم المنتجات المهربة فى الأسواق، وهو ما يسبب أضرارًا بالغة للاقتصاد الوطنى، إذ يحرم الخزانة العامة من الرسوم الجمركية المستحقة، ويخلق منافسة غير عادلة للمنتجات المحلية التى تتحمل كافة الالتزامات القانونية من ضرائب ورسوم وتأمينات، بينما تُباع البضائع غير القانونية فى الأسواق دون أى التزامات.
وتؤكد شعبة الملابس الجاهزة على أهمية الالتزام بالقرارات الوزارية والقوانين الجمركية، ومواصلة تكثيف الرقابة لمنع دخول أى شحنات مخالفة، حماية للاقتصاد الوطنى وضمانًا لحق الصناعة المحلية والمستهلك على حد سواء.
ماذا يحدث داخل وكالة البلح؟
تبرز أكشاك ملابس البالة كخيار يومى للكثير من المواطنين الباحثين عن سعر مناسب وجودة مقبولة، يروى أحد الباعة أن الملابس المعروضة «نظيفة ولا تحمل أى أمراض»، موضحًا أنها بواقى تصدير مستوردة من دول متعددة، وعند وصول الشحنات يقومون بكى الملابس وتعليقها على شماعات بطريقة منظمة تسمح للزبون بالاختيار بسهولة، مع التنويه إلى أن غسل الملابس قبل ارتدائها يبقى أمرًا ضروريًا للحفاظ على النظافة الشخصية.
ويؤكد البائع أن تجارة البالة لا تشكل منافسة للمحلات التى تبيع الملابس الجديدة، فلكل سوق زبائنه، كما يقول: «نحن لا نوقف حال أحد، فالمحلات الجديدة لها زبائنها، ونحن نقدم نوعًا مختلفًا يلبى احتياجات جمهور محدد.» ويضيف أن حرية الاختيار تبقى للزبون، فكل شخص يقرر ما يناسب قدراته المادية وما يفضله فى الملبس.
أحاديث الباعة تؤكد أيضًا أن سوق البالة أصبح خيارًا حقيقيًا لشريحة واسعة من المواطنين، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الملابس الجديدة بشكل كبير. ويشيرون إلى أن الإقبال المتزايد على البالة يعكس وعى المستهلك الذى يبحث عن الجودة والسعر المناسب، دون التخلى عن الذوق أو العلامة التجارية، معتبرين أن هذا السوق يعكس توازنًا بين الحاجة الاقتصادية والرغبة فى الحصول على منتجات مناسبة للميزانية.
فى هذا المشهد، تتحول أكشاك البالة إلى أكثر من مجرد أماكن لبيع الملابس المستعملة، فهى مساحة التقاء بين الطلب على البدائل الاقتصادية، وحرية الاختيار، ووعى المستهلك الذى أصبح يدرك أن السعر المنخفض لا يعنى بالضرورة التنازل عن الجودة، وأن لكل منتج مكانه وجمهوره فى السوق المصرى المتنوع والمتغير باستمرار.
ألاعيب التجار للتهرب من الرسوم
تقول سماح هيكل، عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية بالقاهرة عن شعبة الملابس الجاهزة، إن ظاهرة انتشار ملابس البالة فى الأسواق المصرية أصبحت من القضايا الشائكة التى تتطلب وقفة جادة، نظرًا لتشابك أبعادها الاقتصادية والصحية والاجتماعية. وملابس البالة، وهى ملابس مستعملة يتم استيرادها من الخارج وتباع بأسعار منخفضة، قد تبدو حلًا مؤقتًا لبعض الفئات محدودة الدخل، لكنها فى المقابل تحمل آثارًا سلبية لا يمكن تجاهلها.
وتوضح هيكل أن الجانب الصحى يمثل أحد أخطر التحديات المرتبطة بملابس البالة، حيث إن جزءًا كبيرًا منها قد لا يخضع لتعقيم كافٍ. هذا الأمر قد يؤدى إلى مشكلات صحية متعددة، مثل الحكة، والتهابات الجلد، والحساسية، نتيجة احتوائها على بكتيريا أو فطريات أو مواد كيميائية مستخدمة فى التخزين والنقل. وتشدد على أن المستهلك غالبًا لا يدرك المخاطر الكامنة خلف السعر المنخفض.
