القانون الدولي وحقوق الإنسان من الموت السريري إلى الاغتيال المتعمد
تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT
لا يمكن الحديث اليوم عن نظام دولي، أو عن قيم إنسانية مشتركة، من دون التوقف طويلاً أمام الجريمة المستمرة في غزة. فالإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني لم تتوقف، ولم تتراجع، ولم تُكبح، وكل ما سُمّي وقفاً لإطلاق النار لم يكن، في أحسن الأحوال، سوى غطاء سياسي هشّ، أُريد له أن يخدّر الضمير العالمي، بينما استمرت على الأرض سياسات التجريف والقتل والدمار والاستئصال، بأدوات أكثر هدوءاً أحياناً، وأكثر وحشية في أحيان أخرى.
غزة اليوم ليست ساحة حرب تقليدية، بل مختبر مفتوح لانهيار القانون الدولي، حيث تُرتكب الجرائم الموصوفة دون خوف من محاسبة، ودون اكتراث بقرارات محاكم أو بيانات أمم متحدة، ودون اعتبار لمعاهدات ومواثيق وُضعت أصلاً لمنع تكرار مآسي القرن العشرين. ما يجري هناك يقول، بلا مواربة، إن القانون لم يعد مرجعاً، وإن القوة وحدها هي الحكم.
لكن المأساة لا تقف عند حدود فلسطين. فالعالم، سريع النسيان، انشغل عن الفلسطينيين بأزمات أخرى: أوكرانيا، فنزويلا، غرينلاند، كولومبيا. ملفات تتصدر الشاشات، وتتزاحم في أجندات العواصم الكبرى، بينما يُترك الفلسطينيون لمصيرهم، كأن دمهم أقل قيمة، وكأن حقوقهم قابلة للتأجيل إلى ما لا نهاية.
غزة اليوم ليست ساحة حرب تقليدية، بل مختبر مفتوح لانهيار القانون الدولي، حيث تُرتكب الجرائم الموصوفة دون خوف من محاسبة، ودون اكتراث بقرارات محاكم أو بيانات أمم متحدة، ودون اعتبار لمعاهدات ومواثيق وُضعت أصلاً لمنع تكرار مآسي القرن العشرين. ما يجري هناك يقول، بلا مواربة، إن القانون لم يعد مرجعاً، وإن القوة وحدها هي الحكم.وفي المقابل، انشغل العرب أنفسهم بجراحهم المفتوحة: أرض الصومال، جنوب اليمن، غرب السودان. ساحات نزف جديدة، لا يتوقف فيها عدّاد الشهداء، ولا يبدو في الأفق حل عادل أو قريب. حروب استنزاف في كل الاتجاهات، تُفكك المجتمعات، وتستنزف الدول، وتُغرق المنطقة في دوامة لا تنتهي من العنف والفوضى.
وسط هذا المشهد، يقف رئيس أكبر دولة في العالم لا بوصفه حامياً للنظام الدولي، بل كمن يعلن، صراحة أو ضمناً، القطيعة مع كل ما توصل إليه عقلاء العالم بعد حربين كونيتين. لا يكتفي باستعراض العضلات، بل يفسخ، واحداً تلو الآخر، القوانين والاتفاقيات التي وُضعت لمنع السطوة والظلم، ولحفظ حدّ أدنى من العدل والاستقرار في العلاقات بين الدول. ما كان يُعدّ خطوطاً حمراء بات اليوم مجرد حبر على ورق.
الأخطر من ذلك أن هذه السياسات لا تُمارَس في الخفاء، ولا تُسوَّق باعتبارها استثناءات اضطرارية، بل تجد دعماً صريحاً من تيارات يمينية متطرفة، لم تعد تخفي أسماءها، ولا أهدافها، ولا نظرتها الدونية للآخر المختلف عرقاً أو ديناً أو ثقافة. تيارات ترى في القوة حقاً مطلقاً، وفي القانون قيداً يجب كسره، وفي العدالة فكرة ساذجة لا مكان لها في “عالم الأقوياء”.
هذا الانحدار الحقوقي ليس شأناً فلسطينياً فقط، ولا عربياً فحسب، بل خطر عالمي شامل. فحين يُسمح بالإبادة هنا، وبالاحتلال هناك، وبالعدوان السافر في مكان ثالث، دون محاسبة، فإن الباب يُفتح أمام فوضى دولية سيدفع الجميع ثمنها، عاجلاً أو آجلاً، بما في ذلك أولئك الذين يظنون اليوم أنهم في مأمن.
من هنا، فإن المسؤولية التاريخية تفرض استنهاضاً حقوقياً وقانونياً عاجلاً، لا يقتصر على البيانات والشعارات، بل يُعيد الاعتبار لفكرة القانون الدولي بوصفها خط الدفاع الأخير عن إنسانية الإنسان. استنهاض يشارك فيه الحقوقيون، والقضاة، والأكاديميون، والمجتمع المدني، وكل أصحاب الضمائر الحية، قبل أن نجد أنفسنا في عالم بلا قواعد، حيث لا صوت يعلو فوق صوت السلاح، ولا قيمة تعلو فوق منطق الغلبة.
لم يعد الأمر يقتصر على تجاهلٍ مزمن للقانون الدولي أو إبقائه في حالة موت سريري بفعل الانتقائية والنفاق السياسي، بل تطور اليوم إلى مرحلة أخطر: مرحلة الاغتيال المتعمّد. فالقوة الكبرى التي يفترض بها أن تكون أحد أعمدة النظام الدولي، باتت تقود بنفسها عملية تصفية هذا القانون، لا باعتباره معطلاً فحسب، بل باعتباره عبئاً يجب التخلص منه نهائياً. ولم يعد ذلك يتم في الكواليس، بل على الملأ، عبر تشريعات ومواقف رسمية تُعلن القطيعة الصريحة مع منظومة العدالة الدولية.لم يعد الأمر يقتصر على تجاهلٍ مزمن للقانون الدولي أو إبقائه في حالة موت سريري بفعل الانتقائية والنفاق السياسي، بل تطور اليوم إلى مرحلة أخطر: مرحلة الاغتيال المتعمّد. فالقوة الكبرى التي يفترض بها أن تكون أحد أعمدة النظام الدولي، باتت تقود بنفسها عملية تصفية هذا القانون، لا باعتباره معطلاً فحسب، بل باعتباره عبئاً يجب التخلص منه نهائياً. ولم يعد ذلك يتم في الكواليس، بل على الملأ، عبر تشريعات ومواقف رسمية تُعلن القطيعة الصريحة مع منظومة العدالة الدولية.
ويتجلى هذا الانحدار بصورة صارخة في إقدام 12 عضواً في الكونغرس الأمريكي على إصدار قرار يدين المحكمة الجنائية الدولية، لا بسبب فشلها، بل بسبب قيامها بواجبها في الملاحقة والمساءلة.
في منطق مقلوب كهذا، يصبح من يطالب بالعدل مجرماً، ومن يلاحق مرتكبي الجرائم هدفاً للعقاب، بينما يُفترض أن يُكرَّم كل من يدافع عن العدالة لا أن يُلاحق أو يُخوَّن. هذا الصلف السياسي والقانوني لا يدمّر فقط ما تبقى من مصداقية النظام الدولي، بل بدأ يرتد سلباً حتى على الداخل الأمريكي نفسه، عبر تعميق الانقسام، وتقويض الثقة بالمؤسسات، وترسيخ صورة دولة ترى في القانون أداة للهيمنة لا مرجعية للعدل. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: عالم يُغتال فيه القانون بقرار سياسي، ويُترك فيه مصير الإنسانية رهناً بإرادة الأقوى.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء غزة الفلسطيني احتلال فلسطين غزة انتهاكات رأي قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة رياضة سياسة مقالات سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة القانون الدولی لم یعد
إقرأ أيضاً:
مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه تطلق بالشراكة مع مايكروسوفت مرحلة جديدة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في أعمالها
انضم إلى قناتنا على واتساب
شمسان بوست | خاص
نبيل هائل سعيد: “طموحنا ليس مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي، بل بناء مؤسسة يكون فيها كل موظف قادرًا على ابتكار حلول مدعومة بالذكاء الاصطناعي.”
أعلنت مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه، بالشراكة مع شركة مايكروسوفت العالمية، إطلاق مرحلة جديدة من مسيرتها للتحول الاستراتيجي، تستهدف دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف أعمالها وعملياتها، عبر تمكين موظفيها من تصميم وتطوير حلول مبتكرة تسهم في رفع الكفاءة وتعزيز الإنتاجية وتسريع الابتكار.
ويأتي هذا التوجه من خلال إطلاق مبادرة «وكيل الذكاء الاصطناعي» (AI Agent)، التي تمثل إحدى المبادرات الرئيسة ضمن المرحلة الثالثة من برنامج التحول الاستراتيجي للمجموعة (2026–2030)، تحت شعار «نبتكر لننمو»، في إطار رؤية تهدف إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى ثقافة عمل مؤسسية تدعم النمو المستدام وتعزز القدرة التنافسية.
وشهد حفل الإطلاق، الذي أقيم عبر منصة Microsoft Teams، مشاركة أكثر من 1100 موظف من مختلف شركات المجموعة، بحضور قيادات المجموعة وممثلين عن شركة مايكروسوفت العالمية وشركة ريالينس، الشريك التنفيذي للمشروع، في تأكيد واضح على اتساع نطاق المبادرة وأهميتها في المرحلة المقبلة.
وفي كلمته خلال التدشين، أكد الأستاذ نبيل هائل سعيد أنعم، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لمجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه بإقليم اليمن، أن المجموعة تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة لإعادة تطوير أساليب العمل وتمكين الإنسان، وليس مجرد تبني أدوات تقنية جديدة.
وقال:
“طموحنا ليس مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي، بل بناء مؤسسة يكون فيها كل موظف قادرًا على ابتكار حلول مدعومة بالذكاء الاصطناعي.”
وأضاف أن الابتكار الحقيقي يبدأ من الموظفين أنفسهم، وأن أفضل الحلول تنطلق من واقع العمل اليومي، مؤكداً أن المجموعة تبحث عن أصحاب الأفكار المبتكرة أكثر من بحثها عن الخبرات التقنية، لأن الإبداع لا يرتبط بالمسمى الوظيفي، وإنما بطريقة التفكير والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص.
وأوضح أن المبادرة تستهدف تمكين الموظفين من تطوير تطبيقات ووكلاء ذكاء اصطناعي يعالجون احتياجات أعمالهم اليومية، مع التزام المجموعة بتحويل الأفكار الواعدة إلى مشاريع عملية تسهم في تحسين الأداء وتعزيز القيمة المضافة في مختلف القطاعات.
وأشار إلى أن رؤية المجموعة تتمثل في الوصول إلى مرحلة يصبح فيها في كل شركة، وكل مصنع، وكل إدارة، وكلاء ذكاء اصطناعي يطورهم موظفو المجموعة أنفسهم، بما يرسخ ثقافة الابتكار ويعزز جاهزية المجموعة لمتطلبات المستقبل.
من جانبه، أكد كيثان باربو، ممثل شركة مايكروسوفت العالمية، أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة لتمكين الإنسان وتعزيز قدراته، وليس بديلاً عنه، مشيراً إلى أن المؤسسات الأكثر نجاحاً هي التي تستثمر في تطوير كوادرها وتمنحها القدرة على توظيف هذه التقنيات في ابتكار حلول تحقق قيمة حقيقية للأعمال.
وأشاد بالشراكة الاستراتيجية مع مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه، وبما حققته من تقدم في مسيرة التحول الرقمي، معتبراً أنها تمثل نموذجاً إقليمياً في تبني التقنيات الحديثة والاستثمار في بناء القدرات المؤسسية.
بدوره، أوضح المهندس محمد خليفة، الرئيس التنفيذي لتقنية المعلومات بإقليم اليمن، أن المبادرة تستهدف تطوير أكثر من 100 وكيل ذكاء اصطناعي لخدمة مختلف شركات المجموعة، من خلال برامج تدريبية وإشراف فني متخصص بالتعاون مع مايكروسوفت وشركة ريالينس، بما يضمن تحويل الأفكار إلى تطبيقات عملية ذات أثر مباشر على الكفاءة والإنتاجية.
وأضاف أن المشاركة الواسعة لأكثر من 1100 موظف تعكس جاهزية كوادر المجموعة لقيادة هذه المرحلة، مؤكداً أن نجاح المبادرة يعتمد على مساهمة جميع الموظفين، باعتبارهم الأقرب إلى فهم التحديات والفرص داخل بيئة العمل.
كما أكد السيد إيهاب الشافعي، مدير عام شركة ريالينس، أن ما يميز مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه هو امتلاكها رؤية استراتيجية تجعل الابتكار جزءاً من ثقافة المؤسسة، مشيراً إلى أن الاستثمار في الإنسان سيظل الركيزة الأساسية لنجاح أي تحول رقمي.
وتأتي هذه المبادرة امتداداً لمسيرة التحول الاستراتيجي التي تنفذها المجموعة منذ عام 2019، والتي أسهمت في بناء شراكات مع كبرى شركات التقنية العالمية، وفي مقدمتها مايكروسوفت وSAP، وتعزيز جاهزية كوادرها لقيادة التحول الرقمي. كما يأتي إطلاقها بعد حصول المجموعة مؤخراً على 14 شهادة خبير من SAP العالمية، تقديراً لتميزها في تطوير القدرات الرقمية وتبني أفضل الممارسات التقنية.
وتؤكد مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه، من خلال هذه المبادرة، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مشروعاً تقنياً مستقلاً، بل أصبح أحد المحركات الرئيسة لاستراتيجيتها المستقبلية، وأداة لتمكين الإنسان، وتعزيز الابتكار، ورفع الإنتاجية، وبناء مؤسسة أكثر قدرة على المنافسة في عالم تتسارع فيه التحولات التقنية.