الدبلوماسية المصرية في إقليم مشتعل
تاريخ النشر: 18th, January 2026 GMT
في إقليم تتقاطع فيه المصالح الدولية وتتشابك فيه خطوط النفوذ، تتحرك مصر اليوم بمنطق مختلف، منطق لا يقوم على الصخب، بل على إدارة التوازنات، وبناء التحالفات الهادئة، وإعادة تعريف الأمن القومي بوصفه شبكة مصالح ممتدة لا حدودًا جامدة.
التحركات المصرية الأخيرة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر لا يمكن قراءتها بمعزل عن لحظة إقليمية شديدة السيولة، حيث تحاول قوى إقليمية ودولية إعادة رسم خرائط النفوذ، مستفيدة من هشاشة بعض الدول، ومن تصاعد النزعات الانفصالية، ومن عسكرة الممرات البحرية الحيوية.
من النيل إلى البحر الأحمر: منطق واحد وأدوات متعددة
في ملف مياه النيل، نجحت مصر في نقل المواجهة من مربع الاستنزاف الثنائي إلى الفضاء الدولي، مستخدمة أدوات القانون الدولي والدبلوماسية متعددة الأطراف، التصعيد الهادئ للملف داخل المنظمات الدولية، والضغط السياسي المنضبط، فتح نافذة تدخل دولي أعادت ضبط إيقاع الأزمة، وصولًا إلى دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا على خط الدعوة إلى التفاوض، رغم التعنت الإثيوبي الواضح.
هذه المقاربة — التي تمزج بين النفس الطويل وتدويل القضايا الوجودية — هي ذاتها التي تحكم التحرك المصري في البحر الأحمر وباب المندب، حيث تدرك القاهرة أن الأمن لم يعد مسألة حدود، بل مسألة ممرات، وأن أي خلل في جنوب البحر الأحمر ينعكس مباشرة على قناة السويس، وعلى الأمن الاقتصادي والسيادي للدولة.
تحالفات توازن لا تحالفات صدام
في هذا السياق، يأتي التحالف الثلاثي بين مصر والسعودية والصومال بوصفه تحالف ضبط إيقاع، لا تحالف مواجهة. تحالف يهدف إلى سد الفراغ، ومنع تحويل القرن الأفريقي إلى ساحة صراع بالوكالة، أو منصة نفوذ لقوى إقليمية تبحث عن موطئ قدم على حساب الدول الهشة.
هذا التحالف لا ينفصل عن مشهد إقليمي أوسع، شهد مؤخرًا إعادة ترتيب للعلاقات بين السعودية وباكستان وتركيا، في إطار تحالفات مرنة تعيد توزيع الأدوار في الإقليم، دخول مصر في صيغة ثلاثية مع السعودية والصومال يمثل استكمالًا منطقيًا لهذه الديناميكية، ويبعث برسالة واضحة: أمن باب المندب والبحر الأحمر خط أحمر، وليس مجالًا للمغامرات الجيوسياسية.
قطع الطريق على الفوضى والانفصال
--التحرك المصري- السعودي- الصومالي--
يهدف بشكل مباشر إلى قطع الطريق أمام أي محاولات لاستغلال النزعات الانفصالية، وعلى رأسها ملف “أرض الصومال”، كمدخل لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية للمنطقة، فتكريس واقع انفصالي في هذا الموقع الحساس لا يعني تفكيك دولة فحسب، بل فتح الباب أمام عسكرة المضيق، وتدويل البحر الأحمر، وإدخال لاعبين جدد على حساب أمن الإقليم.
من هنا، يصبح دعم وحدة الدولة الصومالية ليس موقفًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة استراتيجية، تتقاطع فيها مصالح القاهرة والرياض ومقديشو، وتنسجم مع رؤية أوسع للأمن العربي المشترك، حتى وإن لم يُعلن عنها بصيغ تقليدية.
مصر: سياسة النفس الطويل
ما يميز الدبلوماسية المصرية في هذا الإقليم الملتهب أنها لا تتحرك برد الفعل، ولا تنخرط في استعراض القوة، بل تراكم النقاط بهدوء. من النيل إلى باب المندب، ومن القرن الأفريقي إلى شرق المتوسط، تسعى القاهرة إلى تثبيت معادلة بسيطة: الاستقرار أولًا، والسيادة ثانيًا، ومنع الفوضى بوصفها أخطر أدوات النفوذ في عالم ما بعد الدولة.