الإضرار المتعمد للإنتاج المحلى
أما على مستوى الصناعة الوطنية، فتؤكد سماح هيكل أن انتشار ملابس البالة يؤثر بشكل مباشر على المنتج المحلى، إذ يفضل بعض المستهلكين شراء الملابس المستعملة لرخص ثمنها، ما يضع المصانع المحلية فى منافسة غير عادلة. هذه المنافسة تؤدى إلى تراجع المبيعات، وتقليل الإنتاج، وقد تصل فى بعض الحالات إلى إغلاق مصانع وفقدان فرص عمل لآلاف العاملين فى قطاع الملابس الجاهزة.
وبشأن آلية دخول ملابس البالة إلى مصر، تشير هيكل إلى أن هناك مسارين رئيسيين: الأول قانونى ومحدود، ويتمثل فى دخول بعض الشحنات عبر مؤسسات خيرية بغرض التبرع، وليس البيع التجارى. هذا المسار يجب أن يخضع لرقابة صارمة تضمن عدم تسرب هذه الملابس إلى الأسواق التجارية.
أما المسار الثانى، وهو الأخطر، فيتمثل فى الدخول غير القانونى عن طريق التهريب. حيث يتم تهريب ملابس البالة عبر الحدود دون دفع الرسوم الجمركية، ودون الخضوع لأى فحص صحى أو جمركى. وترى هيكل أن أسباب التهريب تعود إلى ارتفاع الرسوم الجمركية، وزيادة الطلب فى السوق، إلى جانب ضعف الرقابة فى بعض المناطق الحدودية.
وتحذر سماح هيكل من أن تهريب ملابس البالة لا يضر فقط بالصناعة المحلية، بل يؤدى أيضًا إلى خسائر مباشرة للدولة فى صورة رسوم جمركية مهدرة، فضلًا عن تفاقم المشكلات الصحية وانتشار منتجات غير مطابقة للمواصفات.
وفى ختام حديثها، تؤكد هيكل أن الحل يكمن فى تنظيم صارم لاستيراد ملابس البالة، وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية، إلى جانب دعم المنتج المحلى من خلال سياسات تشجيعية، وتوعية المستهلك بأهمية شراء المنتج المصرى حفاظًا على صحته، وعلى الاقتصاد الوطنى، وعلى مستقبل صناعة تُعد من أهم الصناعات كثيفة العمالة فى مصر.
عقوبات قانونية
من ناحية أخرى تؤكد نهى الجندى، الخبيرة القانونية، أن ما يقوم به بعض التجار من إدخال ملابس تحت بند التبرعات بهدف بيعها فى السوق المصرية يُعد تصرفًا غير مقبول ويصنف كنوع من التهرب الضريبى، مشيرة إلى أنّ الهدف من هذا التصرف هو تحقيق أرباح دون دفع الضرائب المستحقة للدولة، وهو سلوك يعاقب عليه القانون المصرى بشدة لأنه يضر بحقوق الدولة ويخل بمبدأ العدالة الضريبية. وتشير الجندى إلى أن عقوبة التهرب الضريبى فى القانون المصرى تشمل الحبس والغرامة المالية.
وأضافت: وفقًا للمادة 133 من قانون الضرائب، فإن أى ممول يتهرب من أداء الضريبة يُعاقب بحبس لا يقل عن 6 أشهر ولا يتجاوز 5 سنوات، أو بغرامة مالية تعادل قيمة الضريبة المهربة، أو بإحدى العقوبتين معًا، وفى الحالات الشديدة أو عند العود يمكن أن تُطبق العقوبة بالحبس والغرامة معًا، وتصل الغرامة عادةً إلى ما بين 5 آلاف و50 ألف جنيه.
وتوضح الخبيرة القانونية أن حالات التهرب الضريبى تشمل تقديم معلومات غير صحيحة للجهات الضريبية، إخفاء الأرباح أو الإيرادات، عدم تقديم الإقرار الضريبى فى الموعد القانونى، واستخدام وسائل احتيالية لتخفيض الضريبة المستحقة. وتضيف الجندى أن القانون يسمح فى بعض الحالات بالتصالح فى قضايا التهرب الضريبى مقابل دفع نسبة من المستحقات الضريبية، والتى تتراوح عادة بين 100% و150% حسب مرحلة التصالح ومدى تطور القضية. وتختم الجندى حديثها بالتأكيد على أن التهرب الضريبى ليس مجرد مخالفة إدارية، بل جريمة يعاقب عليها القانون لحماية المال العام وضمان العدالة بين الجميع، وأن أى محاولة للالتفاف على القانون من خلال استغلال التبرعات أو أى وسيلة مشابهة لن تمر دون عقاب قانونى صارم.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: موجة الغلاء أسواق الملابس ملابس البالة الشارع المصرى شعبة الملابس الجاهزة الصناعة المحلیة التهرب الضریبى ملابس البالة هیکل أن إلى أن
إقرأ أيضاً:
بني سويف تتجمل.. حملات مكثفة بالوحدات المحلية لرفع مستوى النظافة والتجميل ومواجهة التعديات لخدمة المواطن
نفذت الوحدات المحلية للمراكز والمدن ببني سويف، عدداً من الجهود والأنشطة الميدانية في إطار توجيهات محافظ بني سويف اللواء عبدالله عبدالعزيز ، لمتابعة مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، وتحسين البيئة، والتصدي للتعديات على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة.
