«بلاغة الكذب»: قراءات تراثية
تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT
إيهاب الملاح -
(1)
ذكريات تداعت على خاطري بمناسبة الاستعدادات لافتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ 57 وهو عرس الكتاب الأكبر والأعرق في المنطقة العربية؛ خصوصا مع تدفق الإعلان عن العناوين والإصدارات الجديدة كالسيل (أغلفة مبهجة وعناوين جذابة وتنوع كبير ومذهل في الموضوعات.. كرنفال حقيقي).
من بين هذا الطوفان من الإصدارات؛ أقف أمام واحد منها صغير الحجم لا يزيد عدد صفحاته على 184 صفحة من القطع الأقل من المتوسط، غلافه تتوسطه صورة مؤلفه الناقد الكبير والقدير وصاحب الإنجاز المعرفي والثقافي، أتصفح الكتاب وأقع على عنوان الفصل الأول "أمثولة العبد الآبق"! يا له من عنوان!
تذكرت أنني كنت أحفظ قصيدة كاملة مطلعها "ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا" لشاعرٍ جاهلي لم يكن من المشهورين اسمه (إذا لم تخني الذاكرة!) الأسود بن عبد يغوث، وأذكر أنني كنت أحفظ القصيدة كاملة، وبسبب حفظي لها انضبط أدائي اللساني كثيرا في قراءة الشعر العربي، والنصوص العربية عامة.
وبسببها، أيضًا، اكتسبت ألفة عظيمة بالشعر القديم، وأساليبه، وطرائق التقديم والتأخير فيه، والإضمار والحذف والتقدير... إلخ، وكانت هذه القصيدة سببًا في البحث عن كل الشعراء الذين كان اسمهم "أسود" أو "عبد" أو تم النظر إليهم عن غيرهم من الشعراء لاعتباراتٍ لونية أو اجتماعية أو طبقية، كان يغلب على شعرهم الصدق، ويميلون إلى شعر المقطوعات، ويبعدون عن التصنع،
(عرفت ذلك فيما بعد من دراسة المرحوم يوسف خليف عن «شعراء الصعاليك في العصر الجاهلي»؛ وهي بالمناسبة واحدة من الدراسات الرائدة في تاريخ الأدب والشعر القديم؛ بالمناسبة كتاب الصعاليك للرائع يوسف خليف كان رسالة الماجستير كم كنت أعشق أسلوبه وأبحاثه)
والسبب وراء تميز شعرهم بخصائص مغايرة لمجمل الشعر الجاهلي.. واكتشفت أن هذا الشعر يجاوز فكرة أنه جمل مرصوصة وبضع صور فنية وحيل بلاغية وخلاص!
لا.. لقد كان هذا الشعر حاملًا لمنظومة من القيم ورؤى العالم التي تجسدت شعرًا وعبرت عن نفسها فنا وشيدت عالما من التصورات العميقة التي تتجاوز فكرة "الكلام الحلو البليغ"..
(2)
وظللتُ على هذه الحال إلى أن وقع بين يدي كتاب الناقد البارع محمد بدوي الذي لم أقرأ مثله «بلاغة الكذب» (صدرت طبعته الأولى عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 1999)، وقرأت تحليله المذهل لشعر سُحيم عبد بني الحسحاس وشخصه.. في وقتٍ لم يكن لمثل هذا الشخص أن يملك فيه أي سلطة إلا سلطة القول؛ سلطة الشعر.. أذكر أن الفصل الذي كتبه محمد بدوي عن هذا الشاعر كان اسمه "أمثولة العبد الآبق".. فماذا قال بدوي عن هذا العبد الآبق وشعره في مستهل كتاب بلاغة الكذب بطاقة مشحونة بالفضول والاستفزاز المعرفي المحبب؟
قرابة الثلاثين عاما (إن لم يزد) بين الطبعة الأولى لهذا الكتاب الصغير القيم وبين طبعته الأحدث التي صدرت عن دار المعارف قبل أسابيع قليلة. «بلاغة الكذب» للناقد والأكاديمي الكبير الدكتور محمد بدوي أحد أبرز العقول النقدية والفكرية في مصر والعالم العربي في نصف القرن الأخير. هذا الكتاب واحد من خمسة أو ستة كتب مرجعية أصيلة أنتجها الناقد المقل خلال أربعين سنة!
أصدر محمد بدوي كتابه «الجحيم الأرضي دراسة في شعر صلاح عبد الصبور» (وهو أطروحته للماجستير)، و«الرواية الحديثة في مصر ـ دراسة في التشكيل والأيديولوجيا» (أطروحته للدكتوراه) في تسعينيات القرن الماضي، وبعد سنوات قليلة من صدورهما (بالتحديد في 1999) ألحق بهما كتابه «بلاغة الكذب ـ نصوص على نصوص» الذي ضم عددا من بحوثه ودراساته التفكيكية التأويلية في قراءة التراث الشعري والسردي العربي الوسيط..
لماذا بلاغة الكذب؟ وهل للكذب بلاغة؟!
