بعد 30 عامًا.. لماذا يستمر الناس بلعب التاماغوتشي؟
تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- سأل ويليام مانيجا الغريبة المرتدية فستانًا أبيض: "هل تتزوجينني"؟كانت هذه المحاولة الرابعة له خلال أقل من ساعة. لكن عوض تبادل الخواتم، أخرجا جهازَي التاماغوتشي الخاصين بهما وزوّجا حيواناتهما الرقمية في حفل زفاف افتراضي مشفّر.
وكان مانيجا، البالغ من العمر 29 عامًا، وشريكته بين 200 من عشاق التاماغوتشي الذين تجمعوا في مركز سيسيل المجتمعي في تورونتو خلال شهر آب/أغسطس، متعهدين بالبقاء متحدين "رغم نفاد البطاريات وخدوش الشاشات"، في ما وصفه المنظمون بأنه قد يكون أكبر حفل زفاف للتاماغوتشي في العالم.
وقال تووي غراي، مؤسس نادي تورونتو للتاماغوتشي (30 عامًا)، عن الحدث: "سادت أجواء من البهجة في الغرفة، مع العديد من الضيوف مرتدين أزياء الزفاف، وحضر بعضهم من أماكن بعيدة مثل لوس أنجلوس وتكساس"، مضيفًا أنّ الحفل أسفر عن 162 زواجًا خلال ساعة واحدة.
أطلقت شركة الألعاب اليابانية بانداي لعبة تاماغوتشي في العام 1996، لتصبح حيوانات رقمية محمولة سرعان ما اجتاحت العالم وأصبحت ظاهرة عالمية.
وخلال عامين ونصف العام فقط، تم شحن أكثر من 40 مليون وحدة حول العالم. وفي أواخر يوليو/تموز، تجاوز العدد 100 مليون وحدة، ليوضع هذا الجهاز اليدوي الصغير في مصاف أشهر أجهزة الألعاب اليابانية مثل نينتندو سويتش وسوني بلايستيشن.
ستحتفل تاماغوتشي في العام 2026 بالذكرى الثلاثين لتأسيسها من خلال فعاليات متنوعة، بما في ذلك معرض سيُفتح هذا الشهر في متحف روبونجي في طوكيو قبل أن يجول في مدن أخرى في اليابان، إلى جانب إطلاق منتجات جديدة مرتبطة باللعبة.
تصميم محبّب للجميعوقد خطرت فكرة الحيوان الرقمي الافتراضي لأكيهيرو يوكوي خلال مشاهدته إعلانًا تلفزيونيًّا لطفل يتوق لأخذ سلحفاته معه في رحلة. لكن التصميم النهائي تجاوز أي محاولات سابقة للحيوانات الرقمية.
مع انضمام بانداي، أُطلقت اللعبة كجهاز صغير على شكل بيضة بثلاثة أزرار يمكن وضعه على سلسلة مفاتيح. وتوجّهت بداية إلى الأطفال الذكور، لكن كشفت أبحاث السوق عن جمهور أكبر بين فتيات المدارس الثانوية، فتم تعديل الفكرة.
حققت اللعبة مبيعات فورية وأصبحت أيقونة ثقافية في التسعينيات، ولا يزال جيل الألفية يذكرها على فيسبوك باعتبارها "أفضل صديق رقمي" قبل ظهور الهواتف الذكية، حيث كان الحفاظ عليها يتطلب التغذية والتنظيف واللعب، ويؤدي إهمالها إلى نتائج كارثية.
وقالت باولا أنتونيلّي، كبيرة أمناء المتحف ومديرة البحث والتطوير في متحف الفن الحديث بنيويورك: "كانت تاماغوتشي واحدة من أولى الألعاب التي أظهرت لنا أنّ التصميم يمكن أن ينشئ روابط عاطفية مع الأجهزة". وأضافت أن "الحمض النووي" للّعبة أثّر على كل الأجهزة التفاعلية التي تجمع الفائدة والصداقة، من "سيري" إلى أجهزة تتبع الصحة الذكية التي تتفاعل مع المستخدمين وتذكّرهم وتوبّخهم وتكافئهم.
