ذهبت لمشاهدة فيلم «الست» من إخراج مروان حامد، وسيناريو وحوار أحمد مراد، وكان لدى صورة ذهنية مسبقة، حول أداء الفنانة منى زكي، خاصة أن ملامحها وتكوينها الجسدي يختلفان كثيرًا عن سيدة الغناء العربي أم كلثوم. زاد من هذا التحفظ ما تردد عن بعض المغالطات التاريخية، الأمر الذي جعلني أدخل قاعة العرض محملة بتوقعات قبل أن أطلق عنانى لمشاهدة العمل الفنى .
يبدأ الفيلم بمشهد سقوط كوكب الشرق على مسرح «الأولمبيا» بباريس، بعد محاولة أحد المعجبين الصعود إلى المسرح، وهو مشهد صادم ومربك، ثم ينتقل مباشرة عبر فلاش باك إلى طفولتها، حين كان والدها يصطحبها للغناء في الأفراح مرتدية ملابس ذكورية. ومنذ اللحظة الأولى، يرسخ الفيلم فكرة كون أم كلثوم كانت العمود الفقري لأسرتها، ومصدر الدخل الوحيد لها.
على الرغم من أن الانتقال من مشهد السقوط في باريس إلى تفاصيل حياتها لم يكن سلس بالقدر الكافي، فإن الفيلم سرعان ما نجح في جذب انتباهي وشد تركيزي مع بداية السرد الدرامي الفعلي، ليأخذني في رحلة عبر محطات حياة كوكب الشرق الممتلئة بالتحديات والتحولات، رحلة عبر الزمن تخللتها مقاطع موسيقية بصوت سيدة الغناء العربى .بدأت من الطفولة القاسية، وفرض هوية ذكورية للحفاظ على فرص الغناء، إلى مرحلة الشباب، ثم دخولها القصور الكبرى، حيث تخلت للمرة الأولى عن ملابس الرجال، وبدأت في تشكيل صورتها الفنية والإنسانية، وتعرفت على الشاعر الكبير أحمد رامي، أحد أهم المحطات العاطفية والفنية في حياتها.
يقدم الفيلم صورة مختلفة لأم كلثوم؛ صورة المرأة المصرية القوية، الذكية، صاحبة الدهاء والقدرة على إدارة حياتها ومسيرتها بوعي شديد. نراها وهي تدير علاقاتها الإعلامية، كما حدث مع الصحفي محمد التابعي، وكيف فكرت في إصدار صحيفة خاصة بها لتحقيق حلمها بأن تكون أول سيدة تكتب مقالًا، في زمن لم يكن يعترف بسهولة بدور المرأة خارج الأطر التقليدية.
كما يسلط العمل الضوء على أدوارها النقابية والوطنية، مثل توليها منصب نقيبة الموسيقيين، إلى دورها البطولي في جمع التبرعات داخل مصر وخارجها لدعم المجهود الحربي، وهو جانب إنساني ووطني شديد الأهمية في تاريخها، قدمه الفيلم بقدر واضح ومفهوم.
من أكثر الانتقادات التي وجهت للفيلم إظهاره حرص أم كلثوم الشديد على المال، ومحاسبتها لشقيقها "احمد خالد صالح"، وهنا يبرز سؤال مشروع: ما العيب في أن تعرف إنسانة قيمة كل جنيه حصلت بجهد سنوات عمرها؟ وهل الحرص على المال يتنافى مع الكرم أو الوطنية؟ من الانتقادات أيضا أن شخصية أم كلثوم اتسمت بالقسوة والجفاف، بينما أرى أن التوتر والصرامة في حفلة بحجم حفلة باريس، أو حتى حفلاتها داخل مصر، أمر إنساني وطبيعي للغاية.
أكاد أجزم أنني من شدة التصفيق والانفعال في مشهد حفلة مسرح الأولمبيا، وصدق تعبيرات الوجوه، شعرت برهبة الموقف، رغم مرور ما يقرب من ستين عامًا على الحدث، حيث كان ١٩٦٧ بمبادرة من الرئيس الفرنسى شارل ديجول لدعم المجهود الحربى. فماذا كانت تشعر «الست» نفسها في تلك اللحظة التاريخية؟
ومن أجمل عناصر الفيلم المقاطع الموسيقية التي تخللت العمل بصوت أم كلثوم الحقيقي، والتي أضافت الكثير من الروح والصدق، وجعلتني أشعر وكأنني في أمسية غنائية خالصة، لا مجرد مشاهد سينمائية.
ورغم كل إيجابياته، أرى أن الفيلم افتقد محطة شديدة الأهمية في حياة أم كلثوم، وهي «لقاء السحاب» مع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، تلك اللحظة الفارقة فنيًا وتاريخيًا، والتي كان يمكن أن تضيف بعدًا أعمق للعمل.
في المجمل، «الست» عمل جيد، ومختلف عما يتم طرحه في السوق السينمائي خلال السنوات الأخيرة. فيلم يصلح لجميع الأجيال: لعشّاق أم كلثوم، ولجيل الشباب أيضًا، ليتعلّموا منها معنى الاجتهاد، والتمييز، وبناء الذات وسط عالم قاس لا يرحم.