قد يبدو هذا العنوان غريبًا، بل مستفزًاـ بتعبير مؤلف الكتاب نفسه، فنحن دائمًا نتحدث عن الشاعر الذي كان شعره صادقًا، والروائي المعبر بصدق عن الواقع، فكيف يكون الكاتب البليغ كاذبًا؟
يجيب بدوي: حين نتحدث عن صدق الشاعر في التعبير عن عواطفه، فنحن نوحد بيننا وبينه. لقد عبر عما فينا، فجاء كلامه «علي الجرح». لمس ما كان غائمًا، مراوغًا في أعماقنا، وكنا نود التعبير عنه، ولكننا لسنا محظوظين كالشاعر، الذي منح امتياز التعبير، ونسج الجمل، وانتقاء الألفاظ، والقدرة علي تحويل الداخلي الموغل في مراوغته، ونأيه، وفراره، إلى كلام جميل، يسحرنا. نحن أيضًا نتصور معيارًا نعرف به ما هو صادق، ونفرقه عن الكاذب، متوهمين أن الرحلة الطويلة من تحويل المشاعر والأحاسيس إلى كلمات منسوجة بدأب وحذق، رحلة هينة دون عوائق أو منعطفات.
وحين نتحدث عن صدق الروائي في كتابة الواقع، نفترض أن هذا الواقع غفل، حيادي، ملقي هناك والكاتب (الحق؟) هو ذلك الذي له عينان إبصارهما حاد، لاقط، قادر علي ضبط الواقع في أقصي صفائه، وصياغته، وإدهاشنا به. كأن هذا الواقع الصلب المادي يظل هو هو برغم تحوله إلى إشارات، وعلامات، ورموز، كأنه أيضا- ينطوي علي دلالة واحدة، علي معني أوحد، دون أن ننتبه إلى أن ما نتصور أنه الحقيقة -بال التعريف- هو مجرد تأويل لواقع وتركيز على جانب من جوانبه، وصورة من صوره.
(3)
ومحمد بدوي لا يعني بالكذب نقيض "الواقع" إذ الكذب جزء من "الواقع" بل قد يكون شكلاً من أشكال مقاومته ومجاوزته، لأن الواقع ضيق والكتابة توسعه، إذ تخلق شيئاً يشبهه ويجافيه في آن.
لذا وقف محمد بدوي في «بلاغة الكذب» (صدرت منه طبعة جديدة منقحة ضمن مجموعة أعماله النقدية المرجعية الأولى عن دار المعارف 2026)، عند الروح الديونيزوسية في نصوص سحيم عبد بني الحسحاس الشاعر الذي ذهب الى الحدود الوحشية القصوى في النشوة والفرح بالجسد الأنثوي كما وقف في "ألف ليلة وليلة" عند قص شهرزاد لحكاية الحمّال والثلاث بنات حيث يأخذنا النص من فضاء الفرح والتسلية والنشوة بالجنس والشراب والمنادمة الى فضاء وحشي ضدي هو فضاء حكاية تكتب الحيرة والتيه، وتبحث شخصياتها عن "أب رمزي" ومطلق السلطة.
أما سحيم عبد بني الحسحاس فنلتقي اسمه عرضاً في الشعر القديم لشحوب صورته وقلة شعره مع عظم ما ارتبط به مقتله بسبب الحب والشعر. وقد كان سحيم أسود في مجتمع يسوّد البيض ويسلّع السود، وقد تترجم سوء حظه بلعنة الشعر حين حاول إدخال العالم الى بيت اللغة، واتصل بقرينه الذي راح يوسوس في صدره ويزين له المعاصي وينفث في روعه ويُنطقه بما يريد.
وما يريده لا يعدو أن يكون شراً كأن يشرب أو يطرب أو يصبو، فالشعر نكدٌ بابه الشر، والشاعر هو سلب وقرين العاصي، وما بالك حين تلحق اللعنة عبداً، أضيفت الى لعنة شعره لعنة سواده والعبودية، ليصبح أمثولة العبد الآبق الذي إذا جاع هجا رجال القبيلة وإذا شبع تغزل بنسائها.
ولكن السؤال كما طرحه محمد بدوي: متى لحقت اللعنة بسحيم؟ وهل كان ذلك يوم غادر أفريقيا الى آسيا؟ أم يوم فقد حريته وعُرِّيَ من حاميته؟ أم يوم نطق بأول بيت، وسكن لغة غريبة وخان لغته الحبشية خيانة "تبدو لفرط سحرها مبررة" ولفرط كذبها ذروة في البلاغة؟ أم يوم تنزق وتفحش، حقاً وصدقاً، أو وهماً وخيالاً؟
لقد أدارت "الثقافة" حول سحيم خطاباً ينطوي على عداء صريح له، وما ذلك إلاّ لأنها كانت تتلذذ به وترغبه، خصوصاً وأن نص سحيم لم يتكون كالنص المنسوب إلى مؤلف واحد، بل ظل يتكون عبر أزمنة طويلة.
لذلك، وكما يقول بدوي، فإن القارئ الضمني الذي يتوجه إليه نص الثّقافة غير القارئ الذي يحتويه النص الشعري.. (وللحديث بقية).
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: محمد بدوی
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .