كل أشكال الحروب قد بدأت تمارس ظاهريا وباطنيا، حتى تلك التي كانت إلى سنوات سابقة، الموسومة قانونيا بالمنافية للقانون الدولي و”غير أخلاقية”، وبفعل “الروح الرأسمالية والأخلاق البروتستانتية”، على رأي “ماكس فيبر”، صارت اليوم من “المكملات” السياسية في زمن انفجار فقاعة الليبرالية الجديدة الباحثة عن هيمنة جديدة على العالم خارج الأطر التقليدية وخارج العلبة.
الليبرالية الجديدة التي نمت في الغرب ولاسيما في الولايات المتحدة منذ نحو ثلاثة عقود، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي تحديدا، عملت تحت غطاء “العولمة”، وبعث عالم جديدة مبني على “الانفتاح” و”التسامح”، الذي يعني الانفتاح على الرأسمال الأجنبي وعلى الشركات العالمية المتحكمة في الاقتصاد العالمي، والتسامح، الذي يعني ترك الحريات الفردية للأفراد والجماعات بلا رقيب ولا حسيب.
كان تعميم الإنترنت جزءا من هذه الحسابات الرأسمالية الداعمة لاتهام الاقتصاديات التقليدية والضعيفة في البلدان النامية والفقيرة، وقبولها كأسواق استهلاكية وفقط، تحت عنوان “المشاركة في الاقتصاد العالمي”، والتي لا تعني سوى “فتح باب الأسواق للاستغلال العالمي”: عنوان للاستعمار الحديث، بعد الاستعمار الجديد، الذي خلف الاستعمار التقليدي. نحن أذن في خضم التطور الحاصل في مراحل الرأسمالية التي أقلعت من ثورة الباستيل والكُمُونة الباريسية، عملا بشعار ونداء آدم سميث: “دعه يعمل.. دعه يمر”. هذا الشعار التي صار هو العملة المميزة للرأسمالية الوليدة في أوروبا بعد الثورة الفرنسية، وما لحقتها من ثورات وحروب أهلية وانقلابات وتعاقب الجمهوريات والمملكات والإمبراطوريات على الحكم منذ الإعلان عن القطيعة مع حكم الإقطاعية بعد ثورة 1789م.
الرأسمالية الليبرالية اليوم، لم تعد ترى حتى في “العولمة” التي رفعها الجناح المعتدل، في الماكينة السياسية الاقتصادية الأمريكية، لاسيما مع “الجمهوريين”، عنوانا لطموحاتها، إلا بما يعني: التملك والاستئثار بكل الأشكال على العالم، خوفا من تقلص النفوذ إذا ما استمر فعل “العولمة” في التعميم، كون أن هذه الرؤية قد سمحت لاقتصاديات عالمية من البروز والاستفادة في قوة الاقتصاد الأمريكي المفتوح على العالم، والمساهم فيه بقدر كبير عبر “عبقرية” سياسية “البترودولار”.
مع الجناح الجمهوري، المحافظ، والنواة الصلبة فيه، التي تتحكم فيها كبريات الشركات النفطية والعسكرية وحتى في “السيليكون فالي” وتكنولوجيات الاتصالات، باتت العولمة عند هذا الجناح، خطرا على الولايات المتحدة التي بدأت تفقد مكانتها لصالح اقتصاديات ناشئة ومنها الصين المنافس الأقوى والأشرس للسنوات المقبلة.