ففي مركز ومدينة بني سويف، تابع محمد بكري رئيس المركز سير العمل بالمركز التكنولوجي والإدارات المختلفة بالمجلس، كما تم تنفيذ حملات موسعة لرفع المخلفات والقمامة بعدد من شوارع المدينة والمحاور الرئيسية، شملت صلاح سالم والخديوي وأحمد عرابي وحي مقبل وكورنيش النيل وطريق السادات وغيرها، إلى جانب استمرار أعمال النظافة بالقرى التابعة ورفع المخلفات من عدد من الطرق والمناطق الريفية. كما تم تنفيذ حملات إزالة أسفرت عن إزالة حالات تعدٍ على أملاك الدولة بقرية العلالمة، وحالات تعدٍ على الأراضي الزراعية بقريتي بلفيا وباروط، فضلاً عن ردم أساس مخالف بعزبة الحاجري بدموشيا وإيقاف أعمال بناء مخالفة بقرية دموشيا.
وفي مركز ومدينة ناصر، واصلت الوحدة المحلية برئاسة شوقي هاشم جهودها في أعمال النظافة والتجميل، حيث تم رفع التراكمات والمخلفات من عدد من شوارع ومناطق المدينة والقرى وتوريدها إلى مصنع كوم أبو راضي، كما تابع رئيس المركز أعمال توريد القمح بشونة ناصر . وفي قرية أشمنت تم إزالة ٣ حالات تعدٍ على الأراضي الزراعية ومتابعة أعمال النظافة ورفع المخلفات بالقرية وتوابعها.
وفي مركز ومدينة الفشن،تابع مدحت صلاح رئيس المدينة انتظام أعمال توريد القمح بالشون المختلفة بمناطق الفنت وتلت والجفادون وشنرا، مع التأكيد على تيسير الإجراءات للمزارعين وتوفير الاشتراطات اللازمة للتخزين الآمن. كما واصلت الوحدة المحلية حملاتها في مجال النظافة ورفع المخلفات وتسوية وتمهيد الطرق، حيث تم توريد المخلفات اليومية إلى مصنع سمسطا، وتنفيذ أعمال تمهيد للطريق الدائري وطريق طراد النيل، فضلاً عن صيانة كشافات الإنارة العامة بالطريق الزراعي لرفع كفاءة الخدمات وتحسين الحركة المرورية.
وفي مركز ومدينة ببا، قاد أحمد علاء الدين فؤاد رئيس المركز حملة مكبرة لإزالة التعديات على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة وداخل الأحوزة العمرانية، أسفرت عن إزالة حالات تعدٍ بالتنسيق مع جهات الولاية المختلفة، كما تم تنفيذ حملة إشغالات مكثفة بشوارع المدينة وقرية سدس أسفرت عن رفع 316 حالة إشغال متنوعة. وشهدت المدينة والقرى التابعة حملات نظافة موسعة استهدفت عدداً من الشوارع الرئيسية والمناطق الخدمية ومداخل القرى، في إطار تحسين مستوى النظافة والخدمات المقدمة للمواطنين.
بينما واصل مركز ومدينة إهناسيا، برئاسة أحمد توفيق جهوده في رفع الإشغالات المخالفة بشوارع المدينة وتكويد مركبات التوك توك، مع استمرار حملات طرق الأبواب لحث المواطنين على استكمال إجراءات التقنين والتصالح وفقاً للقانون. كما تمت متابعة إزالة التعديات على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة بالمدينة والقرى التابعة، بالتوازي مع مواصلة أعمال تمهيد الطرق ورفع المخلفات وصيانة كشافات الإنارة ومتابعة ملفات التصالح والتقنين والتصدي لمخالفات البناء في مهدها.