ووصفت أنتونيلّي تاماغوتشي بأنها "متقلبة ومتطلبة، وجائعة، وغاضبة، ونائمة، ومتسخة. كانت تجبر مستخدميها على التفاعل في دورات من الرعاية والإهمال والواجب والمكافأة"، مضيفة أنّ الثقل العاطفي للعبة جاء من سلوكها وليس من قصّتها أو رسمتها.
وكانت هذه هي حال مانيجا من حفل الزفاف الجماعي لتاماغوتشي في تورونتو، الذي قال إن إعادة اكتشاف مجموعته من الطفولة ساعدته على تجاوز أصعب مرحلة بعد وفاة جدته خلال جائحة كورونا.
تأثير اللعبة وشعبيتهاتميّزت تاماغوتشي بكونها مجموعة من البيكسلات الصغيرة على شاشة صغيرة وسط الرسوم ثلاثية البعد الأكثر تطورًا في عصرها، مثل سوبر ماريو 64 وتومب رايدر. ومع ذلك، لكن مظهرها الخارجي المؤلّف من سلاسل المفاتيح والألوان الباستيلية والأشكال الدائرية يجعلها جذابة ويسهل الاقتراب منها، وإمكانية إصدارها بأشكال متعددة انعكس قبولًا لدى الجميع.
قالت بانداي إنها عززت هذه الجاذبية من خلال التعاون ووضع تصورات لتصاميم عصرية، مع إطلاق 38 نموذجًا في أكثر من 50 دولة، بما في ذلك إصدارات خاصة مثل نسخة جامعي هونغ كونغ 1997 وعروض حديثة مرتبطة بفرق K-pop.
تستثمر إيرينا هاسيغاوا، 40 عامًا من سان فرانسيسكو، في جمع 1,700 نسخة من تاماغوتشي وتنسيقها مع ملابسها، وأنفقت نحو 60 ألف دولار لجمع كل الإصدارات اليابانية والأمريكية، كما تسعى للحصول على النسخ النادرة من أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا.
وتستمتع هاسيغاوا باكتشاف الميزات المخفية في الألعاب، فنظّفت فضلات حيواني 100 مرة في تاماغوتشي بارادايس وكسبت 1,000 نقطة "غوتشي"، العملة داخل اللعبة لشراء الطعام والألعاب والديكور.
وبين أكثر النسخ قيمة لديها، نسختان عائليتان خضراوتا اللون جرى شراؤهما في مزاد عام 2010 مقابل 30 دولارًا لكل واحدة، قبل أن يصل سعر كل نسخة اليوم إلى نحو 7000 دولار بفضل تصميمها النادر، رغم احتفاظها بأسلوب اللعب التقليدي.
كما تمتلك النسخة الأصلية للعام 1996، وهي الأكثر مبيعًا للشركة حتى الآن. وذكرت أنها كانت تصطف مع والدها للحصول عليها عند إطلاقها، ما أدى إلى نقص عالمي دفع بانداي لتوسيع التوزيع في الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وأستراليا.
إصدارات حديثة وثقافة الإنترنترغم انتهاء زمن الهوس الأوّل، تمّت إعادة اللعبة إلى السوق في العام 2004، مع ميزات تفاعلية عبر الأشعة تحت الحمراء بين اللاعبين. وتبعتها نماذج حديثة، مثل "تاماغوتشي بيكس 2021" بكاميرا مدمجة ومربية افتراضية، و"تاماغوتشي يُني" 2023، مع دعم "واي فاي" و"تاماغوتشي بارادايس" العام الماضي، الموجّهة إلى الأطفال قبل المراهقة مع ألعاب مصغّرة وتربية شخصيات فريدة.
وتزدهر ثقافة تاماغوتشي أيضًا عبر الإنترنت، مع منشئي محتوى مثل داني بوندا من ميشيغان على يوتيوب وجوردان فيغا من فلوريدا على تيك توك، الذين يشاركون فيديوهات عن الرسم وتزيين الألعاب وتصميم الأغلفة المخصصة، وجمعت مقاطعهم أكثر من مليون مشاهدة.
تواصل رقمي لافتتستغل لعبة تاماغوتشي رغبتنا الطبيعية بالعناية والتواصل والاهتمام بالآخرين، وتوفر بيئة آمنة ومسيطر عليها، بحسب المعالجة النفسية الدكتورة جيسيكا لامار. وأوضحت أنّ الاعتناء بحيوان رقمي يمكن أن يقلل من القلق والتوتر، ويُتيح لهم متعة الرعاية من دون الضغوطات والتحديّات المتوقعة بخلاف الرعاية في الحياة الواقعية، كما يمكنهم التوقف والبدء في أي وقت.