ما يقدم عليه الرئيس ترمب كل مرة، من نفخ الساخن والبارد، والتهديد والوعيد، والنكث بالوعود، هي “سياسة غير سياسية”، مقصودة، تعتمد على خلق جو من عدم الموثوقية عالميا، مما يشكل هزات تربك الاقتصاد العالمي والسلم العالمي، حتى أنه يبدو أن هذا الأسلوب من السياسة يشبه ضربات الزلزال التي لا تتوقع حجم ضررها ولا مكانها بدقة، لكن الخبر لوحده يخلف حالة من الهلع والصدمة:
صحيح، هذا الأسلوب خاص بترمب وشخصيته التي جاءت من “خارج العلبة”، لكن في آخر المطاف، ترمب لا يعمل وحده ولا يفكر بمفرده، وله مؤسسات وأجهزة هي من تعرض عليه كل شيء حتى بعض التغريدات، لكن شخصيته تمثل نموذجا فذا في خلق الزلازل عبر العالم، وهذا بحد ذاته يمثل تدميرا للذات، ويسوق الغرب إلى التصادم مع نفسه، إن ليس في أوروبا وغرينلاند وأوكرانيا، ففي أماكن كثيرة من العالم.
إيران، كمركز ثقل جيو سياسي، اقتصادي، نفطي في الشرق الأوسط، وفنزويلا والمكسيك وبعض دول الكاريبي، إنما هي بؤر لإعلان حرب الدولار والنفط التي ستكون أيضا عنوانا لصدامات قادمة، كون حرب الدولار ستكون مِعول ذلك.
الشروق الجزائرية
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الولايات المتحدة البترودولار إيران إيران الولايات المتحدة فنزويلا البترودولار حروب الطاقة مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة رياضة سياسة مقالات سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
وزير البترول يشارك باجتماع طاقة D-8 ويؤكد أهمية التكامل الإقليمي
شارك المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، في الاجتماع الأول لوزراء الطاقة بالدول الأعضاء في مجموعة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي (D-8)، والذي عُقد على هامش فعاليات أسبوع باكو للطاقة بالعاصمة الأذربيجانية باكو، بمشاركة وزراء الطاقة بالدول الأعضاء.
وشهد الاجتماع مناقشة سبل تعزيز التعاون المشترك في مجالات البترول والغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال، وتبادل الكهرباء، والطاقة الجديدة والمتجددة، وتطوير البنية التحتية ومشروعات الربط والتكامل الإقليمي في مجال الطاقة، إلى جانب تشجيع الاستثمارات المشتركة بما يدعم أمن الطاقة ويحقق المصالح المتبادلة للدول الأعضاء.
وأكد الوزير، خلال كلمته، أن قطاع الطاقة يظل أحد الركائز الأساسية لتحقيق أهداف التعاون الاقتصادي بين دول المجموعة، في ظل ما يشهده العالم من متغيرات متسارعة وتحديات متنامية تفرض ضرورة تعزيز التنسيق وتبادل الخبرات وتعظيم الاستفادة من الموارد والإمكانات المتاحة لدى الدول الأعضاء.
وأشار إلى أن التكامل والتعاون بين دول المجموعة يفتح آفاقًا واسعة لتحقيق قيمة مضافة لشعوبها، خاصة من خلال التوسع في مشروعات البترول والغاز والطاقة المتجددة، وتطوير البنية التحتية للطاقة، ودعم الاستثمارات المشتركة بما يسهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام وتعزيز أمن الطاقة.
مواجهة التحديات العالمية الراهنة تتطلب تضافر الجهود وتبني رؤى ومبادرات مشتركة
وأضاف أن مواجهة التحديات العالمية الراهنة تتطلب تضافر الجهود وتبني رؤى ومبادرات مشتركة، لاسيما في مجالات الغاز الطبيعي والطاقة الجديدة والمتجددة، وعلى رأسها الهيدروجين الأخضر، إلى جانب دعم الصناعات القائمة على القيمة المضافة بما يعزز التنمية الاقتصادية الشاملة للدول الأعضاء.
وفي ختام الاجتماع، اعتمد الوزراء “إعلان باكو للتعاون في مجال الطاقة”، كما تم استعراض العرض الأولي لميثاق مركز الطاقة والمناخ التابع لمجموعة D-8، والذي يستهدف تعزيز التعاون المؤسسي بين الدول الأعضاء في مجالي الطاقة والمناخ.
وتضم مجموعة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي (D-8) كلاً من مصر وتركيا وإندونيسيا وإيران وماليزيا ونيجيريا وباكستان وبنجلاديش.