في زمن التحالفات المتغيرة، تبدو مصر وكأنها تراهن على الجغرافيا والتاريخ معًا، وتعيد تموضعها كقوة توازن لا غنى عنها، لا كلاعب عابر في إقليم سريع الاشتعال.
اقرأ أيضاًوزير الخارجية: لن نقبل المساواة بين مؤسسات الدولة السودانية وأي مليشيات هناك
وزير الخارجية: الرئيس السيسي يقدر اهتمام الرئيس ترامب بقضية مياه النيل
المخابرات الصومالية تنفذ عملية ضد قيادات متشددة في جوبا الوسطى
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: مصر السودان الدبلوماسية الدبلوماسية المصرية أرض الصومال البحر الأحمر
إقرأ أيضاً:
انتخابات إثيوبيا تنطلق في ظل تمردات مسلحة وغياب التصويت في إقليم تيغراي
بدأت في إثيوبيا، الاثنين، عملية التصويت في الانتخابات البرلمانية والمحلية، وسط توقعات بأن يحقق حزب الازدهار الحاكم بزعامة رئيس الوزراء آبي أحمد فوزاً واسعاً، رغم استمرار الاضطرابات الأمنية والسياسية في مناطق عدة من البلاد.
وبحسب ما أوردته وكالة "رويترز"، يحق لأكثر من 50 مليون ناخب مسجل المشاركة في الانتخابات، إلا أن الاقتراع لن يُجرى في إقليم تيغراي شمال البلاد، حيث أعلن المجلس الوطني للانتخابات أن الظروف الأمنية والسياسية لا تسمح بتنظيم العملية الانتخابية، في ظل تداعيات الحرب الأهلية التي شهدها الإقليم بين عامي 2020 و2022.
وأدلى رئيس الوزراء آبي أحمد بصوته في بلدته بيشاشا الواقعة بإقليم أوروميا، مؤكداً أن السنوات الخمس المقبلة ستشهد "محطات تاريخية فارقة" في مسار البلاد.
وقال آبي أحمد إن الشعب الإثيوبي أثبت قدرته على بناء دولته وترسيخ النظام الديمقراطي دون وصاية خارجية، مشيراً إلى أن حكومته تراهن على مواصلة الإنجازات الاقتصادية والتنموية التي حققتها خلال السنوات الماضية.
من جهته، أشاد رئيس بعثة مراقبة الانتخابات التابعة للاتحاد الأفريقي والرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا بسير العملية الانتخابية، مؤكداً أن نجاح الانتخابات في إثيوبيا ينعكس إيجاباً على القارة الأفريقية بأكملها نظراً لمكانة أديس أبابا السياسية والدبلوماسية.
وتأتي الانتخابات بينما تواجه الحكومة الإثيوبية تحديات أمنية متصاعدة في أكبر أقاليم البلاد.
ففي إقليم أوروميا، تتواصل المواجهات بين القوات الحكومية ومقاتلي "جيش تحرير أورومو"، فيما تشهد منطقة أمهرة تمرداً تقوده ميليشيا "فانو" التي تسيطر على مساحات واسعة من الريف منذ عام 2023.
وأفادت "رويترز" بأن هذه التطورات حالت دون إجراء الانتخابات في ثماني دوائر انتخابية على الأقل من أصل 138 دائرة في إقليم أمهرة.
كما لا تزال المخاوف قائمة بشأن استقرار إقليم تيغراي، رغم اتفاق السلام الموقع عام 2022 الذي أنهى حرباً دامية تسببت، وفق تقديرات باحثين، في مقتل مئات الآلاف.
وأثارت خطوات سياسية اتخذها الحزب الرئيسي في الإقليم خلال الأسابيع الأخيرة تحذيرات من احتمال تجدد التوترات والاضطرابات.
ويتوقع مراقبون أن يواصل حزب الازدهار هيمنته على المشهد السياسي، مستفيداً من حالة الانقسام التي تعاني منها أحزاب المعارضة، والتي تواجه بدورها اتهامات للحكومة بتضييق نشاطها السياسي واعتقال بعض قياداتها، وهي اتهامات تنفيها السلطات الإثيوبية.
وكان حزب الازدهار قد فاز في انتخابات عام 2021 بـ410 مقاعد من أصل 484 مقعداً في البرلمان، فيما يُنتظر إعلان النتائج الرسمية للانتخابات الحالية بحلول 11 حزيران/ يونيو الجاري، وفق ما نقلته وكالة "رويترز".