ويشعر الكثير من المعجبين بهذا التأثير العلاجي، فتحمل إحدى المعجبات من نيويورك تاماغوتشي على سلسلة مفاتيح وتضبط منبّهات لتذكيرها بالاعتناء بها، وهو روتين حافظ على حيواناتها الرقمية لمدة عامين، رغم أن عمرها الافتراضي عادة أسبوعين فقط. أما سارة سيرانّو-إسكولين، 29 عامًا، فقد ساعدتها اللعبة على التواصل مع والدتها المريضة بالسرطان، وقرّبتهما من بعضهما.
ويقول رابندرا راتان، أستاذ الإعلام والمعلومات في جامعة ولاية ميشيغان، إن المهام البسيطة مثل الإطعام واللعب تساعد المستخدمين على تلبية احتياجاتهم الأساسية من الاستقلالية والانتماء والكفاءة.
اليابانألعابألعاب فيديونشر السبت، 17 يناير / كانون الثاني 2026تابعونا عبرسياسة الخصوصيةشروط الخدمةملفات تعريف الارتباطخيارات الإعلاناتCNN الاقتصاديةمن نحنالأرشيف© 2026 Cable News Network. A Warner Bros. Discovery Company. All Rights Reserved.
المصدر
المصدر: CNN Arabic
كلمات دلالية: ألعاب ألعاب فيديو Getty Images
إقرأ أيضاً:
عندما يصبح السلام محل انقسام.. لماذا أثار بيان لا نريد الحرب جدلا في طهران؟
طهران – في بلد أنهكته الحروب المتتالية وحصار بحري خانق، يبدو إصدار بيان يحمل عنوان "لا نريد الحرب" وكأنه تحصيل حاصل أو صرخة إنسانية لا تختلف عليها الأصوات، لكن في إيران اليوم يتحول هذا النداء إلى جدل بين معسكر يراه صرخة سلام في زمن الحرب، وآخر يعتبره تبرئة للمعتدي وتطبيعا مع "آلة القتل" الأمريكية والإسرائيلية.
فمنذ أن وقّع 268 ناشطا سياسيا ومسؤولا سابقا بينهم نواب سابقون وأكاديميون قبل أيام، بيانا جاء فيه "السلام نعمة إلهية وحق إنساني. والحد الأدنى للتمتع بالسلام هو الوقف الكامل والنهائي للحرب ووضع حد لأي تهديد أو خطاب كراهية أو دعوة للحرب"، وتأكيده أن "الأغلبية الساحقة من الشعب الإيراني تريد السلام والحق في حياة كريمة"، جاء الرد من الطيف المقابل سريعا وقاسيا.
فقد أصدر 517 أستاذا في جامعة "آزاد" الإسلامية بيانا مضادا وصف الأول بأنه "مغالطة تاريخية" وكتب الموقعون على البيان الثاني "إذا كان هناك قلق حقيقي من الحرب، فإن المخاطَب الأول يجب أن يكون الحكومات التي بدأت الحرب، لا الأمة التي وقعت ضحية العدوان ودافعت عن نفسها. لا أحد يرغب في الحرب، ولكن كما لا نقبل الحرب المفروضة، لن نقبل السلام المفروض".
وفيما يكشف الجدل القائم، وفق مراقبين، أن كلمة "السلام" نفسها لم تعد تحمل معنى واحدا في قاموس السياسة الإيرانية، جالت الجزيرة نت في شوارع طهران وسألت الناس مباشرة: ماذا يعني لكم السلام وسط هذا الجدل النخبوي؟ فكان الانقسام حاضرا، لكن نقطة التقاء واحدة بدت واضحة: لا أحد يريد الحرب ولا أحد يقبل الهزيمة.
في حديقة "دانش" جنوبي العاصمة يقول الموظف المتقاعد حسن (72 عاما) للجزيرة نت "لم أقرأ البيانين بعد، فقط أعرف أننا جميعا منهكون من الحروب. لكن هناك فرقا بين أن تنادي بالسلام وأن تستسلم، إذا كان السلام يعني أن نركع فلا أريده. قاتلت بنفسي في الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 وكنت حينها منهكا ولم نكن نريد الحرب، لكنها فرضت علينا كما فرضت الحروب المتواصلة حتى الآن".