وعندما انتهى الفيلم، تأكدت أن هذا العمل مظلوم. فقد ظلمته كتابات السوشيال ميديا، وأحكام المشاهدة السريعة، التي لم تحاول فهم ما أراد صناعه تقديمه من رؤية إنسانية لا تقديس فيها ولا تشويه.
ملحوظة مهمة:
تعرض المراكز الثقافية التابعة لوزارة الثقافة، المنتشرة على مستوى الجمهورية، فيلم «الست» بأسعار مخفضة (40 جنيهًا فقط للتذكرة)، داخل قاعات مجهزة ومكيّفة، وعلى درجة عالية من النظافة، وهي فرصة حقيقية لمشاهدة الفيلم في أجواء تليق به.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: فيلم الست وماذا بعد أم كلثوم كوكب الشرق أم کلثوم
إقرأ أيضاً:
الموزة المنهوبة للمرة الثانية
اختفى العمل الفنى الشهير «Comedian» للفنان الإيطالى ماوريتسيو كاتيلان من داخل متحف مركز بومبيدو ميتز فى شرق فرنسا، بعدما تعرض للسرقة خلال عطلة نهاية الأسبوع، فى واقعة جديدة تضاف إلى سلسلة الأحداث الغريبة التى ارتبطت بالعمل المعروف عالميا باسم «الموزة المعلقة على الحائط».
وأعلنت إدارة المتحف، وهو فرع لمركز بومبيدو الشهير فى باريس، أنها تقدمت بشكوى جنائية ضد مجهول بعد اختفاء العمل الذى تقدر قيمته بنحو 5.8 مليون يورو، وذلك بعدما اكتشف أحد عناصر الأمن عملية السرقة يوم الأحد.
ورغم أن المتحف استبدل الموزة المفقودة سريعا، باعتبار أن الفاكهة يتم تغييرها كل ثلاثة أيام للحفاظ على كونها طازجة، فإن الإدارة قررت هذه المرة اللجوء إلى القضاء، مؤكدة أن الفاعل لا يزال مجهولا ولا توجد أى وسيلة للتواصل معه أو معرفة دوافعه.
وأوضح المتحف أن هذه ليست المرة الأولى التى يتعرض فيها العمل لمثل هذه الحوادث، مشددا على أن تقديم الشكوى يأتى من منطلق احترام العمل الفنى والحفاظ عليه. وكان العمل نفسه قد تعرض لحادثة مشابهة فى يوليو من العام الماضى عندما أقدم أحد الزوار على أكل الموزة المعروضة أمام الجمهور. وفى ذلك الوقت لم يتخذ المتحف أى إجراءات قانونية، بينما علق كاتيلان ساخرا بأنه شعر بالإحباط لأن الزائر اكتفى بأكل الموزة ولم يتناول الشريط اللاصق أيضا.
ومنذ ظهوره الأول فى معرض آرت بازل بميامى بيتش عام 2019، أثار «Comedian» جدلا واسعا فى الأوساط الفنية والثقافية بسبب فكرته البسيطة والمستفزة، إذ يتكون العمل من موزة مثبتة على الحائط بواسطة شريط لاصق، بينما يهدف إلى طرح تساؤلات حول مفهوم الفن وقيمته الحقيقية.
وعند عرضه لأول مرة فى ميامى بيتش، طُرح العمل بسعر افتتاحى بلغ 120 ألف دولار، قبل أن يتحول لاحقا إلى أحد أكثر الأعمال الفنية المفاهيمية إثارة للجدل فى العالم. وخلال المعرض نفسه عام 2019، أقدم فنان الأداء ديفيد داتونا على أكل الموزة أمام الحضور قائلا إنه كان يشعر بالجوع، فى مشهد أثار ضجة عالمية واسعة.
وفى عام 2023 تكرر المشهد مجددا عندما أكل أحد زوار متحف فى العاصمة الكورية الجنوبية سيول نسخة أخرى من العمل الفنى، ما عزز شهرة الموزة التى باتت تتعرض للاستهلاك أكثر من عرضها. ورغم السخرية والانتقادات التى رافقت العمل منذ ظهوره، فإن قيمته السوقية واصلت الارتفاع بشكل لافت على مر السنوات.
وفى عام 2024 دفع مؤسس العملات المشفرة الصينى جاستن صن مبلغ 5.8 مليون يورو لشراء إحدى نسخ العمل. وبعد أيام فقط من إتمام الصفقة، ظهر أمام الكاميرات فى هونغ كونغ وهو يأكل الموزة بنفسه، فى خطوة أثارت موجة جديدة من الجدل والتعليقات الساخرة.
وتكمن القيمة الحقيقية للعمل، بحسب القائمين عليه، فى شهادة الأصالة والبروتوكول الدقيق الخاص بعرضه، وليس فى الموزة نفسها. وينص هذا البروتوكول على تثبيت أى موزة على ارتفاع 1.72 متر عن الأرض وبزاوية ميل تبلغ 37 درجة، مع استبدالها بشكل دورى عند الحاجة.
ويشتهر كاتيلان بأعماله الفنية التى تمزج بين السخرية والاستفزاز وتطرح أسئلة حول قيمة الفن وعبثية العصر الحديث. ومن أبرز أعماله مرحاض مصنوع بالكامل من الذهب عيار 18 قيراطا يحمل اسم «America»، وهو العمل الذى عُرض على الرئيس الأمريكى دونالد ترامب خلال ولايته الأولى فى البيت الأبيض.