بعد 27 يوما من ولادتها.. البرد القارس يكتب نهاية رضيعة جديدة بغزة
تاريخ النشر: 17th, January 2026 GMT
في خيمة لا تقي من الرياح ولا تحجب رطوبة الشتاء، لفظت الرضيعة الفلسطينية عائشة الأغا أنفاسها الأخيرة في مواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، بعد 27 يوما فقط من ولادتها، لتتحول قصتها إلى فصل جديد في سجل الخسائر الإنسانية التي يخلّفها الشتاء القاسي داخل مناطق النزوح بالقطاع.
ولم تكن وفاة عائشة نتيجة مرض عضوي ولا إصابة مباشرة، بل بسبب البرد الشديد الذي تسلل إلى جسدها الصغير خلال ساعات الليل، في ظل غياب أبسط وسائل التدفئة، وانعدام المأوى الملائم الذي يحمي آلاف العائلات النازحة من تقلبات الطقس، الذي يفاقمه حصار إسرائيلي خانق.
وأكدت وزارة الصحة في غزة أن الطفلة فارقت الحياة نتيجة التعرض الحاد للبرد، لترتفع بذلك حصيلة وفيات الأطفال داخل خيام النازحين إلى 8 منذ بداية موسم الشتاء الحالي، في مؤشر يعكس حجم الخطر الذي يهدد الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال والرضع.
ونقل مراسل الجزيرة رامي أبو طعيمة تفاصيل المشهد الإنساني الذي أعقب وفاة الطفلة، موضحا أن العائلة اكتشفت فقدان عائشة مع ساعات الفجر الأولى، قبل أن تُنقل إلى مجمع ناصر الطبي، حيث أُعلن عن وفاتها رسميا.
قصة عائشةويقف أبو طعيمة بجوار الخيمة التي كانت تؤوي الطفلة، ليصف واقعا لا تحتمله أجساد الرضع، حيث لا تقي الخيام المهترئة من البرد ولا تمنع الرطوبة، في وقت تتواصل فيه المنخفضات الجوية التي تضرب القطاع.
وروى والد الطفلة كيف أن ابنته كانت بحالة طبيعية قبل أن يناموا، لكنهم استيقظوا ليجدوها وقد تجمد جسدها من شدة البرد، مؤكدا أن الخيام لا تصلح للعيش، وأن الأطفال يدفعون الثمن الأكبر في ظل غياب البيوت والمأوى الآمن.
أما والدة عائشة، فوصفت اللحظات الأخيرة لابنتها، مشيرة إلى تغير لون شفتيها وتصلب جسدها، رغم محاولاتها المتكررة لتدفئتها طوال الليل، في مشهد يلخص عجز الأمهات داخل المخيمات أمام قسوة الظروف.
إعلانوتأتي هذه الحادثة في وقت تؤكد فيه جهات رسمية أن إسرائيل لم تفِ بالتزاماتها المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار، لا سيما ما يتعلق بإدخال الخيام والمنازل المتنقلة ومواد الإيواء ووسائل التدفئة، رغم الحاجة الملحّة لها مع اشتداد البرد.
وخلال المنخفض الجوي الأخير، غرقت مئات الخيام بمياه الأمطار، في حين انهارت مبان متضررة سابقا من القصف، مما أسفر عن سقوط ضحايا إضافيين، وزاد تعقيد المشهد الإنساني في قطاع يعيش أصلا تحت ضغط نقص حاد في الخدمات الأساسية.
ولا تعد مأساة عائشة حالة معزولة، بل هي حلقة في سلسلة مستمرة من "الموت الصامت" الذي يفتك بأطفال غزة، فقد ذكر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة قبل أيام أن حصيلة ضحايا البرد القارس داخل مراكز النزوح بلغ 7 أطفال منذ بداية موسم الشتاء الحالي.
وبذلك، يرتفع إجمالي عدد الشهداء الذين قضوا نتيجة البرد وانعدام وسائل التدفئة منذ بدء حرب الإبادة الجماعية إلى أكثر من 24 شهيدا، جلهم من الأطفال الخدج وحديثي الولادة الذين لم تحتمل أجسادهم الغضة قسوة العراء.
وفي 12 يناير/كانون الثاني، وثقت وزارة الصحة استشهاد الرضيع محمود الأقرع (أسبوع واحد) في مستشفى شهداء الأقصى، بعد أن وصل إليها وقد تملكته رعدة البرد الشديد حتى توقف قلبه، ولحق به الرضيع محمد أبو هربيد (شهران) في مدينة غزة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026