إعلانأما في شارع "جمالزاده" وسط طهران فكانت فرشته (29 عاما)، وهي مصممة غرافيك، أكثر ميلا للبيان الأول لكن بتحفظ. وقالت "أنا مع السلام، وأعتقد أن أي صوت يرفع من أجل إيقاف الحرب هو شجاع"، مؤكدة في حديثها للجزيرة نت أنها تتفهم سبب غضب شريحة من الإيرانيين من الدعوة للسلام. "المشكلة في لهجة البيان، بدا وكأنه يطلب الرحمة من ذئب. لم يذكر أمريكا ولا إسرائيل كونهما الجهة المعتدية، هذا يحزنني لأن السلام لا يعني أن تمسح تاريخك".
في المقابل، كان رجل الدين رضا (49 عاما) من حي "نارمك" شرقي المدينة أكثر حدة حيال الأصوات المنادية بالسلام، حيث قال للجزيرة نت "هذه الدعوة خيانة في زمن الحرب.. تخيل أن جنديا يقف في الجبهة، ويأتيه صوت من الخلف يقول: لا نريد قتالا. هذا يضعف الروح المعنوية لدى القوات المسلحة. موقعو البيان الأول يقولون إنهم يريدون السلام، لكنهم يطعنوننا في الظهر. لماذا لا يوجهون بيانهم إلى ترمب؟".
وفي ساحة "نوبنياد" شمال شرقي طهران تحدثت إلميرا (44 عاما)، وهي مهندسة حوسبة وأم لطفل واحد، للجزيرة نت بنبرة مختلفة، وقالت "لا أفهم كثيرا في السياسة. كل ما أعرفه أن ابني يسألني: هل سنموت جراء هذه الحرب؟ لأننا نعيش في حي يتكرر القصف قريبا منه، ولذلك نضطر لمغادرة طهران كلما احتدم التصعيد.. أريد سلاما يحمي أسرتي ويحفظ كرامة بلادي.. طبعا لا نريد الهزيمة لأن لها رائحة تبقى للأبد في التاريخ. ما نريده هو استغلال الوساطات والتفاعل بإيجابية معها".
ورغم تباين المواقف، كان الجميع تقريبا يكررون جملة واحدة بصيغ مختلفة "لا نريد حربا، لكننا لن نقبل الهزيمة"، وكأن الرأي العام في طهران يحمل في جيناته خوفا غريزيا من "اللطخة السوداء التي قد تلحق بصفحتهم إذا ما سطّر التاريخ أنهم سلّموا للغزاة"، وفق تعبير المتحدثة الأخيرة.
وللخروج من ثنائية الشعارات والبيانات، حاورت الجزيرة نت شخصين من موقعي البيانين. الأول هو الناشط السياسي حميد آصفي أحد الموقعين على بيان "لا نريد الحرب"، الذي بدا حريصا على تفكيك ما اعتبره "سوء فهم متعمد" طال البيان ودوافعه، موضحا أن البيان "وقّعه أناس كانوا جزءا من الحكم، ومارسوا السلطة، ثم خرجوا منها أو أُبعدوا عنها. واليوم يعود هؤلاء ليقولوا: لا نريد الحرب. لماذا؟ لأنهم يرون أن الاستمرار في هذا المسار يعرض البلد لاضطرابات لا تُحمد عقباها".
وفي حديثه للجزيرة نت ينتقل إلى جوهر الرسالة التي حاول البيان إيصالها "نقول لا للحرب ونعم للسلام، لكن سلامنا ليس الاستسلام الذي يروج له الطرف الآخر. سلامنا يبدأ من الداخل بالمصالحة مع الشعب. ثم ينتقل إلى الخارج عبر تعديل السياسة الخارجية".
وتابع "نعتقد أن الإصرار على مبادئ معينة في السياسة الخارجية هو ما أوصلنا إلى هذه المرحلة. ولو كان قد جرى استفتاء حول هذه المبادئ، ربما لم تعد موجودة في سياستنا الخارجية، مضيفا أن هذا الموقف لا يعني تبرئة المعتدي بل ندين الحرب ونقف ضد أي حرب تستهدف بلادنا، لكن نعتقد أن الإصرار على بعض ثوابت السياسة الخارجية هو ما قادنا إلى هذه النقطة".
إعلانثم يطرح مثالا ملموسا "خذ القضية الفلسطينية نموذجا؛ نحن مع الدفاع عن هذه القضية، لكن كما تفعل أي دولة عربية أو إسلامية طبيعية ليس مطلوبا منا أن ندخل في حرب مباشرة مع إسرائيل ولا أن ننشئ مليشيات في دول أخرى من أجلها ولا أن نتكبد كل هذه التكاليف الباهظة. يجب أن تُضبط سياستنا الخارجية وفق مصلحة شعبنا وبلدنا، لا أكثر ولا أقل".
حقيقة جوهرية
وعلى الجانب الآخر، يطرح الأكاديمي محمد ياسر إرشادمنش -أحد الموقعين على البيان المضاد- قراءة تأسيسية للجدل الراهن، يعيد فيها تعريف مفاهيم الحرب والسلام والدفاع في سياق المواجهة مع واشنطن وتل أبيب، فيرى أن المعادلة التي يطرحها المعسكر المقابل بشأن وقف الحرب تغفل حقيقة جوهرية وهي "أن إيران لم تكن البادئة بالحرب"، مشيرا إلى أن الحرب هذه فرضت على بلاده حيث بدأت بتصعيد عسكري أمريكي وإسرائيلي لم يتوقف عند القصف الجوي بل امتد إلى استهداف البنية التحتية والحصار البحري بهدف إخضاع طهران لأجندتهما، على حد قوله.
وفي حديثه للجزيرة نت، يشير إلى أن طهران رغم الحرب المفروضة عليها لم تترك طاولة المفاوضات وقبلت بالوساطات الإقليمية، لكنها اصطدمت بإرادة أمريكية أصرّت على العودة إلى منطق القوة، معتبرا صدور البيان الأول "على ضوء انتهاك واشنطن الاتفاق الإطاري" بأنه محاولة لتحميل الضحية مسؤولية الإصرار على مواصلة الصراع.
وتابع: حين يُطلب من طهران العمل على نزع التوتر والجنوح للسلام وكأنها هي من أشعلت الحرب، بينما تُعفى واشنطن التي بدأت القصف والحصار من أي مساءلة، مضيفا أن استهداف البنية التحتية للطاقة والمواصلات، وإعادة فرض الحصار البحري، ليسا مجرد إجراءات عقابية، بل تهدف إلى إخضاع إيران عبر الحرب الاقتصادية والعسكرية المتزامنة، ما يستدعي موقفا دفاعيا موحدا داخل إيران.
وبرأيه، فإن الفرق شاسع بين مفهومي "السلام المشرّف" و"الصلح تحت الضغط" ذلك لأن الأول يقوم على ردع المعتدي وإجباره على احترام سيادة البلاد، بينما الثاني هو نتاج الضعف والانكسار، ويدعو العدو إلى مزيد من التعدي، محذرا من الاستسلام تحت الضغط لا يؤدي إلى سلام دائم، بل إلى موجات متتالية من الابتزاز.
وفي هذا السياق، يقرأ إرشادمنش التصعيد الأمريكي الأخير كجزء من محاولة لفرض صلح تحت غطاء عسكري، وهو ما ترفضه النخبة التي يمثلها، ويستند في موقفه إلى مرجعيات دينية وتاريخية تؤطر مفهوم الدفاع المشروع، ويخلص إلى أن الجهاد في الفكر الإسلامي ليس عدوانا، بل دفاع عن الأمن والاستقلال والكرامة.
وختاما، لا يبدو أن بيان "لا نريد الحرب" سيغير موازين القوى في إيران نظرا للجدل الذي أعقبه، لكن يرى مراقبون في طهران أنه نجح في شيء واحد بأن النخبة السياسية في إيران تعيش لحظة قلق عميق جراء تطورات الحرب المتواصلة على البلاد؛ ففي بلد يتعرض للقصف والحصار يصبح السلام خيارا باهظا والاستسلام تهمة جاهزة والهزيمة سكينا في خاصرة الكبرياء الوطني.